فَيَا أَيُّها المُؤمِنُونَ : لَقَدْ دَارَ الفَلَكُ دَوْرَتَهُ حَسَبَ سُنَّةِ اللهِ التِي لاَ تَتَحَوَّلُ وَلاَ تَتَبَدَّلُ ((فَلَنْ تَجِدَ لِسُّنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُّنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً))(1)، وَأَصْنَافُ البَرَكَاتِ، وَصَفَاءِ النُّفُوسِ وَسَلاَمَةِ الصُّدُورِ، وَلَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَلْقَاهُ كَمَا يَلْقَى كُلَّ هِلاَلٍ، بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالابْتِهَالِ، هِلاَلُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ))، لِتِجَارَةٍ مُبَارَكَةٍ رَاجِحَةٍ رَابِحَةٍ، يُضَاعِفُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا الأُجُورَ، فَحُقَّ لَهَا أَنْ تُوْصَفَ بِأنَّها تِجَارَةٌ لَنْ تَبُورَ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ((إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ، لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ))(2)، فِي كُلِّ الأَوقَاتِ، ومَنْ أدَّى فَرِيضَةً فِيهِ كَانَ كَمَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ)). وَإِيثَارٍ جَمِيلٍ، وَأَحْسَنْتُمُ المَتَابَ؛ فَكَفَّرَ اللهُ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ، وَمَنَحَكُمْ عَظِيمَ الأَجْرِ وَجَزِيلَ الثَّوَابِ، فَهُوَ إِذَنْ لاَ يَخْـلُو مِنْ سَقَطَاتٍ، وَلِذَلِكَ كَانَتِ التَّوْبَةُ مِنْ لَوَازِمِهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ، فَيُحْبِطَ كُلَّ مَا عَمِلْنَاهُ، وَيَهْدِمَ كُلَّ مَا بَنَيْنَاهُ، واستَمِعُوا إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ يُنَادِينَا فِي القُرآنِ بِصِفَةِ الإِيمَانِ فَيَقُولُ: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ))(3)، ويَقُولُ سُبْحَانَهُ: ((وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ))(4)، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْـلِ، حتَّى تَطْـلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا))، بِتَوْبَةٍ صَادِقَةٍ سَوِيَّةٍ، لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنَّا مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبٍ، يَقُولُ الرَّسُولُ -صلى الله عليه وسلم- : (( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَعَرَفَ حُدُودَهُ وَتَحَفَّظَ مِمَّا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَفَّظَ مِنْهُ كَفَّرَ مَا قَبْـلَهُ))، وَيَقُولُ -عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ-: (( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ))، وَادْخُلوهُ مُحَافِظِينَ عَلَى أَدَاءِ مَا أَمَرَكُمُ اللهُ فِيهِ مِنْ صِيامٍ وَقِيَامٍ، وَتِلاَوَةٍ لِكِتَابِ اللهِ وَمُدَارَسَةٍ لَهُ، وَتَمَسُّـكٍ بِمَكَارِمِ الأَخْلاَقِ، فَشَهْرُ رَمَضَانَ مَحَطَّةٌ لِتَعْبِئَةِ القُوَى النَّفْسِيَّةِ وَالرُّوحِيَّةِ وَالخُلُقِيَّةِ، التِي تَحتَاجُ إِلَيْهَا كُلُّ أُمَّةٍ فِي الحَيَاةِ، تَنْهَزِمُ أَمَامَهَا المَطَالِبُ الجَسَدِيَّةُ، وَبِذَلِكَ تَصْـفُو الرُّوحُ وَتَكَونُ أَكْثَرَ نَقَاءً، وَتَتَفَوَّقُ صُعُودًا وارتِقَاءً، إِنَّ المُسْـلِمَ الصَّائِمَ طَوَاعِيَةً وَاخْتِيَارًا وَعُبُودِيَّةً للهِ وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ، بَلْ يَرَى فِيهِ حَافِزًا إِلَى مُوَاصَلَةِ العَمَلِ، لِنُحَقِّقَ فِيهِ مَا نَأْمُلُهُ مِنْ تَفَوُّقٍ وَنَجَاحٍ، إِنَّ الصِّيَامَ الذِي فَرَضَهُ اللهُ عَلَى المُسْـلِمِينَ فِيهِ الجَمْعُ بَيْنَ القُوَّتَيْنِ الرُّوحِيَّةِ وَالمَادِّيَّةِ جَمْعًا رَائِعًا مُنْسَجِمًا، فَهُوَ مِنَ النَّاحِيَةِ المَادِّيَّةِ قُوَّةٌ لِلْجِسْمِ يَدْفَعُ عَنْهُ كَثِيرًا مِنَ الأَمْرَاضِ وَالأَخْطَارِ، إِنَّ الوَافِدَ المُبارَكَ يُهِيبُ بِنَا وَيُنَادِينَا بِلِسَانِ حَالِهِ أَنِ انْبِذُوا الأَنَانِيَّةَ وَالأَثَرَةَ وَالعُزلَةَ، وَانْطَلِقُوا جَمِيعًا إِخْوَةً فِي اللهِ مُتَحابِّينَ، يُعِينُ القَوِيُّ مِنْكُمُ الضَّعِيفَ، وَيَعْطِفُ الغَنِيُّ مِنْكُمْ عَلَى الفَقِيرِ، وَيَتَقدَّمُ الجَمِيعُ بِخُطًى ثَابِتَةٍ نَحْوَ مِضْمَارِ السِّبَاقِ، يَقُولُ الرَّسُولُ -صلى الله عليه وسلم-: ((أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرُ بَرَكَةٍ، يَنْظُرُ اللهُ تَعَالَى إِلَى تَنَافُسِكُمْ فِيهِ، وَيُبَاهِي بِكُمْ مَلاَئِكتَهُ، فَأَرُوا اللهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خَيْرًا، فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ فِيهِ رَحْمَةَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ))، لَقَدْ كَانَ الرَّسُولُ -صلى الله عليه وسلم- جَوَادًا كَرِيمًا، لاَ يُوَازَى فِي ذَلِكَ وَلاَ يُبَارَى، وَلاَ يُسَامَى وَلاَ يُجَارَى، فَإِذَا أَقْبَلَ رَمَضَانُ كَانَ أَكْثَرَ كَرَمًا وَأَعْظَمَ جُودًا، يَقُولُ ابنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ فَيُدَارِسُهُ القُرآنَ، إِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ بِمَا فِيهِ مِنْ طَاعَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، يُعَوِّدُنا الصَّبْرَ وَالاحتِمَالَ؛ وَيُبَارِكُ اللهُ فِي القَلِيلِ فَيُصْبِحُ كَثِيرًا، أَو يُحْبِطَهُ يَأْسٌ أَو كَسَلٌ، وَالصَّبْرُ الذِي يُعلِّمُنا إِيَّاهُ رَمَضَانُ لَيْسَ الصَّبْرَ الذِي تَدْفَعُ إِلَيْهِ الفَاقَةُ أَو يُلْجِئُ إِلَيْهِ الحِرْمَانُ، بَلْ هُوَ الصَّبْرُ الاختِيَارِيُّ، فَالذِي لاَ يَستَطِيعُ الصَّبْرَ وَهُوَ مُخْتَارٌ؛ واستَبِقُوا فِيهِ الخَيْرَاتِ، وَأَصْلِحُوا القُلُوبَ وَنَقُّوا الضَّمَائِرَ، وادْعُوا اللهَ أَنْ يُصْـلِحَ أَعْمَالَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ. الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ، وَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِيْنَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِيْنَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ. أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ : وَالتَّقْوى هِيَ خَيْرُ زَادٍ، لِمَنْ أَرَادَ النَّجَاةَ فِي يَوْمِ التَّنَادِ، يَقُولُ تَعَالَى: ((وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى))(5)، وَلَقَدْ فَضَّـلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذَا الشَّهْرَ بِنُزُولِ القُرآنِ الكَرِيمِ فِيهِ، فَطُوبَى لِعَبْدٍ جَعَلَ القُرآنَ الكَرِيمَ فِي هَذَا الشَّهْرِ رَفِيقَهُ، فَضَاعَفَ التِّلاَوَةَ فِيهِ، وَبِذَلِكَ يَنَالُ شَفَاعَتَيْنِ: شَفَاعَةَ الصِّيَامِ وَشَفَاعَةَ القُرآنِ، يَقُولُ الرَّسُولُ -صلى الله عليه وسلم- : ((الصِّيَامُ وَالقُرآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُشَفَّعَانِ))، وَأَعَانَ فِيهِ إِخْوَانَهُ، وَصُدُورٍ مُرَحِّبَةٍ بِهِ، فَعَبَدُوا اللهَ فِيهِ حَقَّ عِبَادَتِهِ، وَتَعَاوَنُوا عَلَى تَحقِيقِ هَذَا الهَدَفِ النَّبِيلِ، فَأعَانَهُمُ اللهُ وَأَنَارَ لَهُمُ السَّبِيلَ، فَأَصْـلَحَ اللهُ بَالَهُمْ، وَالعَفْوِ وَالمُسَامَحَةِ، أَملاً فِي أَنْ يَتَقَبَّـلَ اللهُ صِيَامَهُمْ وَقِيَامَهُمْ، لِيَجِدُوا ثَوابَ ذَلِكَ أَمَامَهُمْ، وَطُوبَى لِمُجتَمَعٍ استَقْبَلَ شَهْرَ رَمَضَانَ بِالبُعْدِ عَنِ الإِسْرَافِ وَالتَّبْذِيرِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ((وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا، إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا))(7). فَاتَّقُوا اللهَ -عِبادَ اللهِ-، واجعَلُوا هَمَّـكُمْ فِي الشَّهْرِ الكَرِيمِ تَزكِيَةَ أَرْوَاحِكُمْ، فَفِي تَزْكِيَةِ الأَرْوَاحِ رِضَا اللهِ المَلِكِ المَعْبُودِ، وتَشَبُّهٌ بِمَلاَئِكَةِ اللهِ الرُّكَّعِ السُّجُودِ. هَذَا وَصَلُّوْا وَسَلِّمُوْا عَلَى إِمَامِ الْمُرْسَلِيْنَ، وَقَائِدِ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِيْنَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيْمًا: ((إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّوْنَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا صَلُّوْا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوْا تَسْلِيْمًا ))(8). اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيْمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيْمَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِيْنَ، وَعَنْ المُؤْمِنِيْنَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ، وَقَلْبًا خَاشِعًا مُنِيْبًا، وَعَمَلاً صَالِحًا زَاكِيًا، وَإِيْمَانًا رَاسِخًا ثَابِتًا، وَيَقِيْنًا صَادِقًا خَالِصًا، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِيْنَ، وَوَحِّدِ اللَّهُمَّ صُفُوْفَهُمْ، وَأَجْمِعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الحَقِّ، وَاكْسِرْ شَوْكَةَ الظِّالِمِينَ، وَاكْتُبِ السَّلاَمَ وَالأَمْنَ لِعِبادِكَ أَجْمَعِينَ. وَاجْعَلْنَا مِنَ الذَّاكِرِيْنَ لَكَ في اللَيْلِ وَالنَّهَارِ، رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً،