إن المحاماة هي دفع الأذى، والإنسان مفطور بطبيعته على دفع الأذى عن نفسه، ولكنه قد يعجز عن ذلك لأسباب شتى، حينئذ تقضي المروءة على كل إنسان قادر أن يهب للدفاع عن ذلك العاجز، بذلك الدفاع سقط هذا الفرض عن الباقين لأنه فرض كفاية. المعاملات يقضي بتخصص بعض الرجال لدراسة الحقوق وطرق المطالبة بها والدفاع عنها، كان طبيعيا أن يلتجئ هؤلاء الضعفاء إلى من انقطعوا إلى دراسة الحقوق؛ لأن نبل المرء ومروءته وشرف مقصده، كل ذلك لا يكفي لجعله مدافعا حسن الدفاع، بل لا بد من أن يكون ملما بالحقوق التي يريد أن ينتصر لها عالما بأساليب المطالبة بها أو الذود عنها. فالباعث إذن على احتراف مهنة المحاماة هي نزعة شريفة إلى الدفاع عن المظلومين، وهذه النزعة الشريفة لا تؤتي ثمارها إلا بدراسة الحقوق وتطبيقها تطبيقا صالحا، وكلا الأمرين لا غنى له عن الآخر، فدراسة الحقوق لا تؤهل الإنسان للمحاماة إذا كان مجردًا عن هذه النزعة الشريفة، كما أن هذه النزعة الشريفة وحدها لا تجعل من الإنسان محاميًا إذا هو لم يدرس الحقوق علما وعملافالمحامي هو قبل كل شيء نصير المظلوم، الذي يستطيع أن ينتصر لذلك المظلوم انتصارا مفيدا. وعلى هذا الأساس يجب أن يفهم الناس وظيفة المحاماة، فمن وجد في نفسه ميلاً فطريا لنصرة المظلوم ومحاربة الباطل فليسلك سبيل المحاماة إذا أراد، يشق له في الحياة طريقا آخر. وإني أوجه القول إلى أولئك الذين يحفزهم حب الكسب إلى الاشتغال بالمحاماة، فأقول لهم إنه من الخطر على العدالة أن يكون غرض الإنسان من الاشتغال بالمحاماة مجرد الكسب، لأنه إذا أصبح هم المحامي الإثراء من هذه المهنة كان معنى ذلك أن المحاماة عنده وسيلة، عرضة للتعديل والتحوير حتى تؤدي الغرض المقصود بالذات. هواهم ويحقق لهم مطامعهم المادية، وقد تنتهي بهم الحال إلى أنك تنظر إلى المحاماة بين أيدي هؤلاء الطامعين فلا تكاد تعرفها لما طرأ عليها من التشويه، بل إنها قد تنقلب في أيديهم إلى شيء آخر تنكره المحاماة نفسها هو تشجيع الظالمين وأكل أموال المظلومين. ومتى كان جمع المال غاية فما أشقى المحاماة بهذه الغاية، بل ما أشقى العدالة بمحاماة تكون وسيلة لجمع المال؛ لأن كل وظيفة من وظائف العدالة تفسد وتنقلب إلى خطر محقق إذا كان صاحبها طالب عيش قبل كل شيء؛