الحضارة ولما تقوم عليه حياتهم من شظف وخشونة، وظل العرب والبربر وأهل الأندلس جميعا يعيشون نفس هذه المعيشة المتبدية زمن الولاة، وأخذوا يخطون في ذلك خطوات قوية منذ عهد عبد الرحمن الأوسط ٢٠٦ - ۲۳۸ هـ). بسبب شغفه بحضارة العرب المادية في المشرق مما دفع تجار قرطبة إلى استيراد أدواتها ونفائسها، وفي ذلك يقول ابن سعيد في ترجمته بكتاب المغرب: «في أيامه دخل الأندلس نفيس الجهاز من ضروب الجلاتب لكون ذلك نفق عليه وأحسن الجالبيه. ووافق زمنه انتهاب الذخائر التي كانت في قصور بغداد عند خلع الأمين فجليت إليه. ولم يلبث أن أنشأ بقرطبة دار طراز الصنع المنسوجات والملابس الأنيقة، وأخذت تنشأ هناك صناعة المحلى والحقاق والتحف والأوانى والأثاث وسرعان ما أخذ المجتمع القرطبي يتحضر في المعاش والحياة الاجتماعية وآدابها في المأكل والملبس والتزين وكان من أهم العوامل في ذلك وفود زرياب غلام إسحق الموصلي في أول عهد عبد الرحمن الأوسط الذي احتفل به احتفالاً عظيماً وقد علم الأندلسيين الأكل على الموائد بالملاعق والسكاكين بدلاً من الأصابع مع تفضيل أنية الزجاج، وأضاف إلى أطعمتهم ألوانا جديدة من أطعمة بغداد. وعلم الرجال أدابا مختلفة في اتخاذ الثياب وتقصيرها وتضييق الأكمام وإرسال شعرهم وراء آذانهم، وأيضا كيف يتألقون في فرشهم وتأثيث بيوتهم. وأخذت الأندلس تخطو خطوات واسعة في الحضارة المادية، ولاحظ ذلك كل من زاروها من رحالة المشرق فقالوا إن خيراتها كثيرة وليس بها شحاذ ولا متسول، وهيا هذا التراء فيها وما كان يجنيه حكامها من الضرائب للتفنن في بناء القصور منذ عهد عبد الرحمن الأوسط وابنه محمد حتى إذا كنا في عهد عبد الرحمن الناصر وجدناه لا يبني قصرا أو قصوراً متعددة فحسب، وفي الطبقة الوسطى دور الموظفين، وفي الطبقة العليا قصره وقاعته الكبيرة المزدانة بأعمدة الرخام وحليها الذهبية وجوهرة كبيرة تتلألأ في وسطها سوى ما كان بالمجلس المعروف بمجلس المؤنس من تماثيل الحيوانات من الذهب الخالص، وكان القصر يمند طولاً في نحو ثلاثة آلاف ذراع وعرضا في نحو ألف وخمسمائة. وكان به نحو أربعة آلاف عمود من الرخام ويتضح ثراء الحكم الأموي وأبهته في بناء المسجد الجامع بقرطية ولا تزال روعته مائلة إلى اليوم على الرغم مما اقتطع منه لكاتدرائية وكنيسة، وقد استغرق وصف روعة المعمار فيه نحو عشرين صحيفة في كتاب الفن العربي في إسبانيا وصفلية لفون شاك وبنى المنصور بن أبي عامر حاجب الخليفة هشام المؤيد بدوره مدينة الزاهرة. ولا ينضح ثراء الحكم الأموى في بناء الجامع الكبير الذي ظل يعنى الحكام الأمويون حتى عهد المنصور بزخرفته والاتساع به ولا في بناء القصور وبناء المدن فحسب، فمن أهم صوره الهدايا الفاخرة التي ذكر ابن حيان أن عبد الرحمن الناصر " كان يرسل بها إلى أمراء المغرب مثل هديته إلى موسى بن أبى العافية سنة ٣٢٢ وما كان بها من قطع البز العجيب الصنعة والطرف الأنيقة من شباب وغير ثياب وطيب وغير طيب وذكر ابن خلدون في ترجمته للناصر هدية " وزيره أحمد بن عبد الملك بن شهيد وما حمل إليه فيها من الذهب،