يُمثل الفضاء الجيوسياسي لمنطقة الساحل الإفريقي بُعداً حيوياً ومحورياً في صياغة العقيدة الأمنية والسياسية للدولة الجزائرية منذ استقلالها. فالعلاقة التي تربط الجزائر بجوارها الجنوبي ليست مجرد روابط جوار جغرافي عابر، يجعل من أي تحول في هذه المنطقة ارتداداً مباشراً على الأمن القومي الجزائري. لم تبقَ السياسة الخارجية الجزائرية تجاه الساحل الإفريقي جامدة، بل شهدت مساراً تطورياً ديناميكياً محكوماً بثنائية "المبادئ الثابتة" و"المتغيرات الإقليمية والدولية". استندت الدبلوماسية الجزائرية إلى مرجعيات تاريخية راسخة مستمدة من مبادئ ثورة الأول من نوفمبر 1954، والمتمثلة في: احترام السيادة الوطنية للدول ورفض التدخل الأجنبي. تفضيل الحلول السياسية والسلمية للأزمات عبر الوساطة والحوار. ومن جهة أخرى، فرضت التحولات المتسارعة التي شهدتها منطقة الساحل منذ مطلع الألفية الثالثة — مثل تفاقم الجريمة المنظمة، والانقلابات العسكرية المتتالية، وتزايد حدة التنافس الدولي على المنطقة — على صانع القرار الجزائري تكييف أدواته الدبلوماسية والأمنية. بناءً على ذلك، يسعى هذا الفصل إلى تفكيك وتحليل مسار تطور السياسة الخارجية الجزائرية تجاه الساحل الإفريقي، من خلال تتبع محطاتها التاريخية البارزة، وفهم محدداتها الأمنية والسياسية والاقتصادية، ولتحقيق هذا الهدف، سيتم تقسيم الفصل إلى المحاور الأساسية التالية: المحددات والأطر المرجعية الحاكمة للموقف الجزائري تجاه دول الساحل. أدوات وآليات المقاربة الجزائرية الحديثة (الأمنية، الدبلوماسية،