غير أنه بحلول نهاية القرن الخامس الميلادي ديت عوامل الإنحلال والانقسام في أوصال الأمبراطورية الرومانية ، مما أدي إلي انقسامها إلى دولتين أحداهما شرقية عاصمتها بيزنطة القسطنطينية فيما بعد ، ومن ناحية أخري فقد شهدت هذه المرحلة التاريخية انقسام الكنيسة المسيحية إلى شطرين يدين أولهما بالمذهب الأرثوذكسي في بيزنطة ، بينما يدين الثاني بالمذهب الكاثوليكي (فيروما). الأمر الذي مهد السبيل إلي تفتتهما إلى عديد من الدول وآلاف من المقاطعات التي قامت على أنقاضهما . العصور الوسطي - وذلك علي أنقاض السلطة الزمنية التي راحت تتفتت بين الإمبراطور وبين الملوك والأمراء والنبلاء الاقطاعيين في أوروبا (1). ممارسة سلطاتها علي جميع المسيحيين بما في ذلك الحكام أنفسهم ، علي اعتبار أن الحاكم الزمني يستمد سلطته وشرعيتها من الحاكم الروحي ، انطلاقاً من التصور الجديد الذي كان يقوم علي إفتراض أن الله قد سلم السيفين معاً للبابا الذي احتفظ لنفسه بأحدهما وهو سيف السلطة الدينية ، ومن هنا راح الملوك والأمراء - خلال مرحلة العصر الوسيط - يتسابقون أثر الإحياء الأوروبي والاصلاح الديني علي البيئة الدولية : التي ضربت بسهم وافر في مجال توجيه النقد إلي الكنيسة وإلي رجال الدين لما حل بهم من أطماع دنيوية تسببت في الانتقاص مما كانوا يحظون به من هيبة ومكانة كانتا سند قوتهم المعنوية ونفوذهم الروحي لدي الشعوب الأوروبية ولدي حكامها على حد سواء . كذلك فقد كان من جراء حركة الاصلاح الديني أن انقسمت الكنيسة الغربية بين مذهبين هما : الكاثوليكية ، وتمكيناً لسيادتهم علي الأقاليم الخاضعة لهم (۳) وهكذا حل الولاء القومي ، بل والمذاهب القومية محل عالمية السلطة الزمنية الممثلة في الإمبراطور) ، (٤) هذا وقد بلغت تلك الحروب الدينية التي نشبت بين الكاثوليك والبروتستانت - أوجها في حرب الثلاثين عاماً التي إستعر إوارها بين عامي ١٦١٨ و ١٦٤٨ (٥) ، أو عن طريق المصاهرة بين الأمراء والنبلاء الاقطاعيين - إلى تكوين النواة الأولي لنشأة الدول القومية بصورتها الحديثة، فقد بدأ بعض الأمراء الاقطاعيين في الاعتراف بهيمنة أو سيادة بعضهم، ومن ثم بخضوع الأمراء والنبلاء السلطة وسيادة الملوك (1) حيث استطاع الملوك في هذه الدول إخضاع النبلاء الإقطاعيين لسيطرتهم، (۳) كذلك فقد أسفرت معاهدات وستفاليا عن منح هولندا استقلالها القومي. هذا وقد أدي ظهور الأسر الحاكمة إلي تنمية شعور الولاء القومي لدي الشعوب الأوروبية مما خلع عليها نوعاً من التجانس القومي المستمد من الشعور بالولاء الأسرة حاكمة معينة وهو ما يعرف بـ Dynastic في فرنسا، ويمكن القول بأن العلاقات بين الدول الأوربية - منذ نهاية العصور الوسطي وحتي ما قبل الثورة الفرنسية الكبري الصراعات بين البيوت المالكة الأوروبية، (۳) وتجدر الإشارة إلى أنه علي الرغم من قيام الممالك الأوروبية فإن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة للوحدات السياسية في وسط أوروبا وجنوبها ، فقد ظلت مناطق شمال إيطاليا - علي سبيل المثال - موزعة على عديد من وحدات تتنازعها ثلاث قوي هي : الكنيسة ، وتجدر الإشارة إلى أن مبدأ " الولاء القومي " يعد من أبرز المبادئ التي أقرتها معاهدات وستفاليا - في مجال قواعد التعامل الدولي - حيث تضمنت الإشارة إلى الدول القومية باعتبارها اللبنات أو الوحدات المكونة للنسق الدولي الجديد ، في معني أن يكون لولاء الفرد لدولته التي يعيش فيها الأولوية علي أي ولاء أو إنتماء آخر (۲) تعاون فرنسا - وهي دولة كاثوليكية - مع دول الشمال والأمراء الألمان - وهم من البروتستانت - ضد ملوك أسرة الها بسبورج Habsbourg النمساوية. مقابل تمتع فرنسا ببعض الامتيازات ، كحرية الملاحة في المياه الإقليمية للدولة العثمانية، مما كان يعني تغليب فرنسا لمصلحتها القومية أينما كانت (4) والتي كان من أبرزها : الاستناد إلى القوة بإعتبارها مصدر الشرعية للحكم ، ذلك فضلاً عن آرائه عن فصل السياسة عن الأخلاق والقيم بصورة عامة ، خامساً : إعتبار مبدأ احترام " السيادة القومية - National Sovereignty منطلقاً لعلاقات الدول القومية فيما بينها . وقد كان مبدأ احترام السيادة القومية للدول من أظهر المبادئ التي أقرتها معاهدات وستفاليا (١٦٤٨) ، أسند البعض الآخر السيادة إلى أصحاب السلطة الزمنية . وبمعني آخر فإن كياناً ما يعد ذا سيادة ، ومن هنا فقد استند بعض المفكرين إلى تلك الحقيقة لتبرير أحقية صاحب السلطة الدينية بأن يكون هو صاحب السيادة، وهكذا كان من المتعين علي الملوك - أصحاب السلطة الزمنية – من وجهة نظر الفكر الكنسي - أن يمارسوا مظاهر السلطة السياسية مع خضوعهم -في ممارستهم لها - للسلطة الروحية للكنيسة التي تعتبر مسئولة عن الشئون الأخلاقية والدينية ، كما سبق أن ذكرنا - سنداً لشرعية حكمهم، ومن ثم فلم يكن أمامهم من خيار سوي ومع تنامي قوة تيار الإصلاح الديني ، وفي هذه الأثناء كادت الإنقسامات الدينية بين البروتستانت والكاثوليك أن تعصف ومن ثم فقد ظهرت بعض الأفكار الداعية إلى تسويد الملك بإعتباره فوق الأحزاب الدينية المتصارعة، فيصون بذلك وحدة الأمة وبقاء الدولة (٢) وفي عام ١٥٧٦ أيد الفقيه القانوني الفرنسي چان بودان Jean Bodin -- فكرة أن الملوك - Les Six Livres de la République في كتبه الستة عن الدولة دون غيرهم - هم أصحاب السيادة Souverains ، الذهني له - ومن ثم كان ظهور مفهوم السيادة (٢) ويعني مفهوم " السيادة " - كوصف قانوني لواقع سياسي - - القدرة الفعلية على الإنفراد بإصدار القرار السياسي في داخل الدولة وفي خارجها ، ومن ثم القدرة الفعلية على الاحتكار الشرعي لأدوات القمع في الداخل وعلي رفض الإمتثال لآية سلطة تأتي من الخارج " . (۲) وقد أقام بودان فكرته عن السيادة علي اعتبار أن الملوك قد تلقوا سلطاتهم عن الله مباشرة ، فلا يتعين عليه الإمتثال لأية سلطة أو قوة أخري داخلية كانت أم خارجية . وهكذا " فقد جد بودان في الكشف عن سند يؤيد به ماكان يؤمن به من أنه لاسبيل إلي إنقاذ فرنسا - في عصره - إلا بالتمكين لملكية مطلقة ، لا تقيد فيها سلطة الملك برأي ند له ، لقد جد في الكشف عن سند يؤيد به سير الملكية الفرنسية بخطوات واسعة نحو الدولة البيروقراطية الموحدة علي حساب الدولة الإقطاعية ، هذا وقد التقي غالبية الفقهاء علي المدلول الذي قدمه بودان المفهوم السيادة ، وهكذا جمع الملوك بين السلطة الزمنية والسلطة الدينية علي الأقاليم التابعة لهم (۲). كذلك فقد اكتسبت فكرة السيادة مزيداً من التأييد في أعقاب إنتهاء حرب الثلاثين عاماً، بما خلفته من خراب ودمار . حيث اتفقت الدول الموقعة على معاهدات وستفاليا على اعتبار سيادة الملوك والأمراء . البديل الوحيد لإستمرار الحروب الدينية ، كما اتفق الملوك علي أن السلام والاستقرار مرهونان بقدرتهم على فرض إرادتهم علي دولهم بما في ذلك تحديد المذاهب الدينية لشعوبهم . وإنطلاقاً مما سبق فلم يعد ممكناً لأية قوة خارجية أن تتدخل في الشئون الداخلية السياسية أو الدينية) لأية دولة أخري. وقد ترتب علي ذلك اعتبار كل الدول متساوية في السيادة، ولو من الناحية النظرية على أقل تقدير . وهكذا تخلت نظرية وحدة السيادة - الممثلة في الكنيسة - عن مكانها لنظرية تعدد السيادات الزمنية للملوك والأمراء. ومنذ ذلك الحين أصبحت المشكلة الأولي التي تواجه العلاقات الدولية هي تحديد من تكون له الغلبة بين الإرادات المتصارعة والسيادات المتعارضة للدول . ويمكننا أن نخلص إلى القول بأن معاهدات وستفاليا (١٦٤٨) ، قد ساهمت في إرساء مجموعة من قواعد السلوك الدولي التي لاتزال تشكل - إلى وقتنا هذا ركائز التعامل فيما بين الدول 1) إحترام مبدأ السيادة القومية للدول . ۲) عدم التدخل Non-Intervention في الشئون الداخلية للدول الأخري . غير أن أهمية معاهدات وستفاليا لا ترجع إلي ما أرسته من مبادئ التعامل الدولي التي أشرنا إليها فحسب ، وإنما تعود كذلك إلى كونها أولي المعاهدات الأوروبية التي استهدفت تحقيق ما يسمي بالتوازن الأوروبي Equilibre Européen بشكل يحول دون تمكين أية دولة من تهديد استقلال أو أمن جاراتها (۱) ، حيث أكدت عليه غالبية المعاهدات الدولية التي أبرمت بعد معاهدات وستفاليا ، ومن أمثلتها : معاهدة أوترخت Utrecht عام ۱۷۱۳ ، ومعاهدة إكس لا شابيل Aix-la-Chapelle عام ١٧٤٨ ، ذلك فضلاً عن تأكيد المؤتمرات الدولية الأوروبية عليه باعتباره ركيزة استقرار العلاقات الأوروبية على نحو ما حدث في مؤتمر فيينا عام ١٨١٥ وهكذا أصبحت صفة السيادة القومية - منذ مؤتمر وستفاليا - تشكل منطلقاً العلاقات الدول فيما بينها ، ومن ثم تمثل ركيزة النسق الدولي الحديث ، الأمر الذي يمكننا معه القول بأن البيئة الدولية قد راحت - منذ ذلك الحين - تقوم علي "عديد" من دول متميزة ذات سيادة . ويفضي هذا التعدد - في ظل غيبة السلطة العليا عن البيئة الدولية - إلى جعل كل دولة مركزاً متميزاً ونهائياً لإتخاذ القرارات ، ومن ثم تسعي كل دولة إلى فرض إرادتها على ما عداها من الدول تحقيقاً لمصلحتها القومية ، استناداً إلى قوتها الذاتية (1) ، في بيئة دولية ذات طبيعة فوضوية البيئة الدولية وحالة الطبيعة : وإنطلاقاً مما سبق يري هيجل أنه مادامت السيادة تشكل منطلقاً لعلاقات ما بين الدول ، War of every one against every one " الكل ضد الكل واستناداً إلى هذه الطبيعة الفوضوية للبيئة الدولية ، حيث يري Georges Burdeau " أنه ليس ثمة مجتمع إلا حيث توجد فكرة الحق والقانون، (0) أما ويري أنه إذا كان لا مناص من وصف هذه الجماعة بأنها "مجتمع" - رغم كون ذلك خطأ في القياس - فيجب اعتبارها في هذه الحالة "مجتمعاً )1( Société a-sociale لا إجتماعي وهنا تجدر الإشارة إلى ما بين البيئة الوطنية داخل المجتمع الواحد وبين البيئة الدولية فيما بين المجتمعات السياسية من اختلاف في الطبيعة . فبينما تقوم العلاقات السياسية داخل المجتمع الواحد، ويتعين علي المحكومين الإلتزام بواجب الطاعة ، وإنطلاقاً مما سبق يمكننا أن نقابل بين ما تتسم به البيئة السياسية داخل المجتمعات الوطنية من مركزية وهيراركية Hierarchy وضبط سياسي Political Order ، فبينما تمارس النشاطات السياسية الداخلية في ظل السلطة السياسية". تجري العلاقات فيما بين الدول في ظل غيبة السلطة Absence of Power ويتضح مما سبق أن البيئة الدولية بصورتها الراهنة تفتقر إلى عنصر النظام أو القابلية للتنظيم وهكذا يمكن القول - بعبارة أخري - أنه في حين تعتبر البيئة الوطنية بيئة مستأنسة" بعامل الاحتكار الشرعي للقوة ، بما يتضمنه من تجريد أعضاء المجتمع من أدوات العنف ، تعد البيئة الدولية بيئة غيبة السلطة نظراً لقيامها علي جمع من وحدات سياسية ذات سيادة تمثل كل واحدة منها مركزاً متميزاً ونهائياً لاتخاذ القرارات أو Centre autonome de décision ، ومن ثم يمكن القول بأن البيئة الدولية تقوم علي عديد من قوي متميزة قد تتعاون فيما بينها ولكنها لا تتكامل تبعاً لتعدد السلطات فيها وفي هذا الصدد يميز Raymond Aron بين هدف كل من السياسة الداخلية والسياسة الخارجية ، علي اعتبار أن الأولي تستهدف إخضاع المحكومين لحكم القانون بمقتضي الاحتكار الشرعي لأدوات الإكراه في أيدي القائمين على ممارسة مظاهر السلطة السياسية ، بينما يكون الهدف الرئيسي للسياسة الخارجية - في ظل ما تتسم به البيئة الدولية من تعدد مراكز القوة المسلحة أو ما يسميه آرون la pluralité des centres de forces amées - هو ضمان بقاء الدولة في وجه التهديدات التي يمثلها مجرد وجود الدول الأخري ( وفي ظل بيئة دولية هذا شأنها ، ليس من المتصور العلاقات الدول إلا أن تكون علاقات " عداء " ، وفي هذا المعني يقول Hobbes في كتابه الشهير Leviathan : إن العداء في البيئة الدولية إنما يرتد إلى تعارض مصالح الدول ، فمصلحة دولة ما لا تتحقق عادة إلا على حساب مصالح دولة أخري، ومن هنا تسعي الدول - مستندة إلى قواها الذاتية - إلى تبادل فرض إراداتها تحقيقاً لمصالحها الوطنية - وهكذا فإنه في ظل حالة العداء، وفي ظل غيبة السلطة العليا عن عالم السياسة الدولي ، يكون من المنطقي أن تسعي كل دولة إلى حماية أمنها ومصالحها اعتماداً علي قوتها الذاتية ، بما في ذلك إمكانية لجوئها إلى العنف تحقيقاً لمصالحها القومية . ويري أرون أن السمة المميزة للعلاقات الدولية هي شرعية ومشروعية اللجوء إلى القوة المسلحة من جانب الدول وهنا تجدر الإشارة إلى التمييز بين مفهومي القوة Force والعنف Violence علي اعتبار أن القوة تمارس في ظل الإرتباط بالنظام والقانون وبفكرة المشروعية ، في حين أن مفهوم العنف يمثل القوة المتمردة أو الخارجة عن القانون والنظام أو القوة الخام غير المطوعة . وبشرعية لجوء الدول إلي العنف تحقيقاً لمصالحها، لا يعني أن البيئة الدولية لا تعرف الهدوء والانتظام : فمن الملاحظ أن علاقات ما بين الدول - إذ تتم في إطار نسق دولي International System يضم تفاعلاتها، ومن ثم تتبادل في إطاره التأثير والتأثر - تتسم بالإنتظام والتكرار بصورة تجعلها - في أغلب الأحيان - قابلة للتوقع ومن هنا فإن الإنتظامات Regularities التي تحكم تفاعل سلوك الدول مع بعضها البعض - في البيئة الدولية - جديرة بأن توصف بأنها " قوانين " نظراً لأنها تعبر - علي حد قول عن روابط الحتم الصادرة عن طبيعة الأشياء Les rapports مونتسكيو فهذه الانتظامات لا تشكل ، وهكذا يمكن القول بأن العلاقات الدولية تخضع في سيرها للإنتظام الذاتي شبه الآلي ، كبديل عن عنصر التنظيم الإرادي السلطوي أو القانوني) الذي تخضع له العلاقات السياسية داخل المجتمع الوطني فليس ثمة تنسيق دون تبعية "L'ordre est toujours imposé ou ordonné parce qu'il n'ya pas de coordination sans subordination" (3) الأمر الذي يعني أن القول بوجود " نظام " ما يوحي ضمناً بوجود السلطة العليا " المنظمة " علي نحو يحول دون الفوضي من ناحية ، ودون سيطرة أي منها علي ماعداها من ناحية أخري ، وتجدر الإشارة كذلك - في هذا الصدد - إلى مفهوم " النسق " System والذي يعني تصورنا لواقع معين علي أنه مكون من قوي متميزة فيما بينها ولكنها متفاعلة علي وضع يهيئ لسيرها سيراً متزناً . وهكذا يصح - في ظل طبيعة البيئة الدولية التي أشرنا إليها - أن نتمثل هذه البيئة ) بيئة تعدد السيادات المتصارعة ) من ثنايا مفهوم النسق ، فنقول بأن النسق الدولي International System هو تصورنا لحالة الإتزان Equilibrium التي عليها مجموعة دولية معينة متفاعلة مع بعضها ، على نحو يهيئ لانتظام علاقاتها ، بمنأي عن حالة الفوضي الدولية من ناحية ، وتبعاً لغيبة السلطة العليا عن البيئة الدولية ، وفي ظل قيامها علي دول متعددة ذات سيادة تعمل كل منها علي حماية مصالحها القومية ، لا يتصور وجود ما يمكن أن نسميه "بالخير العام أو بالمصلحة العليا علي المستوي العالمي ، فما تراه دولة ما في صالحها بعد - من وجهة نظرها - الخير العام الذي تسعي إلى تحقيقه بإعتباره أمراً تستدعيه مصلحتها العليا أو ما يعرف بـ Raison d'Etat . وهكذا يمكننا القول بأن عالم السياسة الدولي تحكمه نسبية القيم الأخلاقية Moral Relativity - ويترتب علي ذلك أنه ليس ثمة " حق - مطلق أو "عدالة" مطلقة في علاقات ما بين الدول (۲) فحقوق الدول مرهونة بما يتوافر لها من عوامل القوة القادرة فلا حق في عالم السياسة الدولي إن لم تدعمه القوة، ومن ثم فليس للدول أن تدعي لنفسها من حقوق إلا بقدر أهليتها للدفاع عن تلك الحقوق في مواجهة تطلعات الطامعين . وهكذا - وفي ظل بيئة هذا شأنها - لا يتصور إخضاع علاقات ما بين الدول المبادئ قيمية أو لأنماط مثالية ، كما لا يتصور أن تقيد إرادات الدول بأية قيود أو قواعد اللهم إلا ما تقبله أو ترتضيه الدول ذاتها ، عملاً بفكرة التقييد الذاتي للإرادة - auto limitation . ففي ظل غيبة السلطة ، ليس ثمة ما يكفل للدول حماية مصالحها والدفاع عن حقوقها إلا اعتمادها علي قوتها الذاتية . فاعتمادها علي من سواها يجعل أمنها بل وبقاءها رهناً بإرادة غيرها . وهكذا تتشكل العلاقات الدولية وفقاً لتفاعل قدرات الدول المختلفة ، ويعتبر مفهوم " المصلحة القومية " National Interest من المفاهيم المحورية في العلاقات الدولية، إلى الحد الذي جعل بعض أساتذة علم العلاقات الدولية يحددون نطاق هذه العلاقات استناداً إلى مفهوم المصلحة القومية ، أو على حد قوله : the processes-by which States adjust their national inter- ests to those of other States. " (1) كذلك يتفق Marcel Merle مع الرأي الذي يذهب إليه علماء الاجتماع السياسي من أن عالم السياسة بشقيه الوطني والدولي هو العالم الذي تتصارع فيه القوي دفاعاً عن مصالحها وتحقيقاً لسيطرتها . ويمكن تعريف المصلحة القومية بأنها تمثل " كل قيمة ذات أهمية لأي من اللاعبين الدوليين يسعي إلى تحقيقها أو الحفاظ عليها أو العمل علي زيادتها " (۳) كذلك فثمة من يحاول تعريف مفهوم المصلحة القومية من خلال التعريف بمضمون هذه المصلحة ، والذي يتمثل فيما تسعي الدول إلى تحقيقه من أهداف وما تعمل على حمايته من مصالح في (1) وفي هذه الحالة يمكن تعريف المصلحة القومية بأنها تمثل محصلة أهداف الدولة في المجال الخارجي " ، والتي تتضمن - علي سبيل المثال -المحافظة على قدر مقبول من الاستقلال السياسي، وسلامة الكيان الإقليمي للدولة، فضلاً عن تحقيق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي ، وكذلك العمل علي حماية الشخصية القومية والثقافة الوطنية من أخطار الغزو الخارجي، والدفاع عن أيديولوجية الدولة والعمل علي نشرها في الخارج، وكل ما من شأنه الحفاظ علي المكانة الدولية للدولة وزيادة قدرتها ((۲) هذا ويمكن القول بأن مفهوم المصلحة القومية قد تطور إنطلاقاً من مفاهيم سابقة عليه - من الناحية التاريخية. إرتبطت السيادة بالدولة وبالشعب ومن ثم أصبحت المصلحة القومية معبرة عن المصلحة العليا للدولة، وبالتالي معبرة عن المصلحة العليا للجماعة السياسية ككل (۳) وهناك مشكلات عديدة تثار بشأن تحديد مدلول أو مضمون مفهوم المصلحة القومية للدولة علي المستوي القومي ، وأمنها المباشر (1) وثمة تصنيفات عديدة ومتباينة للمصالح القومية للدول، كذلك فالمصالح - وفقاً لمعيار آخر - قد تتباين بين مصالح مشتركة، ومتعارضة، وغير متصلة . وأما المصالح غير المتصلة Irrelevant to one another فهي التي لا يوجد بينها أي إرتباط ومن ثم لا يؤثر تحقيق بعضها علي تحقيق البعض الآخر سلباً أو إيجاباً كذلك يمكن تصنيف المصالح القومية للدول - وفقاً لتقسيم آخر - إلى مصالححيوية Vital Interests وهي تمثل الحد الأدني والضروري من المصالح التي لا يمكن للدول أن تتغاضي عن حمايتها دون أن تعرض بقاءها أو أمنها المباشر للخطر ، والتي غالباً ما تكون علي استعداد للدخول في حروب مع الدول الأخري من أجل الدفاع عنها والحفاظ عليها ، ومن ضمن هذه المصالح الحيوية ما يتعلق عادة بالأمن القومي وسلامة الكيان الإقليمي للدولة، باعتباره الركيزة الأساسية لبقاء الدولة واستمراريتها (۳). ذلك إلي جانب النوع الثاني وهو ما يعرف بالمصالح الثانوية أو Secondary Interests . المصالح المشتركة فيما بينها علي المصالح المتعارضة، والعكس صحيح بالنسبة لعلاقات العداء. غير أنه رغم كون تعارض المصالح القومية للدول من أبرز السمات التي تتسم بها العلاقات الدولية ، فإنه من غير الممكن القول - مع ذلك - بأن مصالح الدول تكون متعارضة أو متطابقة (مشتركة) بصورة مطلقة، يتحدد على مقتضاها شكل العلاقة بين هذه الدول وما إذا كانت علاقة صداقة أم عداء . وكذلك إمكانية وجود مصالح مشتركة بين الأعداء في بعض الأحيان، ونظراً لما يطرأ علي الأوضاع الدولية من تغير متلاحق فإن القول بإستمرارية علاقات الصداقة أو العداء بين الدول بصورة شبه دائمة هو إفتراض تنقصه الموضوعية مفهوم القوة القومية : حيث يكاد يكون هناك إجماع عام بين المهتمين بالعلاقات الدولية علي أن ركيزتها الأساسية تتمثل في القوة ، Morgenthau - أن السياسة الدولية - شأنها في ذلك شأن السياسة عامة - هي صراع من أجل القوة، الخ (۱). وأن المعاهدات ليست كافية بذاتها لتحقيق الأمن، وإنما يتعين أن تقف القوة من ورائها ضماناً للإلتزام بها أو في معني آخر " القدرة علي التحكم في إرادات (عقول) وأفعال الآخرين . وإنطلاقاً من التعريف السابق يجدر التمييز بين مفهومي "القوة" و"القدرة" فالقوة القومية للدولة تعني القوة الكامنة Potential Power التي تشمل عوامل" القوة المتاحة للدولة مادية كانت أم معنوية ، وطبيعية كانت أم اجتماعية)، والتي تعني القدرة الفعلية أو الحقيقية التي تنتج عن تحويل عوامل القوة المتاحة لدي الدولة إلي " قدرة فاعلة ومؤثرة في العلاقات الدولية بما يخدم المصالح الوطنية للدولة ويساهم في تحقيق أهدافها القومية (1)، أو بعبارة أخري هي القدرة علي التأثير Influence في إرادات الدول الأخري بما يحملها علي الخضوع لإرادتنا ، أو القدرة على تشكيل سلوكها بما يتفق وتحقيق مصالحنا وأهدافنا . فعوامل القوة ) والتي يقصد بها الوسائل أو الأدوات أو العناصر التي تمثل ركيزة قدرة الدولة ( تكون عديمة الجدوي إذا لم يتم تحويلها -بعمل إرادي واع - إلي قدرة فاعلة أو قوة عاملة ومؤثرة في إرادات وأفعال الدول الأخري بما يحملها علي تنفيذ إرادتنا وتوفير قدر مناسب من الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية لشعبها بما يكفل لها المنعة والازدهار ، فلا مانع من اعتبار القوة - في هذه الحالة - هدفاً مرجواً لذاته. أو درجة الاستعداد العسكري أو كفاءة الأجهزة الدبلوماسية أو مستوي التقدم التكنولوجي، هذا وقد جري العرف - بين المشتغلين بدراسة العلاقات الدولية - علي تصنيف الدول استناداً إلى إمكاناتها من القوة ، فنقول مثلاً بأن ثمة دولاً ( أو قوي ) عظمي Small وقوي صغيرة ، Middle Powers وقوي متوسطة ، Great Powers Powers.