1ء إن التواصل الديداكتيكي هو ذلك التواصل الذي تتم أساسا من خلاله العملية التعليمية ــ التعلمية، هذه العملية تتأسس في عمومها على ركائز أو مكونات ضرورية تتجسد في المدرس و المتمدرس و المنهاج التعليمي. و بحكم أن عملية التواصل عملية دينامية وجدلية، فإن المدرس و المتمدرس يتناوبان على لعب دوري المرسل و المستقبل و ذلك بشكل تفاعلي، و هكذا يكون التواصل الديداكتيكي ذلك الميكانيزم الذي يتم عبره التفاعل بين المدرس و المتمدرسين بغية الوصول إلى أهداف تتحدد قبلا: و يتضمن هذا الميكانيزم حمولة معرفية أي مضمونا هو مجموع الدلالات و المعاني و الخبرات و الإعلامات التي يود أحد الطرفين المتواصلين إيصالها إلى الآخر، فالخبرة التي يود المدرس نقلها إلى التلاميذ قد يتأثر وصولها إليهم بحسب موقفهم منه، و اتجاهاتهم نحو العملية التعليمية و ميولهم إلى المادة، و كذلك بتصوراتهم حول موقف المدرس منهم و علاقته الوجدانية بهم و العكس صحيح. و تبقى ضرورة الإشارة إلى أن مفهوم التواصل يستلزم بالضرورة وجود تغذية راجعة قد يستفاد منها بدرجات تتفاوت من حيث الوظيفة بحسب درجة الوعي بأهميتها و تلعب هده الاستفادة دورا مهما في تصحيح سيرورة التواصل و تقويم اعوجاجه و تفادي سوء الفهم و التفاعل و الابتعاد عن حوار الصم. غير أن التواصل الديداكتيكي ليس نوعا واحدا، فبالإضافة إلى ما تمت الإشارة إليه أعلاه من تنوع من حيث موضوع التواصل (المعرفة، كما أن التواصل ضمن جماعة الصف يمكن أن يكون لفظيا أو غير لفظي؛ هي التواصل العمودي السائد في الطريقة التقليدية حيث يكون المدرس في الغالب مرسلا و التلميذ مستقبلا و العلاقة بينهما علاقة تراتبية عمودية تجسد التصورات التي يحملها كل طرف عن الآخر و مواقفه منه و إدراكا ته بموقع ذاته و موقع الآخر؛ و يبقى التواصل بين المدرس و التلميذ في إطار علاقة ثنائية بالأساس ترتكز على التفريدية انطلاقا من الإيمان بأهمية الفروق الفردية و ضرورة مراعاتها في التعلم. بينما يرتكز النموذج الثالث على الجماعة، و هذا ما ساد في الطرائق الفعالة المرتكزة على آلية التفكير الجماعي، حيث تتم عملية التعلم ضمن الجماعة و بالجماعة، و هذا ما يستلزم تواصلا جماعيا مبنيا على الحوار و النقاش و التشاور. بل يتقاسمه مع التلاميذ انطلاقا من القناعة بأن الدرس شراكة بين من يعلم و ذاك الذي يتعلم. و هكذا نلاحظ من خلال هذه الأمثلة أن عملية التواصل قد تتخذ أشكالا مختلفة، و ذلك بحسب البعد الذي نتناول من خلاله هذه العلاقة التفاعلية، و ألا يكون تواصله معهم إيجابيا لأمرين أساسين؛ فهو مضطر بشكل حتمي لأن يتواصل، لأن العلاقة التعليمية هي علاقة تواصلية بالحتم، و يكون من الخطأ أن نتحدث أحيانا عن انعدام التواصل بين هذا المدرس و تلاميذه، لأنه في الواقع لا يمكن للمدرس ألا يتواصل. فإن الأمر يزداد استحالة ــ إن صح التعبير ــ بالنسبة لواقع الفعل التعليمي الذي هو عملية علاقية. فإنه مضطر أيضا إلى البحث عن أفضل أساليب التواصل حتى تكون علاقته مع الآخرين ضمن جماعة الفصل علاقة مربحة و مفيدة. لكن الطبيعة الدينامية لجماعة الفصل، و كذلك السياق الذي تتم فيه عملية التواصل التربوي، مما يخلق توترات تكبر خطورتها أو تقل بحسب وعي المدرس السيكوسوسيولوجي و مدى قدرته على توظيف التغذية الراجعة. يمكن أن نذكر عدم قدرة المدرس على النزول إلى تلاميذه. إن نوع التواصل السائد في مدارسنا هو من نوع التواصل غير المتكافئ. فالتلميذ ليس ندا للمدرس، فهو ينتمي إلى عالم الراشدين و محكوم عليه بالعيش مع عالم الأطفال، لذا تطرح على عاتق المدرس مهام جسام و وعي كبير. بالإضافة إلى هذه الصعوبة، كل هذا لا يمكن إلا أن يعيق وجود تواصل فعال، و أن يؤدي إلى المزيد من السلبية و بروز آليات دفاعية و أساليب المناورة من كلا طرفي العملية التعليمية / التعلمية. و تلعب الإمكانات المادية للمدرسة في كثير من الأحيان دورا بارزا في إعاقة أو تسهيل عملية التواصل التربوي. فوجود الوسائل التعليمية و طبيعة البنية التحتية للمدرسة، يسهل إلى حد كبير عملية التواصل التربوي، كما أن طبيعة التسيير الإداري و علاقة الآباء بالمدرسة، لا يقل أهمية عما تمت الإشارة إليه. بالإضافة إلى عوائق أخرى، تؤثر سلبا ــ كما تبينا ــ على عملية التواصل التربوي كعملية إعلامية و وجدانية في نفس الوقت، منها ما هو مرتبط بذات المدرس و منها ما هو موضوعي. يتداخل ما هو ذاتي بما هو موضوعي بفعل جدلية الظواهر و تركيبتها و تفاعلها. إن من أهم العوامل الذاتية في خلق تواصل تربوي فعال، و من ثم الوصول إلى المر دودية المستهدفة، إن الاتجاه نحو التدريس يختزل مجموعة من الاتجاهات نحو مكونات الفعل التعليمي بل هو يحددها جميعا. فلا يمكن للمدرس أن يكون إيجابيا في عمله، ما لم تكن مواقفه من عملية التدريس إيجابية. يرجع في جزء كبير منه إلى هذه الأزمة التي يعرفها الاتجاه من مهنة و عملية التدريس بسبب عوامل شتى. في حين أن الفصول التي يدرس بها مدرسون يتمتعون بحد معقول من تقبلهم لمهنتهم، و يرتبط بهذا الموقف عاملان آخران، و في غياب هذين المحددين لا يمكن لعملية التواصل أن تتم بالشكل الذي يسمح بتحسين المر دودية، و قد أصبحت الدراسات السيكولوجية الآن أكثر اقتناعا بهذا التداخل بين ما هو وجداني و ما هو معرفي، و تلعب إمكانات المدرس الديداكتيكية دورا لا يخلو أهمية في الإسهام في تواصل تربوي ناجح، ذلك أن تكوينه البيداغوجي و امتلاكه للميكانيزمات التعليمية يعتبر أن أمرا مهما في هذا المجال، بل ينبغي أيضا امتلاك التقنيات الكفيلة بالتواصل التربوي، أي القدرة على النزول بهذه الشحنات الوجدانية و النظرية إلى مجال الممارسة. و هذا ما يستلزم من المدرس أن يكون مخططا ومقوما و منشطا. و لكن أيضا ينبغي أن يكون متمكنا من التقنيات، و من ضمن العوامل الذاتية للمدرسين التي تساعد على تحسين المردودية التعليمية هو قدرة المدرس على البحث، إذ لم يعد المدرس مستهلكا للمقررات و التوصيات و التعليمات، و هو ما يتيح له إمكانية تشخيص العوائق و رصد مكامن القوة، و إيجاد أساليب العلاج للمشاكل و المثبطات. صحيح أن مدارسنا تبقى في عمومها مؤسسات تقليدية في برامجها و مناهجها، إن إدخال بعض التقنيات أو الممارسات الحديثة إلى القسم، و إحداث بعض التعديلات في أساليب التواصل و تقنياته، فعلى سبيل المثال، لكنهم سرعان ما يتخلون عن حماسهم بمجرد فشلهم في التجارب الأولى إزاء أطفال « مشاغبين » أو متغافلين أن تجربتهم الأولى كانت تستلزم النفس الطويل، كما أنها كانت في حاجة إلى عدم عملية البحث التي تسائل العوامل و الأسباب في بروز هذه الظاهرة أو تلك. أما على مستوى العوامل الموضوعية، فيمكن تصنيفها إلى عوامل مادية، عوامل بشرية اجتماعية و عوامل بيداغوجية، و إن كان هذا التصنيف تصنيفا منهجيا من المفروض ألا يغيب التداخل و التفاعل الموجودين بين تلك العوامل. تلعب البنية التحتية للمؤسسة و إمكانات الفصل، و من تم تحسين المردودية التعليمية. كلما كان التواصل سليما و ناجحا. مما يقلص من حالات التوثر أو الشعور بالكآبة و الرتابة. فتدخل ضمنها الظواهر التشريعية و المظاهر التسييرية و الإدارية، و كذلك علاقات المدرس بالجماعات الأخرى المهتمة بالتلميذ ك الأسرة و غيرها. و هذه كلها عوامل تلعب دورها في تحسين مردودية التعليم، كما أنها تساعد أو تعيق المدرس في خلق تواصل تربوي سليم، إذ كلما كانت إدارة المؤسسة و الأسرة متعاونتين، كلما شجع ذلك على خلق تواصل فعال بين الأطراف المعنية، و تلعب المعطيات البيداغوجية من أهداف و برامج و طرائق رسمية و أساليب تقويم، و كلما كانت البرامج في مستوى المتعلمين و حاجاتهم و ميولهم، و كلما كانت الطرائق ترمي إلى عدم الاقتصار على شحن الأدمغة، كلما وجدت الأدوات البيداغوجية السليمة لإحداث تواصل تربوي إيجابي، و من ثم المردودية المتحسنة باستمرار. إن الطريقة التعليمية السائدة كفلسفة في التعليم، إلا أن ذلك لا يمنع من أن هذا النسق يمكن أن يكون مفتوحا يسمح بإدخال بعض العناصر الجديدة أو التعديلات، و التي تؤثر في المردودية التعلمية، هي عوامل متداخلة يصعب الفصل بينها،