عتبر الوحدة الوطنية الأساس في استقرار الدول ونمائها، وهي التي يقوم عليها البناء الوطني السليم وبالتالي تشكل هدف التنمية السياسية وغايتها الأولى، من هنا فإن أي مساس بالوحدة الوطنية من شأنه تقويض السلم الأهلي وبالتالي تراجع عملية التنمية السياسية فيها، وعليه فإن الوحدة تشكل بحق أهم الثوابت الوطنية وأكثرها إلحاحا وحيوية. مفهوم الوحدة الوطنية: يرتكز مفهوم الوحدة الوطنية على ركيزتين أساسيتين: الركيزة الأولى:الجانب المعنوي أو السيكولوجي القيمي، بمعنى آخر تعظيم الروابط التي تشكل نسيج المجتمع وقوام اللحمة بين عناصره ومكوناته. وأساس هذه الروابط دائماً الانتماء وحب الوطن والرغبة في العيش المشترك. الركيزة الثانية:الجانب المادي الإقليمي والقانوني، الذي يرتبط بالأساس بوحدة الدولة وتكاملها، وعلى بناء نموذج للتقدم والديمقراطية. ويتفق معظم الباحثين حول الأولوية التي تحظى بها الوحدة الوطنية في بناء هذا النموذج، فالوحدة الوطنية أحد أضلاع مثلث يشكل قاعدة ارتكاز للدولة الحديثة، وبين حاضرها وما تشهده من نهضة وتطور، على أن تجري هذه التعددية، بمظاهرها وتفاعلاتها، من خلال إطار يحترم سمو الهوية الوطنية على مختلف الهويات، هي شراكة تكفل مشاركة واسعة في عملية بناء الدولة، ولا تتحقق مثل هذه الشراكة عادة دون ضمانات دستورية وقانونية تكفل ليس فقط حق المشاركة على قدم المساواة للجميع، بل وتعزز سيادة القانون وحقوق مختلف الجماعات والأفراد، هذه الأضلاع الثلاث: علاقات التماسك والترابط، كمملكة البحرين، وفي مثل هذه الحالة لا غنى عن تلك الأضلاع الثلاث، مصدر هذا الاختلاف – إن وجد - قد يكون بين جماعات تختلف في تكوينها وطبيعتها: كجماعات النوع الاجتماعي – المرأة والرجل – أو جماعات عرقية – السود والبيض والملونين – أو الجماعات السياسية كالجمعيات والأحزاب السياسية والحركات الأيديولوجية. في إطار من التسامح والحرية المسئولة، بين هذه التكوينات والجماعات على اختلاف طبيعتها والولاءات التي تمثلها. والتخلي عن أساليب الكراهية واحترام الخصوصية والهوية الوطنية والانتماء الوطني وما يمثله من سمو وأولوية تسبق كافة الولاءات والانتماءات الأخرى في الدولة. آليات تحقيق الوحدة الوطنية: تدور كلها حول تعميق الرغبة في العيش المشترك لدى قطاعات ومكونات المجتمع، والحفاظ على التعددية في إطار الانتماء الوطني الشامل وتلطيف حده الاختلافات بين الجماعات والعناصر المتنوعة، بما يجعل التعدد والتنوع مصدر ثراء وقوة، وليس مصدر تهديد أو ضعف يعاني منه المجتمع. أدوات التنشئة التي تستخدم لتحقيق الوحدة الوطنية: 1- الأسرة، والتي تتولى صياغة شخصية الطفل منذ الولادة، 2- التعليم ومؤسساته بما في ذلك مؤسسات التعليم العالي، حيث تعمل هذه المؤسسات على نحو مهني ونظامي على غرس وتطوير قيم المواطنة وحب الوطن وقداسته ووحدته وأهدافه وقيمه، 3- الإعلام ودوره في تعزيز وحدة الدولة وسيادتها وسموها وحماية مقوماتها وأركانها الأساسية وهي الشعب والإقليم والسيادة. ويتعاظم دور الإعلام خصوصا لدى الشباب، 4- المؤسسات الدينية ودور الخطاب الديني في توحيد صفوف الأمة وتماسكها وترابط عناصرها، 5- الجمعيات الشبابية والنوادي ومؤسسات المجتمع المدني وما تقوم به من أدوار وأنشطة تطوعية لها دورها الإيجابي في تعزيز التماسك الوطني وتقوية الشعور بالانتماء والولاء للوطن كولاء نهائي وأساس يسبق ما عداه من ولاءات وانتماءات. الوحدة الوطنية شرط ضروري للنهضة والتنمية : تحتاج أية نهضة وأية إستراتيجية للتنمية إلى بناءٍ للقدرات وتجميع وتعظيم للموارد وترشيد وعقلانية وتخطيط وتوجيه كل الطاقات في اتجاه تحقيق الأهداف والرؤى التي ارتضاها المجتمع والدولة لتحقيق تلك النهضة أو التنمية. لقد أشار صاحب السمو الملكي سمو ولي العهد الأمين في كلمته السامية في ابريل الماضي إلى التحدي الرئيس الذي تفرضه ضرورة البناء والتحديث والتطوير من خلال المحافظة على الوحدة الوطنية وتعزيز اللحمة بين أبناء المجتمع البحريني، والتي تشكل امتداداً لتاريخ عريق وحد المسيرة الوطنية وألهم أبناء الشعب من وطن يرنو دائما إلى إن يكون الوطن النموذج المشترك الجامع بين مواطني البحرين وليس على الطائفة أو المنطقة، وإنما على احترام وسيادة القانون. الوحدة الوطنية في ظل المشروع الإصلاحي: يؤكد دستور مملكة البحرين وميثاق العمل الوطني على أهمية ودور الوحدة الوطنية، وأشارا إلى مجموعة من المبادئ والأسس التي من شأنها تعزيز الوحدة الوطنية وفي مقدمتها: 3- ترعى الدولة التعليم والثقافة والعلوم والآداب والفنون، كما ينظم القانون أوجه العناية بالتربية الدينية والوطنية في مختلف المراحل كما يعني بتقوية شخصية المواطن واعتزازه بعروبته. باعتبارها الدعامة الأساسية التي تستند إليها جهود المملكة وإنجازاتها. ويؤكد ميثاق العمل الوطني على الأهمية والاستمرارية التي يشكلها ذلك التلاحم الدائم بين الشعب والقيادة، والتعامل بواقعية مع التحديات والقضايا الجوهرية. كما يؤكد الميثاق – في مقدمته وتحت عنوان شخصية البحرين التاريخية: حضارة ونهضة – على تلك الشراكة الدستورية بين الشعب والحكومة "كترجمة لروح الوحدة الوطنية وتجسيد حي لها". ويأتي الحفاظ على الوحدة الوطنية ضمن أول أهداف الحكم وأسسه وفق الميثاق. ويؤكد ميثاق العمل الوطني على ضرورة صيانة البلاد ورفع شأن الدولة والحفاظ على الوحدة الوطنية كأولويات وأهداف مركزية تشكل المقومات الأساسية للمجتمع والدولة في مملكة البحرين.