الكيمياء : نظرة عبر الزمن : لقد حاول الكثيرون منذ القدم البحث عن طبيعة المادة من حولنا، وتقلبت أنظارهم بين التفسير الفلسفي والتفسير الواقعي، غير أن أغلب الفلسفة على العصور الأولى )عصور أرسطو وأفلاطون، .. (، حدَّت من اكتشافات كثيرة كان من الممكن الوصول إليها لولا انهماك العقل بالبحث في قضايا الفلسفة المجردة عن النظرة الواقعية للمادة التي نعيش معها وتعيش بيننا، ومكث علم المادة وخصائصها كأحد أهم مكونات علم الكيمياء حبيساً غائباً عن الساحة العلمية وسارت عجلة التطور فيه بطيئة جداً. عرف الإنسان الكيمياء منذ القدم، وقد اصطلح على تسمية الكيمياء القديمة بـ الخيمياء التي تعد مزيجًا من ممارسة علوم الكيمياء والفيزياء والفلك والفلسفة؛ والتي كانت تمارس بشكلٍ غير علمي، ولا تخلو من الشعوذة والسيمياء، والتي عرفها ابن خلدون الخيمياء بأنها: «علم ينظر في المادة التي يتم بها تكوين الذهب والفضة بالصناعة». وقد ارتبط هذا الفن منذ الحضارات القديمة بالمعادن والتعدين وصناعة الألوان والدواء وبعض الصناعات الفنية كدبغ الجلود وصبغ القماش وصناعة الزجاج، وحتى طبخ الطعام قد يصاحبه تغيرات كيميائية معينة مثل نبات البفرة الذي زرعه الأمير نديون في فنزويلا منذ آلاف السنين قبل الميلاد، وتحتوي جذور هذا النبات على حمض الهيدروسيانيك القاتل، وقد عرف الهنود الحمر القدامى هذه المادة السامة وقاموا بالتخلص منها بالتسخين الذي يحول هذا الحمض إلى مواد غير سامة. واستخدم الإنسان منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد محلول الشب وبعض الصبغات المحضرة من العفص ولحاء بعض ثمار الأشجار وأوراق نبات السماق في تلوين الجلود والقماش. الحضارات الإنسانيَّة الأولى كالحضارة كالصينية والمصريَّة والبابليَّة والهنديَّة نجحت في جمع معرفة عمليَّة بخصوص التعدين وصنع الفخار والأصبغة، غير أنَّها لم تُطوِّر معرفة نظريَّة منظمة يُمكن اعتبارها علمًا. وكما ظهرت فرضيات الكيميائيَّة في بلاد الإغريق عندما ساد الاعتقاد عند بعض فلاسفة الإغريق أنَّ العالم يتكوَّن من أربعة عناصر أساسيَّة، يُشكِّل تمازجها كل جسم معروف في الكون، وطُرِحت هذه الفرضيَّة بصورتها النهائيَّة علي يد أرسطو، الذي افترض أنَّ هذه العناصر هي النار والهواء والأرض والماء. وفي بلاد الإغريق أيضًا ظهرت الفلسفة الذريَّة، وترجع إلى القرن الخامس قبل الميلاد، حيث افترض الفيلسوف الإغريقي ديموقريطس أن جميع المواد تتكون من دقائق متناهية في الصغر غير قابلة للتجزئة تسمى الذرات. وعلى عكس النظريَّة الذريَّة في العلوم الحديثة فإنَّ مفهوم الذرَّة عند الإغريق كان فلسفيًا تمامًا ولم يستند على الملاحظة والتجريب العلمي. في العصر الهيلينستي ازدهرت الخيمياء، وقد تداخلت الخيمياء مع السحر والشعوذة عند دراسة طبيعة المواد، بهدف اكتشاف طريقة لتحويل المواد إلى ذهبٍ أو صنع إكسير الحياة الذي يمنح الخلود، واكتُشِفت في هذه الفترة عمليَّة التقطير. واستمرَّ ازدهار الخيمياء في الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة، ومن أبرز الخيميائيين في هذه الفترة زوسيموس من بانوبوليس. وبعد سقوط الإمبراطورية الرومانية، انتقل وتركز التطوير الكيميائي في الحضارة الإسلامية عند العرب والمسلمين، وكانوا أول من اشتغل بالكيمياء كعلم له قواعده وقوانينه، وذلك من القرن الأول للهجرة. وكان لهم دور كبير في تطور الكيمياء وازدهاره ازدهارًا كبيرًا، حيث تحول الكيمياء من مجرد صنعة أو حرفة يختص بها المشعوذين وتبحث عن أشياء خرافية مثل إكسير الحياة وتحويل المعادن الرخيصة إلى ثمينة، إلى علم متكامل قائم بذاته يقوم على التجربة العملية والمنهج العلمي. وقد أسس المسلمون مفهوم تجريبية علم الكيمياء، فقال جابر بن حيان: "إن واجب المشتغل في الكيمياء هو العمل وإجراء التجربة، لقد اختصر علماء العرب والمسلمين الأوائل الوقت على العالم بأسره ودلوهم على الطريق المختصرة للاكتشاف؛ فوضعوا أسس المنهج العلمي في البحث والمبني على التجريب وتسجيل المشاهدات والاستنتاجات، وهو المنهج الّذي ساهم بشكلٍ كبير وواضح في تقدّم كافة العلوم الطبيعية ومنها علم الكيمياء. يُعدُّ جابر بن حيان الملقّب بـ «أبي الكيمياء»، المؤسّس الحقيقي لمفهوم علم الكيمياء، المبني على مفهوم التجريبية، إذ يقول: «إن واجب المشتغل في الكيمياء هو العمل وإجراء التجربة، وإن المعرفة لا تحصل إلاَّ بها». حتى أن العرب سمَّوا الكيمياء عامةً بـ «صَنْعَة جَابِر». وكلمة كيمياء ذات أصلٍ عربي، وتشتق الكلمة من المصدر كمي بمعنى أستر وأخفى، ووجهة ذلك تعتمد على الكتمان وتحريم إذاعتها وإفضاء أسرارها لغير أهلها لكون هدفها تحويل المعادن البخسة إلى ذهب وفضة. استمر تطور علم الكيمياء بعد إسهامات المسلمين فيه؛ وفي القرن السابع عشر الميلادي، عندما قام بويل بأبحاث، وقسم الأجسام إلى مواد أولية وهي: العناصر والمركبات والمخاليط؛ وصاغ قانون الذي يعرف باسمه، وضف فيه العلاقة بين ضغط الغاز وحجمه. وتلته بعددها أبحاث بلاك ولافوازييه عن الاحتراق والتأكسد، وقانون حفظ الكتلة، الذي أشار من قبل العالم المسلم الأندلسي أبو القاسم مسلمة بن أحمد المجريطي، وذلك في كتابه «رتبة الحكيم». ومن ثم برستلي الذي اكتشف الأكسجين في الهواء، ثم كافنديش الذي اكتشف تكوين الماء، ومن ثم اقترح دالتون مقترحًا بالنظرية الذرية عن تكون المادة؛ بأنها تتكون من ذرات غير قابلة للانقسام، تتشابه الذرات المكونة للعنصر في الحجم والكتلة والخواص الكيميائية وتختلف ذرات العنصر عن ذرات العناصر الأخرى. تم تطويره بعد ذلك ليصبح جدولًا دوريًا للعناصر في الستينيات من القرن التاسع عشر عندما ابتكر العالم ديمتري منديلييف الجدول الدوري، وقام مندليف بترتيب العناصر طبقًا لكتلتها الذرية. وفي نهاية القرن التاسع عشر اكتشف وليام رامزي الغازات النبيلة، بالتعاون مع اللورد رايلي، وفي مطلع القرن العشرين، اكتمل فهم الأسس النظرية للكيمياء بسبب سلسلة من الاكتشافات التي نجحت في استكشاف واكتشاف طبيعة البنية الداخلية للذرات. ففي عام 1897 اكتشف العالم طومسون الإلكترونات في الذرة، وفي عام 1911 وفي محاولة من العالم رذرفورد لإثبات صحة نظرية العالم طومسون بأن الذرة تتكون من إلكترونات سالبة الشحنة تتوسطها شحنة موجبة موزعةً بالتساوي قام العالم رذرفورد بتجربة تعرف باسم «تجربة رقاقة الذهب»، اكتشف من خلالها الهيكل الداخلي للذرة وتنبأ بوجود البروتونات في الذرة، وشرح أنواع مختلفة من النشاط الإشعاعي ونجح بتحويل طبيعة العنصر الأول بقذف النيتروجين بجسيمات ألفا. وفيما بعد عام 1926 م أظهرت أبحاث العالمين شرودينجر ودوبروكلي أن الإلكترونات تدور حول النواة بمدارات غير ثابتة تسمى «السحابة الإلكترونية». عِلْمُ الكِيِمْيَاءِ هو العلم الذي يدرس المادة والتغيُّرات التي تطرأ عليها، تحديدًا بدراسة خواصها، بِنيتها، تركيبها، سلوكها، تفاعلاتها وما تحدثه من خلالها، ويدرس علم الكيمياء الذرات والروابط التي تحدث بينها مكونةً الجزيئات، وكيف تترابط هذه الجزيئات فيما بعدها لتُكوّن المادة. ويدرس أيضًا التفاعلات التي تحدث بينها. وللكيمياء أهمية كبيرة في حياتنا، وتدخل في مجالات كثيرة وتلعب دورًا مهمًا في الصناعات بمختلف أنواعها، كالصِّناعات الغذائية، صناعة المواد التنظيفية، الدهانات، الأصبغة، صناعة الأدوية والعقاقير، النسيج والملابس والأسلحة وغيرها. ولها تطبيقات أخرى في الطب والعلوم الأخرى. ويطلق على الكيمياء تسمية «العِلْمُ المَرْكَزِي»، وذلك لدورهِ الجوهري في ربط العلوم الطبيعية ببعضها. وعلم الكيمياء هو أحد العلوم الطبيعية، التي تشمل كلًّا من الفيزياء وعلوم الأرض وعلم الفلك وعلم الأحياء. ويُعدُّ تاريخ صناعة الكيمياء ذا أثرًا بالغً في مجال الكيمياء عمومًا. تدرس الفيزياء المادة أيضًا، ولكنها تدرس كميَّات الفضاء، والمادة، والقوانين التي تحكمها، والكيمياء فرع من العلوم الفيزيائية ولكنّها لا تتفرع عن الفيزياء. أقسام الكيمياء: تنقسم الكيمياء إلى فروع عدة تتفرّع منها أقسام أخرى، الكيمياء العامة: والتي تدرس المبادئ الأساسية في الكيمياء. الكيمياء الفيزيائية : هي دراسة الأصل الفيزيائي للتفاعلات والأنظمة الكيميائية. وتدرس تغييرات حالات الطاقة في التفاعلات الكيميائية. الكيمياء الحيوية : هي دراسة المواد الكيميائية، والتفاعلات الكيميائية التي تحدث في الكائنات الحية. تدرس الكيمياء الحيوية العمليات الكيميائية في الكائنات الحية. الكيمياء التحليلية: هي تحليل عينات من المادة لمعرفة التركيب الكيميائي لها وكيفية بنائها. تعرف الكيمياء التحليلية بأنها العلم الذي يبحث في تحليل المكونات الكيميائية للعينات المدروسة. التحليل النوعي: ويستخدم طرق وقياسات لتحديد مكونات المادة، دون الاهتمام بكمياتها أو نسبها. التحليل الكمي: ويستخدم بتحديد كمية كل مكون موجود في المادة أو نسبته. وهو نوعان حجمي ووزني.