قال الملك للفيلسوف : قد سمعت مثل الملوك فيما يجري بينهم وبين قرابينهم، فإنَّ الطبيب الرفيق لا يداوي المرضى بالمعاينة لهم فقط، ولكنه ينظر إلى البول ويجس العروق، ويحق على المرء اللبيب إذا وجد قومًا لهم وفاء وشكر أن يحسن فيما بينه وبينهم لعله يحتاج إليهم يومًا من الدهر فيكافئوه؛ فإنَّ العاقل ربما حذر الناس ولم يأمن على نفسه أحدًا منه، فلما رآهم فكّر في نفسه وقال: ما أراني مقدّمًا لآخرتي شيئًا أفضل من أن أخلص هذا الإنسان من بين هؤلاء الأعداء، فأخذ حبلا فدلاه فتعلق به القرد لخفته فأخرجه، ثم دلاه الثانية فتشبث به الببر فأخرجه، ثم دلاه الثالثة فالتوت به الحية فأخرجها، وقال القرد : إنَّ وطني في جبل كذا وكذا إلى جانب مدينة يقال لها براجون ۲ وقال الببر وأنا أيضًا في أجمة إلى جانبها. فإن أتيتها يوما من الدهر أو مررت بها فاحتجت إلينا فنادنا حتى نخرج إليك ونجازيك بما أوليتنا وأتيت إلينا. ولم يلتفت إلى ما ذكره القرد والببر والحية من قلة شكره، فإنَّ منزلي بها، ثم توجه نحو المدينة فاستقبله الببر فحياه وسجد له وقال: قد أوليتني جميلا ، وذهب إلى ابنة الملك فقتلها وأخذ حليها وأتاه به فدفعه إليه من غير أن يُعلمه، فقال السياح في نفسه هذه البهائم قد أولتني هذا وصنعته بي، فكيف لو انتهيت إلى الصواغ؟ فإنه إن كان معسرًا لا شيء له فإنَّ أقلَّ ما يصنع أن يبيع لي هذا الحلي بثمنه، فإني لا أرضى لك بما في منزلي فانطلق الصائغ حتى أتى الملك فقال: إنَّ الرجل الذي قتل ابنتك وأخذ حليها قد أخذته، فلا تطالبن به أحدًا ، فإني قد ظفرت به ومعه الحلي، فهجموا على السياح فأخذوه وأتوا به إلى الملك، فلما رأى الحلي معه أمر به أن يعذَّب وأن يُطاف به في المدينة ثم يُصلب، فلما فعل به ذلك وطيف به المدينة، جعل يبكي ويقول بأعلى صوته: لو أني أطعت القرد والببر والحية فيما أمرنني به لم يصبني هذا البلاء، فلما بصرت به اشتد عليها أمره، فانطلقت إلى ابن الملك فلدغته على رجله، فبلغ الملك ذلك فدعوا له أهل العلم ليرقوه فلم يُغنوا عنه شيئًا، وقد كانت الحيَّة تقدمت إلى أخت لها من الجن فأخبرتها بخبر السائح وفعاله بها وما قد أصابه،