يبدو طبيعيا أن يحتل إصلاح المدرسة مكانة أولية في سياسة كل دولة. سوى نجاح نسبي. يتعزز الحكم على المدرسة الوطنية بتقويم إنجازات المنظومة التربوية المغربية الذي تقوم به مؤسسات عالمية كالبنك الدولي، فبعد مرور عقد من الزمن على الميثاق الوطني للتربية والتكوين ما فتئت هذه التقويمات تكشف النقاب عن اختلالات كثيرة تحد من فعالية المدرسة المغربية، وتحول دون انطلاقة حقيقية للبلاد في مجال التنمية البشرية (انظر تقرير البنك الدولي 2008 وتقرير المجلس الأعلى للتعليم (2008). سيعالج الموضوع على ضوء مقدمات ستمكننا من التركيز على أسئلة ذات أهمية قصوى، أسئلة ذات صلة وثيقة بأسس المنظومة التربوية ووظائف المدرسة وعلاقتها بمحيطها وتجديدها من حيث أسس التربية ذهب أوكوست كونت Auguste Comte منذ 1854 إلى أن كل منظومة تربوية رزينة تقتضي مسبقا مذهبا فلسفيا واجتماعيا يحدد طبيعتها ويرسم مقاصدها فالتربية قضية ذات أهمية قصوى لا يجب أن تتناول بالعشوائية واللاعقلانية من هذا المنظور واعتمادا على مجهود عقلاني حميد، يعتمد هذا الإطار على مبادئ أساسية تشمل المرتكزات الثابتة (ص (9) والغايات الكبرى (ص) (10) فضلا عن رؤية تتأسس على حقوق وواجبات الأفراد والجماعات (ص (12) والتي يستلزم تطبيقها تعبئة وطنية قصد تجديد المدرسة (ص 15). كما يجب السهر أساسا على تفعيل الميثاق في إطار برنامج عمل وزارة التربية الوطنية والقطاعات المعنية، لاسيما تلك التي تهتم بالتكوين والتربية غير النظامية، والبرنامج الاستعجالي لوزارة التربية الوطنية 2009-2012). حيث نصت مبادئه الأساسية، والمتوقد للاطلاع والإبداع والمطبوع بروح المبادرة الإيجابية والإنتاج النافع. تظهر معطيات الأصالة فيما يلي : قيم مقدسة لا يجب المساس بها : الإيمان بالله، في القيم التالية : المواطنة حقوق وواجبات الفرد : دولة الحق : تقدم البلاد : التحكم في العلوم والتكنولوجيات المتقدمة من أجل ضمان التنافسية والتقدم. تساؤلات: يرى البعض أن التوفيق بين الأصالة والحداثة مبتغى خيالي لا يمكن إدراكه واقعيا. هل المنظومة التعليمية مؤهلة من حيث غاياتها ومناهجها للتوفيق بين أسس الأصالة ومستلزمات الحداثة؟ ألا تسيء النظرية الموحدة التي تطبع القيم التي تحملها البرامج هل يمكن لهذه المنظومة أن تكون متجانسة في تربية المواطن على الوفاء للأصالة والتطلع وذلك بالتركيز على التراث من جهة والمبادئ العالمية لحقوق الإنسان ألا يعد نمط التعايش المفترض بين الأصالة والحداثة وهما إن لم نقل إعاقة، المقدمة الأولى إذن هي التفكير في مهام المدرسة من حيث علاقتها بالأصالة والحداثة. ومع تطور قوى الإنتاج. تحملت مهمة تكوين العامة وبعد أن صارت المدرسة دعامة أساسية في الشأن العام تعددت وظائفها وتشعبت مهامها حتى غدت مؤسسة تتكفل بكل الأوجاع. المدرسة المدانة ، ذهب إيليش 1971 (llich) في كتابه المميز "مجتمع بدون مدرسة" إلى حد الدفاع عن إساءة هذه الأخيرة في العالم بأسره، إلى التربية، اعتبر إيليش المدرسة مؤسسة ضد الإبداعية بالنظر إلى كونها لا تروم إلا المحافظة على نفسها حتى ولو كان ذلك على حساب الخدمات التي تدعي أنها تسديها من هنا أصدر صاحب الكتاب الحكم التالي : تمثل المدرسة نموذجا لمؤسسة الضلال. لن نقف هنا عند إشكالية أضرار المدرسة الاستبدادية التي يدافع عنها إيليش (1971). ولا عند بطلان غاياتها ومشروعيتها في سياق العالم الافتراضي لقرية ماك لوهان Mc 1989 Luhan) الكونية، ولا عند خطورة الأزمة العامة التي تعاني منها مجالات التربية والتكوين والمعرفة فكل هذه القضايا تبدو لنا إشكالية كمالية في بلد كالمغرب : بلد مازال يعاني من نقص بنيوي في مجال التربية وتكوين المواطنين بعد أن حددت عريضة المبادئ. يجب التفكير في الوظائف التي ستتكفل بها المدرسة حتى يتسنى لها الاستجابة لحاجيات البلاد فيما يتعلق بمواطنين واعين بحقوقهم وواجباتهم، مدرسة الأصرة الاجتماعية : تعد المدرسة في النظرية الاجتماعية الكلاسيكية، عاملا يحقق الاندماج الاجتماعي ومؤسسة تسهر على خلق وضمان الأواصر الاجتماعية ( دوركهايم 1992 , ومن هذا المنظور، تضطلع المدرسة بوظيفتين أساسيتين : وظيفة المجانسة تضمن المدرسة الظروف لتشارك نفس القيم، وهو ما يعد شرطا لازما وظيفة المغايرة الاجتماعية : تهيئ المدرسة للتقسيم الاجتماعي للعمل، وللتقطيع إلى ليدخل في عهد الحداثة، تتكفل المدرسة بوظيفة خلق وضمان التضامن العضوي الذي يتأسس على الانتماء إلى المجموعة الوطنية وعليه فالمدرسة تلعب دورا مجمتعيا، وفي هدم المصالح العامة والخاصة. نجد مقاربة إيجابية ومعيارية للمؤسسة المدرسية باعتبارها سلطة تضمن تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص عدالة التساوي : عندما تطبق المدرسة نفس البيداغوجيا على روادها، فإنها تضمن تربية مماثلة للجميع : وحسب الاستحقاق : على الأقل ، يجب على المدرسة أن توفر للجميع شروط المساواة في سيرورة امتلاك الضروريات ودعم المكتسبات، أن يتملك الكفاءات الجوهرية الضرورية لتطوره الشخصي واندماجه في المجتمع. واكتشافات أركيولوجية تؤكد عراقة وغنى الحضارة يسكت عنها سكوتا تاما وثقافتنا الشفوية والكتابية تتجاهل ومبدعونا يحتلون دائما الصفوف الخلفية وراء الكتاب والمبدعين الشرقيين والغربيين في سياق ضعف الذاكرة الذي تحميه المدرسة الوطنية، يتولد شعور منتشر بكثرة حول نقص المغربي واحتقاره للذات وانبهاره أمام كل ما هو خارجي. وأن تنتهي بضعاف الأنفس إلى الاستسلام لأحضان العدمية وأهوال الهجرة السرية التي غالبا ما تؤدي إلى الموت (الحريك)، يجب على المدرسة أن تعمل جاهدة ليجد المتعلم نفسه داخلها، وهذا ما يستلزم بالتأكيد امتلاك اللغات والتعابير الثقافية الوطنية والانخراط في القيم الوطنية والتمسك بالمواطنة المغربية باحترام ما تستلزمه من حقوق وواجبات دون التخلي طبعا عن النقد البناء، يستدعي ما سبق أن تسير الاختيارات اللسانية والثقافية التي وضعت في إطار السياسة التربوية، يفترض في السياسة التربوية أن توضح اختياراتها على مستوى ما هو دستوري، وما هو إجرائي، ولا تظل مجرد ايديولوجية، أو مجرد استجابة التوافق هش يعكس تسوية هشيمة لا تقوم سوى بتأجيل حل المشكل، ويفترض في هذه الاختيارات أن تتصدى لوضعية اللغات الوطنية ووظائفها واستعمالاتها في المنظومة التربوية. كما يفترض فيها أن تركز الاهتمام على العالم القروي، الذي يمثل المجال الذي يعاني من قلة استثمار المجهود التربوي كما وكيفا (الراضي 1995 : زوكاري، إن التشبث الراسخ بالبعد الوطني لا يمكن أن يضع الانفتاح على اللغات والثقافات الأجنبية ولا التنوع الذي يطبع النظام العالمي موضع تساؤل، لأننا أصبحنا نعيش اليوم في قرية كونية تنظمها شبكات التبادل المعولم استنادا إلى قوة هذا المعطى تتجلى وظيفة المدرسة في توفير تربية تؤهل التلميذ ليصبح مواطنا محترما لمحيطه، ومتضامنا مع الإنسانية. مدرسة منفتحة على المحيطين العالمي والمحلي : يقال كثيرا، في الآونة الأخيرة. وفي المدرسة، وفي المجتمع، حاجيات وطموحات الفرد جوهريا : حقوق وواجبات المواطن : مسؤوليات الدولة في علاقتها مع المجتمع والمواطن : . مدرسة تمكن من استباق التغيير: إن المدرسة التي تدمج الإجراء المحلي العالمي، هي بالضرورة مدرسة متحررة من الثقل الرجعي للتقليدية التي تعيق السير قدما نحو التطور (العروي (1967). إنها مدرسة تجعل من المتعلم فردا بالغ التأثير، فردا يملك القدرة على استباق التغيير، فردا يخلق التغيير ولا يكتفي بالاستسلام له يقتضي هذا أن تكون المدرسة بنية تمنح تربية وتكوينا يمكنان من تلقين وضبط ما يلي : الانتقال الأمثل من التقليدية إلى الحداثة : التحكم في العلوم والتكنولوجيات : التطور الاقتصادي والاجتماعي : المبادلات الثقافية مدرسة تربي على أخلاقيات احترام النوع البشري : إن المدرسة التي تنطوي على نفسها وتنعزل في شرنقة خصوصياتها لا يمكن أن تعاش. إنها بانكماشها تخلق شروط اضمحلالها وتولد إجحافا لا يمكن إصلاحه في حق التلاميذ : إذ لا تمنح لهم القدرة على التفاعل مع العالم والاستجابة لمتطلباته من يبدو أن أربعة منها تهم المدرسة المغربية من حيث علاقتها والمواطنة الأرضية : تعليم التفاهم الذي يتأسس على التربية من أجل السلم : تكون البرامج المدرسية والجامعية عبر البيداغوجيا والديداكتيك، في خدمة تربية تشجع تطور الفرد وبناء الشخص الاستقلالية والتفكير والنقد والنقد الذاتي)، والاندماج المجتمعي بتكييف وإدماج سلوكات الفرد في المجتمع كما هو في أفق تغييره، إصلاح المدرسة لا يمكن أن تتحقق الأهداف السابقة إلا بواسطة تجديد المدرسة، فإذا سلمنا مع موران نفس المرجع) بأن وظيفة المدرسة هي منح معارف ضرورية تمكن من : تلقين مبادئ معرفة ملائمة : مواجهة الشك بتعلم الإبحار في محيط الريبة عبر أرخبيلات اليقين . إصلاح المحتويات: غالبا ما يختزل تجديد المحتويات في عملية تقنية ترتبط الخ منطقيا لا يمكن لهذه المهمة أن تؤدي إلى تغيير الرؤية تستطيع بالنسبة للعناصر التي جاءت في الميثاق استثمار مبادئ تقرير بورديو كرو (1989) يجب أن تخضع المقررات لتساؤل منتظم يهدف إلى تطعيمها بالمعارف التي يقتضيها تطور العلم وبالتغييرات التي يشهدها المجتمع وفي صدارتها تلك التي يعرفها الاتحاد الأوربي)، وتستلزم كل زيادة تعويضا بالحذف. بطريقة ناجعة أيضا ( وأكثر تسلية أحيانا) اعتمادا على سبل أخرى. يجب أن تكون البرامج منفتحة ومرنة، قصد الارتقاء بمستويات التعليم، ويستدعي بناء يجب أن يوفق الفحص النقدي للمحتويات المفروضة حاليا بين متغيرين : إجباريتها وقابليتها للنقل من جهة يعد التمكن من معرفة أو من شكل تفكيري ما ضروريا إلى حد ما نتيجة عوامل علمية أو اجتماعية، وذلك في مستوى محدد ( في هذا القسم أو ذاك) ،