يثبت التاريخ العربي الحديث، خلال قرنين ماضيين، خطأ نظرية صدام الحضارات. فالحضارة العربية الإسلامية لم تشكل كتلة صماء واحدة تجاه الحضارة الأوربية الغربية التي برزت قوتها مع نهاية القرن السابع عشر. على العكس من ذلك، فإن التجارب العربية الحديثة والمعاصرة تظهر لنا تفاعلها مع الحضارة الغربية فكرا وعلومًا وتقنيات، وقد أثر ذلك تأثيرا عميقا في المجتمعات العربية، وأحدث حركة جدل وأفكار داخل المجتمعات العربية تدل على حيوية الأجيال التي تعاقبت في القرن التاسع عشر وفي القرن العشرين، هذه الحيوية التي تفتقدها منذ عقدين من الزمن. وإذ تفترض نظرية صدام الحضارات أن كل حضارة هي جوهر قائم بذاته لا يتبدل في عمله وبالتالي لا يتغير، فإننا ومن أجل فهم الجدليات التي عاشتها الشعوب والحضارات غير الأوربية الغربية، تقترح العودة إلى مفهوم (الصدمة الحضارية) التي سببها الغرب الأوربي للعالم، وأثر ذلك ليس على الصراع بين الغرب والعالم، وإنما على التجاذبات والصراعات داخل كل حضارة. ولابد من الاعتراف بأن الطابع الشامل للحضارة الغربية قد فرض نفسه على الحضارات الإنسانية جمعاء، من اليابان والصين إلى الهند وفارس وروسيا. لقد أظهر الغرب الأوربي تناقضا صارخا بين الأفكار التي يدعو إليها، والممارسة التي قام بها إزاء شعوب العالم، فبينما قامت فئات متنورة لدى كل الشعوب بهرتها أفكار الثورة الفرنسية القائمة على الحرية والمساواة والعدالة، والأفكار الليبرالية الإنجليزية المؤسسة على فصل السلطات وحرية الفرد واحترام خياراته، فإن الدول الأوربية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين لم تظهر لشعوب العالم غير الوجه الاستعماري، غير عابئة بغير النهب والسيطرة. إن حروب التحرر الوطني في الهند والصين وفي البلدان العربية وإفريقيا كانت تجارب كبرى خاضتها شعوب العالم رافعة شعارات الغرب نفسه في الدعوة إلى الحرية والاستقلال متبنية أنظمة دستورية وبرلمانية قائمة على سيادة القانون. فليس ثمة شعب من شعوب العالم من أبناء الحضارات التاريخية لم يتفاعل مع الحضارة الغربية، وهذا التفاعل أدى إلى بعث الثقافات الوطنية التي منعت هذه الشعوب من الوقوع في التقارب إلى هو حال الثقافة العربية، على أننا نلاحظ أن الثقافات الوطنية في كل مكان في العالم، كما هو من التعبير الأدبي والفني والفكري. قد اكتسبت أبعادا حديثة من خلال تطوير أدوات التي لم يعد أوربيا فقط، بل صار أمريكيا أيضا ..... ولكن لماذا يبدو العالم العربي اليوم، وكأنه لا يزال في مرحلة رد الفعل على الغرب؟ قد يكون دعم الغرب الإسرائيل، والتحيز الغربي ضد الحقوق العربية عاملا في استمرار رد الفعل أو استيقاظه، بعد أن تصالحنا مع الغرب إثر حروب الاستقلال، ولكن وبغض النظر من هذا العامل المهم، الذي لا يفسر تحير الغرب فقط، ولكنه يكشف أيضا عجز العرب من الدفاع عن حقوقهم، فإن مشكلتنا مع الغرب كما كانت في البداية، حين جابهنا للمرة الأولى حضارة الغرب، فإنها عادت في يومنا الحاضر لتعبر عن صراع قوي داخلي، لا شان للغرب فيه. فيمقدار ما فشلت تجارب التحديث العربية، بقدر ما برز رد الفعل على الغرب، وكاننا لا نزال في لحظة الصدمة الأولى، فالاندفاعة التحديثية التي شهدها العالم العربي بعد الحرب العالمية الثانية تراجعت في السبعينات مفسحة المجال أمام الدعوات المعادية للغرب والمطالبة بالانكفاء على الذات. وبذلك فقدنا القدرة على التمييز بين حضارة الغرب وعلومه وتقنياته - التي لا نتوقف عن استخدامها - وبين سياسات حكوماته أو بعضها. وهذا الخلط الذي لا يميز بين ثقافة الغرب وسياسته هو الوجه الآخر لنظرية صدام الحضارات، التي لا تميز التيارات المختلفة داخل كل حضارة، ولكنها تعتبرها كلاً موحدا. فهل يتوجب علينا الآن أن ندعو إلى العودة إلى فكر رواد النهضة الأوائل أمثال الطهطاوي وخير الدين التونسي وعلي مبارك وسواهم الذين لم يبهرهم الغرب إلى درجة الاتباع، ولم تصعقهم صدمته الحضارية إلى درجة الانكفاء على الذات، فأدركوا أن الحضارة الغربية ومنجزاتها هي منجزات للإنسانية جامعات لا يمكن تجاهلها أو الوقوف بوجهها، وهذه المنجزات لا تتوقف عند حدود الآلة والتقنيات، بل تتعدى إلى حرية الفرد ودولة القانون؟