عندما نقوم بتحليل نشاط الأفراد وأذواقهم في بيئة معينة نجد عوائد سائدة، تنتقل فيما بينهم كابرًا عن كابر ، فهناك وراثة اجتماعية، كما أن هناك وراثة جسمية. إن ألوان نشاط الفرد وأفكاره في كل مجتمع تنسج دائما على منوال الوراثة، وقوتها الموجهة، فتقاليد المجتمع تتمثل في لعب الطفل، الذي يُعدُّ صورة أولية فطرية من النشاط الإنساني. فإذا ما درسنا أوجه النشاط في بلد معين، تستمد منها الحياة أشكالها، ويشكل فيها الفرد دائما أفكاره وضروب نشاطه على المنوال الذي صنعته القرون والأجيال. بل من الضرورة المنطقية، بل في عام 1269هـ، وإنا لمضطرون إلى أن نؤكد هذا التاريخ، لأنه يسجل نقطة انطلاق في ( تطور تاريخي ( ترجع إليه سائر مشكلات العالم الإسلامي. هذه اللحظة هي نقطة الانكسار في منحنى التطور التاريخي، وهي لحظة انقلاب القيم داخل حضارة معينة. وليس من الصواب أن نبحث عن النظم، عن تطبيق مواهبهم الخاصة على التراب والوقت. إن التركيب الأساسي نفسه قد تحلل فتحللت معه الحياة الاجتماعية، وأخلت مكانها للحياة البدائية. ويؤرخ لتلك الظاهرة في التاريخ الإسلامي بسقوط دولة الموحدين، ثم يبدأ تاريخ الانحطاط بإنسان ما بعد الموحدين، ففي عهد ابن خلدون استحالت القيروان قرية مغمورة، بعد أن كانت في عهد الأغالبة قبة الملك، وقمة الأبهة، والعاصمة الكبرى التي يقطنها مليون من السكان، ولم يكن حظ بغداد وسمرقند خيرا من ذلك؛ لقد كانت أعراض الانهيار العام تشير إلى نقطة الانكسار في المنحنى البيان فإذا نظرنا إلى هذا الوضع نظرة اجتماعية، وجدنا أن جميع الأعراض التي ظهرت في السياسة أو في صورة العمران لم تكن إلا تعبيرًا عن حالة مرضية يعانيها الإنسان الجديد إنسان ما بعد الموحدين الذي خلف إنسان الحضارة الإسلامية، والذي كان يحمل في كيانه جميع الجراثيم التي سينتج عنها في فترات متفرقة جميع المشاكل التي تعرض لها العالم الإسلامي منذ ذلك الحين. فالنقائص التي تعانيها النهضة الآن، يعود وزرها إلى ذلك الرجل الذي لم يكن طليعة في التاريخ، فنحن ندين له بمواريثنا الاجتماعية، وبطرائقنا التقليدية التي جرينا عليها في نشاطنا الاجتماعي. هذا الوجه المتخلف الكئيب ما زال حيا في جيلنا الحاضر، نصادفه في المظهر الرقيق البريء الذي يتميز به فلاحنا الوديع القاعد، أو راعينا المترحل المتقشف المضياف. الذي انطبع في الظاهر بجميع أشكال الحياة الحديثة، فأكسبه ( مليار ) أبيه وشهادة ( البكالوريا ) مظهر الإنسان العصري، بينما تحمل أخلاقه وميوله وأفكاره صورة ( إنسان ما بعد الموحدين). وطالما ظل مجتمعنا عاجزا عن تصفية هذه الوراثة السلبية التي أسقطته منذ ستة قرون،