ما فإن الحل لا يلتمس من مصدر واحد و تعليم اللغة ، مشكلة يحاول « علم اللغة التطبيقي » أن يبحث لها عن « حل » ، من أجل ذلك قلنا إنه علم يمثل جسرا يربط بين عدد من العلوم ، التي تلتقي عندها العلوم التي لها اتصال بلغة الإنسان . وهذه مسألة مهمة جدا في مبدأ « التطبيق » على وجه العموم، وهي مهمة جدا أيضا في المنهج الذي نود أن نلفت إليه. علم اللغة التطبيقي إذن علم متعدد المصادر والروافد ، يستمد منها مادته لحل المشكلة التي يضطلع بها ، لأن « اللغة » الإنسانية لها اتصال وثيق بالنشاط المعرفي للإنسان ، فإن ثمة اتفاقا على أن علوما أربعة تمثل المصادر الأساسية لعلم اللغة التطبيقي هي: ، - علم اللغة النفسي - علم اللغة الاجتماعي علم اللغة : وعلم اللغة هذا ليس المقابل النظري لعلم اللغة التطبيقي على ما أشرنا أنفا ، وصفا ، لظواهر اللغة . وعلم اللغة النفسي، وعلم اللغة التطبيقي ، أطلق بعض الباحثين على علم اللغة مصطلح « علم اللغة اللغوي Linguistic linguistics تمييزا له من هذه العلوم ، وتأكيدا لطبيعته الأصلية باعتباره علما و مستقلا » يهدف إلى وصف اللغة الإنسانية وصفا و علميا » بصرف النظر عن الفوائد « العملية » لهذا الوصف ، بل متجنبا هذه الفوائد في أغلب الأحيان . 1 - إذا كان علم اللغة يهدف إلى دراسة الكلام الإنساني ، محددا منهجه على أساس ( موضوعية » العلم ، فإن الطابع العام له كان طابعا و تجريديا » ؛ لأنه أصر منذ دي سوسير أن يكون درسه موجها للغة « في ذاتها » و « من أجل ذاتها ، ومن ثم ندرك المقولة الكبرى بأن الوصف اللغوي وصف «مستقل» في ذاته ، و « مكتف بذاته » وهذا الطابع التجريدي كان نتيجة طبيعية لوصف الظواهر اللغوية بعزلها من سياقاتها من أجل وضعها في تعميمات ، وقد استغرق علم اللغة « اللغوي » في هذا التجريد، كالاكتساب » اللغوي، حتى إن بعضهم نادى بعلم لغة آخر يكون أكثر إنسانية ۲ - وهذا الطابع التجريدي كان ثمرة لما أكده دي سوسير أيضا أول الأمر من أن علم اللغة علم وصفي Descriptive وليس علما معياريا Prescriptive أي أنه يصف الشيء بما هو عليه ، ولا يقدم معايير لما ينبغي أن يكون عليه الشيء . ولعلنا نذكر أن من بين ما وجه إلى النحو العربي من نقد في العصر الحديث أنه نحو معياري وليس نحوا وصفيا - شهد علم اللغة - على ما أشرنا - تغيرا جوهريا في النظرية ، النظرية البنائية ، وهي ترى دراسة « المادة » اللغوية التي أمامنا باعتبارها الشيء الحقيقي « الملموس » ، ثم ترى دراستها في إطار « سلوكي » يؤكد أن أي فعل لا يفهم إلا في ضوء المثير : Stimilus و الاستجابة » Response . وقد أفضى ذلك بطبيعة الحال إلى أن يكون المنهج البنائي منهجا استقرائيا Inductive يبدأ أولا بجمع « المادة ، ويصل بعد ذلك إلى القاعدة أو إلى النظرية وهي التي ظهرت على أيدي تشومسكي Chomskyفترى أن اللغة الإنسانية أكبر نشاط ينهض به الإنسان ، ومن ثم كان التوجه إلى دراسة : الفطرة » اللغوية Competence باعتبار أن لدى كل إنسان . قدرة » على اللغة ، ومن هنا فإن اللغات تتشابه في أشياء كثيرة أساسية مما يعرف الآن بالكليات » اللغوية Universals وهذه القدرة على اللغة تؤكد أن اللغة الإنسانية لا يمكن أن تكون استجابة المثير وإلا كانت نشاطا « آليا » ، وإنما لغة إبداعية Creative تتكون من عناصر محدودة يمكن حصرها لكنها تنتج جملا لا تنتهي عند حصر ، لكنه لا يمكن فهمه إلا في ضوء معرفتنا بالفطرة اللغوية ؛ ثم تحدد نوع المادة ، وإجراءات أي أنها ذات منهج استدلالي Deductive ۲ - علم اللغة النفسي : والمحوران الأساسيان في هذا السلوك هما « الاكتساب » و الأداء » اللغوى Performance ، عند الإنسان ذلك أن الاكتساب اللغوي يحدث في الطفولة ؛ وهو يكتسبها في زمن قصير جدا ، ويتشابه الأطفال في كل اللغات في طريقة اكتسابهم للغة مما يدل على وجود هذه الفطرة الإنسانية المشتركة أو هذا الجهاز اللغوي العام . والطفل يكتسب اللغة التي يتعرض » لها ، وهو بطبيعة الحال ـ و تعرض" » غير منظم ، ومهما يحاول الكبار من « تبسيط » للغة أمام الطفل فإن ذلك لا يمكن أن يكون وفق تخطيط ، ولا يوجد أبوان يقرران أن يقدما لطفلهما طريقة الاستفهام في أسبوع ، والتأكيد في أسبوع ثالث . وإذا كان هناك نوع من التنظيم فإنه تنظيم « داخلي » عند الطفل ذاته . ماذا يحدث و داخل ، الطفل حين يتعرض للغة ؟ هذا ما يسمى العلم الآن في محاولة الكشف عنه ويكاد يكون هناك اتفاق أنه توجد علاقة ما بين الاكتساب اللغوي والتطور « البيولوجي ، لدى الطفل، ومهما يكن من أمر فإن هناك اتجاهين أيضا - شان ما رأينا في علم اللغة - في فهم الاكتساب اللغوي : 1 ) اتجاه استقرائي يرى أن الطفل « يجمع » ما يتعرض له من ظواهر اللغة ، وإجراء و تعميمات ، عليها . وهي تتكون من مفهومات موروثة ؛ أي أنها وهي مفهومات عامة عن اللغة الإنسانية ، ثم و من الضروري - كما هو واضح - أن نفرق بين « اكتساب » اللغة ، و « تعلم » اللغة : فالاكتساب يحدث في الطفولة كما رأينا ، أما تعلم اللغة فيحدث في مرحلة متأخرة حين يكون الأداء اللغوي قد تكون ، وحين تكون « العمليات » العقلية قد نضجت أو قاربت النضج ، ومعنى ذلك أن الذي « يتعلم » اللغة هو غير ذلك الطفل الذي كان « يكتسب » اللغة ؛ إذ حدث تغير « كيفي » في وظائف الأعضاء ؛ وأما « الأداء » اللغوي فهو المجال الثاني لعلم اللغة النفسي. الإنسان الفرد لغته ؟ وماذا يكمن وراء ذلك من 24/133 والأداء اللغوي ضربان : أداء إنتاجي Productive أو كما كان القدماء يسمونه أداء نشطا أو فاعلا Active وهو حين ينتج الإنسان اللغة ؛ أي حين يكون متكلما أو كاتبا ، أي حين يكون مستمعا أو قارئا - ويكاد الاهتمام العلمي الآن يتوجه إلى الإنتاج الاستقبالي للغة ؛ لأنه كما ذكرنا في الاكتساب يدل على وجود عمليات داخلية كثيرة ؛ إذ ماذا يحدث بالضبط حين يستقبل الإنسان لغة ما ؟ أيراجعها على قوائم مخزونة لديه من أصوات ومفردات وجمل ، أم أن لديه مخزونا آخر نظر يا يمثل قواعد كلية عامة يجري على أساسه عملياته اللغوية ؟ ومن الجوانب التي يهتم علم اللغة النفسي بدراستها في الأداء اللغوي دراسة - الأخطاء » سواء أكانت أخطاء إنتاجية أم أخطاء استقبالية والبحث عن العوامل النفسية وراءها ودراسة هذا السلوك تتمايز الآن - كما كررنا - في منهجين : منهج سلوكي يدرسه في إطار المثير والاستجابة ، ولا يلقي بالا - لذلك أيضا - إلى ما لا يخضع للملاحظة كمقاصد المتكلم و نواياه وخطته في الكلام وغير ذلك . ومعنى ذلك أن تعلم اللغة يبدأ من « البيئة » ، وتؤثر فيه عوامل خارجية ومن هنا انتقل الاهتمام من « البيئة » و « العوامل الخارجية » إلى الطفل ذاته ، أو إلى المتعلم ذاته ؛ ثم « يختبر » الإنسان افتراضاته مما يسمعه ، ويعدل قواعده إلى أن يصل إلى القواعد المستقرة بين الكبار . علم اللغة النفسي إذن يختص بالسلوك اللغوي عند الفرد ، فإن علم اللغة الاجتماعي يدرس اللغة باعتبارها تتحقق » في « مجتمع » ، أي لابد أن يكون هناك « متكلم » و مستمع » أو متكلمون ومستمعون ، وتتوزع فيه « الأدوار » و « الوظائف » وفق « قواعد » متعارف عليها داخل المجتمع . ولقد ازدهرت بحوث علم اللغة الاجتماعي في الآونة الأخيرة مما أسبغ على الدرس اللغوي طابعه الإنساني ، يقولون إن المجتمع الإنساني هو « ثقافته » ، بل ذهب بعضهم إلى أن اللغة هي الثقافة ب) المجتمع الكلامي : قلنا إن المجتمع تحدده ثقافته ، وحيث إن اللغة هي الوجه الناطق عن الثقافة فإن المجتمع الكلامي يعني ذلك المجتمع الذي - ٢٤ - تسوده لغة تعبر عن ثقافته . قد يبدو ذلك من أمور البداهة ، لكننا نلفت إليه لأن هناك مجتمعات تتكلم لغة واحدة ومع ذلك تعد مجتمعات كلامية مختلفة : فالإنجليزية هي اللغة الأولى في 27/133 الولايات المتحدة وأستراليا وبلاد أخرى ، وهذه جميعها ليست مجتمعات كلامية واحدة ، بل بينها اختلافات ونزعم أن هذه القضية جديرة بالدرس على مستوى العالم العربي ؛ إذ نقرأ « أنماطا » من « العربية » الفصيحة لا تنتمي إلى المجتمع الكلامي العربي العام ؛ وتنتمي إلى ثقافات أخرى مغايرة . فهل تكون هذه الأنماط - وهي فصيحة - موضعا للاختيار في تعليم العربية لأبنائها أو لغير الناطقين بها ؟ إن كل مجتمع يتعارف على « نظام ، خاص « للاتصال ، ولم يعرف الإنسان حتى الآن وسيلة للاتصال أهم ولا أشمل من اللغة » . ويهتم علم اللغة الاجتماعي اهتماما خاصا بدراسة أنظمة الاتصال المختلفة وعلاقتها باللغة . فما تأثير ذلك على تعليم اللغة ؟ د) الأحداث الكلامية : إن أي نطق بشري في مجتمع ما إنما « يحدث ، محدد تحده عناصر معينة ، وتؤثر في شكله وفي معناه ، فقد يكون الكلام متشابها ، 133/ وعناصر الحدث الكلامي هي : المتكلم ، والمستمع ، والعلاقة بينهما ، وشكل الكلام الكلامي . هـ ) الوظائف اللغوية : إن الأحداث الكلامية تفضي بنا إلى فهم « الوظائف » اللغوية : فالرسالة اللغوية التي تجري داخل الحدث الكلامي انما تؤدي وظيفة » معينة . وإذا كانت هناك وظائف « عامة » بين اللغات فإن الأغلب والأعم أن هناك وظائف « خاصة » بكل لغة ؛ كما أن لغة « التحية » و « الشكر » لا تؤدي وظائف واحدة في المجتمعات الإنسانية و ) التنوع اللغوي : لا توجد لغة على هيئة واحدة أو على نمط واحد أو على مستوى واحد ، وإنما هناك « تنوع » لغوي وفق معايير علمية خاصة ويهتم علم اللغة الاجتماعي بدراسة التنوع اللغوي الذي يبدو على هيئة لهجات « إقليمية » جغرافية ، أو لهجات « اجتماعية » أو لهجات « مهنية » تخص مهنة معينة أو ميدانا خاصا . ما نود أن نلفت إليه أنه إذا كانت هناك قواعد لغوية للأصوات أو للكلمة أو للجملة فإن هناك « قواعد ، 29/133 باعتباره حدثا يجري داخل مجتمع كلامي ويؤدي وظائف لغوية محددة . ومن الواضح أن كل ذلك لا يمكن إغفاله ونحن نبحث قضية تعليم اللغة (4) . إن تعليم اللغة يتحرك في ضوء سؤالين لا ينفك أحدهما من الآخر : ماذا تعلم من اللغة ؟ وكيف تعلمه ؟ ومن الواضح أن وأن الثاني سؤال عن الطريقة » و يتكفل بالإجابة عن السؤال الأول علم اللغة ، وعلم اللغة الاجتماعي ، وعلم اللغة النفسي في بعض الجوانب . أما السؤال الثاني فيجيب عنه علم التربية ، وفي بعض جوانبه أيضا علم اللغة النفسي تتصل بموضوعنا اتصالا مباشرا : 1) نظرية التعلم : فالتعلم يأتي بعد الاكتساب . ومرة أخرى نجد التمايز نفسه بين ويستبعد الدوامل الكامنة غير الظاهرة ، ومنهج آخر عقلي يرى أن كل إنسان مزود بجهاز لغوي فطري يمده بافتراضات عن اللغة ، وما يصنعه المتعلم أنه يختبر هذه الاقتراضات اختبارا مستمرا حتى يصل إلى القوانين الطبيعية للغة . وقد أكد الاتجاه المقلي أن العوامل الخارجية ليست ذات تأثير فاعل في التعلم ؛ يسقطها ميل الأطفال إلى « التعميم ، أبيض - أبيضة ، أو في استخدامه القياسي للنفي ، وغير ذلك ، وما نلحظه في الطفل الإنجليزي حين يستخدم الماضي من Come go فيقول Comed - goed رغم أن الكبار ينطقون الصيغة « المقبولة » أمامه مئات المرات ، وينطبق ذلك أيضا على مقولة التكرار ومقولة التعزيز ومهما يكن من أمر فإن الاتجاه السلوكي استقرائي يهدف إلى ترسيخ و العادات » اللغوية استعانة بهذه العوامل الخارجية ، أما الاتجاه العقلي فاستدلالي يهدف إلى تقوية - القدرة » اللغوية التي فطر الإنسان عليها عن طريق تمكينه من وسائل الاستدلال الصحيح بإشراكه إشراكا فعليا في « إنتاج » اللغة لا « محاكاة » ما يتلقاه منها وتلك أيضا ذات تأثير مباشر على التعلم ، ولا يتصور وضع نظام تعليم لغوي دون معرفة خصائص المتعلمين أنفسهم ؛ وإنما نجد فروقا لابد من درسها ومراعاتها . العمر » و و استعداد ، وقدراته و المعرفية ، ۲۸ - 31/133 اللغوية السابقة، أو معرفته بانه أجنبية أخرى ، في د شخصيته » ، التي تحفزه من تعلم اللغة (6) . جـ) الإجراءات التعليمية : وهذه من أهم الجوانب التي لا غنى لتعليم اللغة عنها ! ذلك أن أي مقرر تعليمي لابد له من إجراءات تضعه موضع التنفيذ داخل قاعة الدرس ، ولاشك أن تعليم اللغة يختلف من موقف الآخر تبعا لعوامل كثيرة ؛ منها و أهداف » المقرر ، من هنا ظهر ما يعرف بالمدخل بعد ذلك نأتي إلى الوسائل التعليمية التي أصبحت أساسية في تعليم اللغات لتطوير المهارات التي تحددها الأهداف .