ص الغزل الكيدي : التعريف بالمصطلح : قبل أن تتناول المصطلحين الواردين في عنوان البحث أعني كلمتي " الغزل " و " الكيدي وهي التسمية التي أثرتها على غيرها من المسميات الأخرى التي أطلقها الأدباء والنقاد على هذا اللون من الغزل وسيأتي بيان ذلك - أعرض في إيجاز لمكانه المرأة عند العرب ومنزلة الشعر الذي دار حولها ولم يكن وهم بعيد عن الحي ، فكانوا يركبون وراءهم كل وعر ، حتى يلحقوا بهن وينقذوهن ويغسلوا عار سبيهن ، وهو عار عندهم ليس فوقه عار (۱) وتشجع المقاتلين ، وتنسخ الوبر والصوف ملابس وبيوتا ، وهي ظاهرة جمال ومصدر أنس ، ولذة ومتاع وربة أسرة ، وقائمة على تربية الأبناء ، لا يجرؤ الشعراء علي الحديث إليها إلا في احترام وإجلال ، يضعونها حيث يضع اليونان آلهتهم ، فيستفتحون بها القصيد محتكمين أو معتذرين أو ملتمسين يلقبونها خير الألقاب كما في قولهم : يا ربة الدار قومي - غير صاغرة ضمني إليك رجال القوم والقربا في ليلة من جمادى ذات أنه لا يبصر الكلب في ظلماتها الطنيا (۲) " ومن ثم ندرك سر تمسك الشاعر العربي في القديم وحرصه الشديد علي بدء القصيدة بالنسب واستحضار صورة المرآة ، ونقادنا القدامى لم يغفلوا عن تفسير هذه الظاهرة (٣) وجزع علي هجرها أو ظعنها ، ويبكي حظه ، ويتذكر ماضيه السعيد . والرجال يستبسلون في القتال حتى لا ينكسروا وتسبي نساؤهم (٤) يقول عمرو بن كلثوم في معلقته (4) (٥) على آثارنا بيض حسان تحاذر أن تقسم ، ومما يدل على مكانه المرأة عند العرب إجلال الأزواج لزوجاتهم بمخاطبتين بخير الألقاب ونسبة بعض الشعراء إلى أمهاتهم مثل : شبيب بن البرصاء ، وابن ميادة ، ومنظور بن حية وابن زبانة التميمي ، بل التسبت بعض القبائل إلي الأم مثل : بجيلة ، وخندف ، وطهية نسبة إلي طهية بنت عبد شمس ، ويقول جورجي زيدان : " فقد كان للمرأة عندهم رأي ، وإرادة ، وكانت صاحبة أنفة ورفعة وحزم ، فتبغ غير واحدة منهن في السياسة والحرب والأدب والشعر والتجارة والصناعة (٢) أما عن شعر الغزل الذي دار حول المرأة فيقول عبد الرحمن شكري عنه : " ولقد رأيت بعض القراء لا يفهم منزلة الغزل في الشعر ، وكلما كان نصيب المرء من العوامل الاجتماعية القوية التي تزجي الأمم إلى التفوق والاستعلاء (۳) ويقول يحي الجبوري : " أهم الفنون وأبرز الموضوعات وأعلقها بالقلب وأقربها إلى طبيعة الإنسان هو فن الغزل ، وما يفعل فيهم من الشوق والحنين ، ولم يحفل العرب بشيء احتفالهم بالغزل ، سواء أكان صادراً عن القلب تفرد له القصائد وتحبر له الأشعار ، أم كان تقليد امستحيا تفتح به المطولات ويستراح إليه بعد رحلة الشعر ، فيوصل به الحديث ويعقد عليه الحوار (4) فالغزل الصق الفنون الأدبية بحياة الرجل والمرأة ، فالمرأة نصف الرجل وتمام عيشه ، وهي المعين والإنهام ، والجمال والجلال ، فلا غرابة أن يسعي الرجل إلى نيل رضاها في كل حين . اشترك العربي مع جميع الأمم في التعبير عن هذا الشعور ، حتي ليكاد ديوان الغزل يشكل أكبر الدواوين واعظمها (ع) ولعل حرص الشاعر العربي على بدء قصيدة الرثاء بالغزل يفسر تلك الصلة الوثيقة بين مكانة شعر الغزل والحب في الحياة أما عن التعريف بمصطلح الغزل : فقد جاء في لسان العرب : الغزل حديث الفتيان للفتيات ، واللهو مع النساء ومغازلتهن ومحاورة من ومراودتهن ، أما في اصطلاح الأدباء فيقول أحمد الشايب عن الغزل : " ولعل المعروف الشائع أن الغزل هو الحديث عن المرأة ، وما قد يكون لها من جمال وفتنة ، وما قد تؤثر في نفس الرجل ، وتبعث فيها الحرقة والجوي (٢). ويعرفه بعض الدارسين بقوله : " إن الغزل تعبير عن صبوة الجنس إلي نحو الجنس الآخر ، وهو شعور فطري غير مدافع ، التحفظ ويصاربه إلى التعبير الشهوي فيكون مجونا (٢) . فيتوسل إلى قلوب سامعيه بما يجب ويحبون من نسيب بمحبوته وتعداد لمفاتنها ، وسرد مغامراته أحيانا ، ولا يتأذي أحد بما يسمع ولا يجدون فيه مساءة أو خروجا على الأعراف (۳) . حيث استمع الرسول إلى كعب بن زهير بن أبي سلمي ينشد القصيدة التي شهرت بالبردة وكان كعب استهلها بغزل عف بامرأة وهمية أسماها سعاد (4) يقول أنور الجندي : " أقر الإسلام حق النفس الإنسانية في المجال الحسى وفق نظام كريم رفيع ، ولم يرفض الإسلام الغرائز والميول الإنسانية ، ولكنه اعترف بها وأقرها وفتح لها أسلوبا من التنفيس والتحقيق دون أن يخرجها عن قيمها الأخلاقية وعن العفاف والشرف به (5) . وقد صور الدكتور شكري فيصل هذا المفهوم في براعة حين قال : "لم تكن الحركة الإسلامية منكرة للحياة العاطفية ولا متهجمة لها ، ولم يكن من شانها أن تهمل هذه الحياة العاطفية وأن تجعل منها قوة دافعة نحو الخير والصلاح المشترك (٢) . علي أنه من عبث القول وتعلاته ، وليس من الجد والتشهير وكشف الستر عن المحصنات الغافلات ، وربما كان مرة بعض النساء أن يذكرن في غزل كبار الشعراء ، وكان منهن من يتعرض لهم في المحافل ، وبخاصة نساء عليه القوم والأسر الحاكمة عمدا بدوافع مختلفة كما حدث : في العصر الأموي . ولكن عندما يتخلي الشاعر في شعره عن هذا الاعتبار ويحيد فيه عن جادة الصواب ، فيأخذ في التشهير وكشف الستر عن المحصنات الغافلات : وينحدر بشعره إلى ما وراء الحشمة من المجون والحديث الفاضح من الشهوات ، فتمة شعراء قتلهم غزلهم أو حبسهم وهذا اللون من الغزل تعددت آراء الباحثين والدارسين من الأدباء والنقاد في تسميته ، فتارة يطلقون عليه الغزل الهجائي أو الغزل السياسي أو الغزل الكيدي أو الغزل المستعاد أو الغزل الصناعي . وكان الدكتور طه حسين - أول من أطلق عليه الغزل الهجائي عند حديثه عن الشاعر عبيد الله بن قيس الرقيات فيقول : " وكان يتغزل حينا آخر لا للهو ولا لوصف حب صادق ، بل ليبعث بخصوصه السياسين ، إذ يذكر نساءهم بما يحن وبما لا يحن وكان يتخذ النساء وسيلة إلى حرب الرجال ، فكان يحرص الحرص كله علي ألا يؤذيهن أو يذيع بينهن الفاحشة كذبا وزوراً ، كان يريد أن يتحلق هؤلاء النساء وأن يرضيهن عن نفسه ، وأن يحبب إليهن هذا الغزل الهجائي الذي كان يسوء أزواجهن وأبناءهن وعصبتهن بوجه عام (1) ويقول أيضاً : " وقد وصل ابن قيس الرقيات من هذا الغزل إلي كل ما يريد فأحفظ بني أمية عليه أشد إحفاظ حتى هدروا دمه ، وأبرءوا ذمتهم ممن أواه . ولكنه أرضي أم البنين عن نفسه وبلغ مبلغاً حسنا حتى شفعت له وكسبت له أمان عبد الملك (٢) ووافقه علي هذه التسمية الدكتور / مصطفي هدارة بقوله : " ويتميز الشعر السياسي الزبيري بوجود العاطفة المتحمسة سواء في الانتصار الفريش أم التهجم علي بني أمية . كما تميز بهذا اللون من الغزل الهجاني الذي وكان ممن تعرض لهن رملة بنت معاوية إذ تغزل بها غزلا مفحشا ، وبذلك كان أول من اتخذ الغزل سلاحا للهجاء السياسي (4) ويلتقي الدكتور / يوسف خليف مع الدكتور / شوقي ضيف في تسمية هذا الغزل بالغزل السياسي فيقول : " ولم يكتف ابن قيس الرقيات . انتصاراً لقضيته السياسية بهذا اللون من الشعر السياسي الخالص ، وهو الغزل السياسي ، الذي يتخذ من الغزل وسيلة لخدمة هذه القضية ، وهو اتجاه كان قد سبقه إليه عبد الرحمن بن حسان بن ثابت حين لجت الخصومة بينه وبين يزيد بن معاوية ، فاتخذ من الغزل بأخته رملة وسيلة يغيظه بها وخصوم قومه ، لا عن حب وعاطفه : بل عن تصنع وتكلف وادعاء ، يريد أن يغيظهم ويشهر بهم ، لأنه يتنافي وتعاليم الإسلام ، ثم ابتعثه في العصر الأموي عبد الرحمن بن حسان ، إذ شبب برملة بنت معاوية (٢) ، ويسميه الأستاذ الشايب الغزل الصناعي ، لأنه لا ينطق عن عاطفة ولا يصور ألما . الغزل اتخذ طابعا سياسيا فقد حدث أول ما حدث في خلافة معاوية بن أبي سفيان ، واستغله بعض الشعراء في معظم العصر الأموي . وكان غرض الشاعر أن يشيب بنساء السلطان أو الأشراف ليفتضحهم وتلوك السنه المنشدين والمفنيين أغراضهم ، وكان هذا التشبيب سبه مغيظة تحمل أولي الأمر علي معاقبة الشعراء الخصوم من العقاب . بل هو غزل سياسي محض ، وذلك تسمية صالحة لسبه ، وهو أدخل في باب الهجاء منه في باب الصبابة والنسيب (4) . وتارة أخري يسمية بالغزل المستعار فيقول : " وفي نعت بعض الغزل بالمستعار بعض الغرابة ، وسبب ذلك أن صاحب الغزل لا يريد أن يتغزل بل يريد تشهيراً بأهل المرأة وذوبها وأن يفضحهم بها . وفي نظري أن تسمية الدكتور / الحوفي بهذا اللون من الغزل بالغزل الكيدي أدق وأشمل ولذا آثرتها عنوانا لهذا البحث عن غيرها من التسميات الأخري لاعتبارات عدة منها : ا_إن هذه التسمية تلائم موضوع الغزل ، وخاصة لأنه يتعلق بالمرأة زوجة أو أما أو أختاً أو بنتاً ، ومن المعلوم أن طبيعة الرجل العربي تكمن غيرته علي حريمه وعرضه