بعد عودة بريان بقيت قضية التعويضات من دون حل فكلفت لجنة التعويضات باتخاذ الإجراءات المناسبة, فمنحت اللجنة بعد لقائها بالوفد الألماني تأجيلا لأقساط شهري كانون الثاني وشباط بشرط أن تدفع ما قيمته 31 مليون مارك ذهبا بالعملات المقبولة كل عشرة أيام, وحصلت لجنة التعويضات على وعد من الوفد الألماني بان حكومته ستلغي الّإعانات المالية لسكك الحديد وأنها ستزيد سعر الخبز وستضاعف من مصادر الصادرات حتى تتمكن من دفع التعويضات. وبعد أن استلم بونكاريه رئاسة الوزراء شعر بعدم قدرته على تغيير القرارات التي توصلت إليها لجنة التعويضات, فقام بتقديم مذكرة إلى لجنة التعويضات انتقد فيها السلوك الألماني وأشار بأن ألمانيا قادرة بصورة كاملة على الإيفاء بالتزاماتها. انعقد المؤتمر الاقتصادي في جنوا في ايطاليا في 9 نيسان 1922 وحضره ممثلون عن 34 دولة بما فيها ألمانيا روسيا السوفيتية, وعقد المؤتمر استجابة للرغبة البريطانية من اجل تصفية المشاكل العالقة مع روسيا السوفيتية واستئناف التجارة الدولية معها ومع ألمانيا. لكن بونكاريه أصر بأن بلاده لن توافق على تأجيل أقساط التعويضات إلا إذا وافقت ألمانيا على تسخير مناجم الرور إلى دول الحلفاء لاستثمارها لصالح الدول المتضررة, وكذلك إجبار ألمانيا على الاستمرار بدفع التعويضات التي بذمتها لدول الحلفاء. انتهز بونكاريه هذا المؤتمر لمناقشة الديون المترتبة بذمة روسيا السوفيتية على عهد روسيا القيصرية, وأبدى المندوب الروسي استعداده لدفع هذه الديون بشرط أن تدفع دول التحالف تعويضات الخسائر التي تكبدتها روسيا من جراء الحرب الأهلية الروسية والتي كانت هذه الدول من ورائها و تقدر بـ (30) مليار فرنك ذهبي. وبهذا فأن طلبات بونكاريه عمّقت الخلافات بين روسيا السوفيتية من جهة ودول الحلفاء من جهة أخرى, وبددت طموحات لويد جورج في التقارب مع الجانب الروسي من اجل إيجاد أسواق جديدة للتجارة البريطانية وربط الاقتصاد الروسي بالدول الرأسمالية وإبعاد أية فرصة للتحالف الروسي مع ألمانيا. وأدت سياسة بونكاريه هذه فضلا عن إصراره على عدم تأجيل دفع التعويضات إلى فشل المؤتمر من دون أن يحقــق أهدافـه التي عقـد من اجلهـا, وأعلن أمام المشاركين في المؤتمر أن ألمانيا توصلت مع روسيا السوفيتية إلى معاهدة رابالو في 16نيسان 1922 مما أثار الهلع بين البريطانيين والفرنسيين المشاركين في المؤتمر( )، ولاسيما أن أهم ماجاء فيها هو الآتي:- عن كل التعويضات المتعلقــة بتكاليف الحرب وخسائرها, ب ـــ تتنازل الدولتان، وعلى نحو متبادل، ج ـــ تتنازل الدولتان، عن كل تعويض في ما يتعلق بالتكاليف المترتبة على كلا الجانبين بشأن أسرى الحرب. 2- تستأنف, وبصورة سرية جدا, مع تعهد ألمانيا بتدريب السوفيت على التقنية العسكرية الحديثة. كان الرد سريعاً على معاهدة رابالو فبعد يومين من إعلان المعاهدة وتحديدا في 18 نيسان قدمت دول الحلفاء مذكرة احتجاج إلى الوفد الألماني بدعوى إن ألمانيا وقعت المعاهدة من دون علم لجنة التعويضات وهذا يتناقض ومعاهدة فرساي( ). أصاب العلاقات الفرنسية- البريطانية بعض الفتور لان بريطانيا حرصت أن تنأى بنفسها عن السياسة الاقتصادية الفرنسية التي يتبناها بونكاريه, مما شجع ألمانيا على الامتناع عن دفع التعويضات مستغلة الخلافات البريطانية- الفرنسية, فهدد بونكاريه ألمانيا بأن من حق فرنسا العمل بشكل مستقل في تطبيق العقوبات ضد ألمانيا من اجل فرض مطالبها في الحصول على التعويضات وذلك خلال خطاب ألقاه في 24 نيسان 1922. وألمانيا المهزومة لا تدفع, فحاولت الحكومة البريطانية إنهاء التعويضات بوضع خطة لإلغائها, ففي أب 1922عرضت فكرة التخلي عن كل تعويضات الأعمار ومطالب ديون الحلفاء, إذا ما تخلت الولايات المتحدة الأمريكية عن مطالبها بتسديد حلفائها لديونها في أثناء الحرب العالمية الأولى, ساعد هذا المقترح البريطاني على إضعاف قضية التعويضات من خلال ربطها بقضية الديون الأمريكية, فبعث بونكاريه مذكرة إلى الحكومة البريطانية في30 تموز 1922 أكد فيها بأنه لا يقبل تأجيل دفع التعويضات من دون ضمان واضح والذي يتمثل بوضع مناجم الرور بأيدي دول الحلفاء. أو مذكرة بلفورBalfour Note أعلنت فيها بأن الحكومة البريطانية سوف لا تبحث عن أية مدفوعات للتعويضات من ألمانيا ولا مدفوعات من بريطانيا إلى حلفائها على حساب ديونها من الحرب أكثر من المبالغ الصافية التي سوف تكون فيها لندن ملزمة بتسديدها إلى واشنطن. وعلى الرغم من أن الحكومة البريطانية لم تحاول أبدا التملص من حقيقة مديونيتها إلى الولايات المتحدة الأمريكية , لكنها أوضحت بصورة لا لبس فيها في حساباتها وفي تعاملها مع الموقف, بالنظر إلى الموضوعين على أنهما متداخلان بعضهما مع بعض, إلّا أن الحكومة الأمريكية وفي مناسبات عدة أعلنت بأن قضية الديون التي يجب أن تدفعها ألمانيا إلى دول الحلفاء وديون الأخيرين إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليس بينهما أية علاقة تجعلهما مشتركين في موضوع واحد. ولم تعترف بالقروض المالية التي قدمتها الولايات المتحدة الأمريكية إلى حلفائها في الحرب العالمية الأولى وعدتها جزءا من التضحيات المشتركة.