الأديب الحق لا يكره شيئا كما يكره تملق القراء، وفي الأدب كثير من الاعتزاز بالنفس و الثقة بالفن ، ولا يجب أن ينزل إليهم حيث هم وليس معنى هذا انه يستعلي علبهم او يزدريهم او يزورّ عنهم ، وإنما معناه انه يهبط إليهم فيشتق منهم مادته ، ثم يعود إلى نفسه فيخلو إليها، و يستخرج نتيجة هذا كله رائقة صافية بعرضها على الناس في الصورة التي يحبها هو ، ونتيجة هذا كله أن الأدب الصحيح متصل بالناس أشد الاتصال ، ثم يعود إليهم بعد تكوينه خلقا جديدا ، و الأدباء يختلفون بطئا وسرعة في إنتاج ما ينتجون ، هي الخصال الأساسية للاديب الجدير بهذا الاسم . و الأدب يكره اليسر في الإنتاج، و هو يكره اليسر في )الاستهلاك ( ايضا، و هو يريد من الأديب أن يستأني في الانشاء ، و يريد من القارئ أن يتمنى في القراءة. ويظهر حين يريد أن يظهر لا حين يريده الناس على الظهور ؛ و الأدب لا يبغض شيئا كما يبغض العجلة ، ولا يفسده شيء كما يفسده الإسراع. وحين يشتق مادته ويستخلص معانيه ؛ وهو يحب أن يعيد النظر الى نفسه مرة و مرات ، وهو يريد أن ينظر إلى نفسه في المرآة ، ويحاول أن يرضى عن نفسه قبل أن يظهر للناس. ولأمر ما قيل إن بعض شعرائنا الجاهليين كانوا ينشئون القصيدة ثم يعرضونها على أنفسهم، ثم يطيلون النظر فيها و الإصلاح لها ، ولا يظهرونها للناس الا بعد أن يفرغوا لها حولا كاملا. ولامر ما قيل أن شاعرا فرنسيا معاصرا أنشأ قصيدة من قصائده، ثم فرغ لتنقيحها و تهذيبها وقتا طويلا،