المخاطرة في عقد المضاربة تعد مخاطرة حوالة الأسواق المصدر الطبيعي للخطر في جميع العمليات التجارية والاستثمارية على وجه العموم، ومخاطر السوق هي المقصودة في المقام الأول من بين أنواع المخاطر التي تلازم العمل الاستثماري والاستعداد لتحملها هو الشرط الضروري والمعيار الشرعي لاستحقاق الربح. أبرزها : الأسعار، ثم الدخول ولأذواق وأسعار السلع المكملة والبديلة، إذ ترتبط الكمية المطلوبة بالسعر بعلاقة عكسية؛ أي عندما يرتفع (ينخفض) السعر فإنّ الكمية المطلوبة من السلعة سوف تنخفض ترتفع)، وترتبط الكمية المعروضة بالسعر بعلاقة طردية وموجبة؛ والعكس صحيح، وأسعار عناصر الإنتاج. وعندما نناقش مخاطر العمليات الاستثمارية على وجه العموم فإن مخاطرة حوالة الأسواق هذه هي المقصود في المقام الأول. ومن المهم التنبه إلى أن أبرز خطر تواجهه المضاربة، ثم تأتي مخاطر استمرار الملك، وهذه المخاطر - أيضاً - تتأثر بحوالة الأسواق، إذ تؤثر الأخيرة في قيم الأصول العينية، ولا علاقة لهذه المخاطرة بعملية الاستثمار نفسها، لكنها تتأثر بالأوضاع الاقتصادية بشكل عام. ومن المهم التنبه إلى أن مخاطر استمرار الملك في المضاربة يتحملها رب المال فحسب، وفي المقابل يستحق مغانمها وحده فحسب؛ لأن العامل لم يكن له دور فيها. كذلك تشمل مخاطر استمرار الملك الكوارث الطبيعية، ثم تأتي المخاطر الأخلاقية، وهذه تتعلق بعامل المضاربة وشخصيته وأمانته وخبراته، وعلى خبرته ودرايته بالسوق. وجدير بالذكر أن إجراءات التحوط للتقليل من درجة هذه المخاطر، الذي يعد مقصدا من مقاصد التشريع المالي الإسلامي، ولا يوجد في هذا المسعى ما يتعارض مع مقررات نظرية المخاطرة، وأخيرا، فإن ثمة أخطاراً خاصة تتعلق بطبيعة عقد المضاربة؛ كون المضارب غير ضامن ولا مشارك في مخاطرة رأس المال؛ موضوع الضمان، فمن المعلوم أن الفقهاء اتفقوا على عدم ضمان المضارب الأموال المضاربة؛ لأن يده على هذه الأموال يد أمانة . قد تعرض أموالها، وأموال المستثمرين للخطر لعدم ضمانها من المضارب . لخلوه من تلك العوائق. المضاربة المزدوجة يقصد بالمضاربة المزدوجة: إعادة تفويض المضاربة (المضارب يضارب). وهذه الصيغة المستحدثة في الفكر المصرفي تستند إلى فكرة الوساطة المالية، إذ يكون المصرف وسيطاً بين أرباب المال من جهة وبين المضاربين من جهة ثانية، وهي مخاطر تقلبات الأسعار والأذواق والطلب، وهي مخاطر السوق. وفي هذا المبحث تناقش الدراسة موقف المصرف بوصفه وسيطاً بين أرباب المال والمضاربين، وهل تخوله هذه الوساطة المشاركة في تقاسم الأرباح؟ لقد سبق بيان وتأكيد التفريق بين الضمان بمعنى التعويض والعقوبة، وبين الضمان بمعنى تحمل النتائج المحتملة لعملية الاستثمار، وهو بهذا المعنى محل عناية هذه الدراسة، وتمييزاً له من المعنى الأول عبرت عنه الدراسة بالمخاطرة، أي بمعنى أنها لا تشارك في تحمل المخاطرة بالمال أو بالعمل، فإنها عندئذ من وجهة نظر هذه الدراسة - لا تستحق المشاركة في تقاسم الأرباح؛ لعدم مشاركتها في تقاسم المخاطرة. لكنها - والحال كذلك تستحق أجراً عقدياً (مقطوعاً) لقاء ما تقدمه من خدمات الوساطة والترويج، وعندما يكون التكييف كذلك فإن مشاكل كثيرة ستحل، فالمصرف يتوكل عن أصحاب الودائع الاستثمارية فيدفعها إلى مضارب يضارب بها، وسوف يكون لكل مضاربة حقيبة استثمارية تعزى إليها الأرباح والخسائر، ثم تقام المحاسبة على أساس التنضيض الفعلي لنشاط المضاربة. أما بشأن المخاطرة قرب المال أصحاب الودائع الاستثمارية يخاطرون برأس المال، وبهذه المخاطرة يستحق الطرفان اقتسام الربح حسب الاتفاق المبرم والمحقق للتراضي. أما المصرف فلا يستحق المشاركة في مقاسمة الربح؛ لانعدام المخاطرة، أما إذا أراد المصرف المشاركة في مقاسمة الربح، فلا بد أن يقدم رأس مال مخاطر، وعندها يكون شريكاً حقيقياً في عملية المضاربة، ولكن ألا يمكن أن يقدم خدماته ووساطته على أساس مخاطر؟ في حدود ما أعلم، لا يمتنع ذلك، على أن يكون من المصرف عملاً حقيقياً له دوره في إنجاح المضاربة وتحقيق أفضل نتائج ممكنة، وذلك كدراسة المضارب والتحقق من كفاءته وخبرته وأمانته إدارة المخاطر التي تواجه العملية الاستثمارية برمتها ودراسات الجدوى، ومراقبة المضارب بالحدود التي تخولها شروط المضاربة المقيدة . وفي هذه الصورة يستحق المصرف مقاسمة الربح على أنه مضارب يخاطر بعمله. فالمتقبل يقوم بدور قبول الأعمال، ثم يدفعها إلى غلمانه، ويكون ضامناً للعمل، وبهذا الضمان يستحق الربح. ولكن لا بد هنا من التأكيد على المقصود بضمانه الذي يستحق به الربح، وهو الضمان بمعنى تحمل نتائج العمل الاستثماري ربحاً أو خسارة المخاطرة)، وليس الضمان الذي يستحق به الربح هنا هو بمعنى التعويض عقوبة على التعدي أو التقصير، فالضمان بهذا المعنى لا يستحق به ربح. مما أدى إلى تشويه الحقيقة الشرعية بالفهم المغلوط للقاعدة الفقهية: «الخراج بالضمان أي: لا يمكن القول بأن ضمان المصرف الإسلامي للودائع الاستثمارية يخوله الربح لأن المقصود بالضمان الذي يخول الربح هو الاستعداد لتحمل عنصر المخاطرة ومقاسمته مع الشركاء وهذه المخاطرة - ولا بد هي مخاطرة بمال أو يعمل، أو عقوبة على التعدي أو التقصير، أو مقابل أجر وهو غير جائز من ناحية شرعية وغير متصور من ناحية فنية؛ لأن أنظمة التامين لا تشمله، فإنه لا يخول استحقاق الربح. وفي ظل ما تقدم نستطيع فهم المنطق الفقهي في تضمين عامل المضاربة الأول إذا كان تفويض المضاربة بغير إذن رب المال، فهو ضامن ضمان تعد عند الجمهور ، وليس الضمان بهذا المعنى هو الذي يسوع استحقاق مقاسمة الربح، وليس هذا الضمان هو المقصود في القاعدة الشهيرة الخراج بالضمان. وهي مسألة استحقاق الربحبضمان التعدي أو ضمان الغصب، وهذه الاجتهادات الشاذة هي التي بنى عليها حمود فهمه للمسألة فراح يضمن ) المصرف بصفته مضارباً مشتركاً . ومن الأسس المهمة التي تمليها نظرية المخاطرة، تكييف علاقة المصرف الإسلامي بالمستثمرين على أنه مضارب، ومن ثم يحصل على نسبة من صافي عوائد الاستثمارات بعد خصم مخصص مخاطر الاستثمار، هذا مع التنبيه إلى تقاسم هذا المخصص بين أرباب المال وبين المضارب عند انتهاء المضاربة حسب النسب المتفق عليها والمعلنة بين الطرفين. ومن ناحية أخرى يعامل المصرف الإسلامي بوصفه مستثمراً وذلك بالنسبة للجزء من أمواله التي يستثمرها. إذ يضارب المصرف بأموال عدد غفير من أصحاب الودائع، فإن عوائد المضاربة توزع بين فئات المستثمرين حسب المبلغ المخاطر، وحسب مدة الاستثمار. وذلك تمشيا مع الشرط الضروري الذي تمليه نظرية المخاطرة فالغُرم بالغنم، والكسب بالخسارة. 4. التمويل التأجيري التشغيلي) ونظرية المخاطرة الإجارة في الاصطلاح الفقهي هي: بيع المنافع بعوض ، فالتأجير في الفكر المالي المعاصر ينبغي أن تنضبط أحكامه بنظرية المخاطرة، فالتأجير (التشغيلي) يستمد خصائصه من النظرية قيد الدراسة فالمؤجر (مالك الأصل) يكون عادة مسؤولاً عن صيانة الأصل وأجرة التأمين اللازم عليه ويتحمل مخاطر عدم صلاحية الأصول المؤجرة للاستعمال، سواء بالاهتلاك، وهذه المغارم التي يتحملها المؤجر تتقابل مع المغانم التي جناها والمتمثلة بقيمة الأقساط الإيجارية. أما التأجير التمويلي الذي يندرج تحت أعمال الوساطة المالية، والذي يقدم فيه المؤجر خدمة تمويلية، فالمؤجر يشتري الآلة المختارة للمستأجر الذي يستخدمها لفترة ثابتة متفق عليها لا يمكن تغييرها إلا بموافقة الطرفين وعادة ما تكون أقصر من العمر الافتراضي للأصل. وخلال هذه الفترة فإن المدفوعات الإيجارية التي يدفعها المستأجر تغطي التكلفة الرأسمالية الكلية للأصل، هذا علاوة على تقديم هامش ربح للمؤجر نظير الخدمة التمويلية التي يقدمها، ويطلق على هذا النوع التأجير الرأسمالي، وذلك على الرغم من حيازة المؤجر للملكية القانونية للأصل كما أن المستأجر يلتزم بدفع كل الرسوم، وكذلك الضرائب وتقع مسؤولية قدم الأصل أو المعدات وصيرورتها غير حديثة وغير متمشية مع التطورات التقنية الحديثة على عاتق المستأجرا ويُحمل التأجير التمويلي) المستأجر كل مخاطر الملكية كتكاليف الصيانة وتكاليف التأمين مع احتفاظ الممول (المؤجر) بملكية الأصل، وبحقه في مراقبة المستأجر من حيث استخدام الأصل المؤجر، وفي نهاية المدة المتفق عليها يكون أمام المستأجر ثلاثة خيارات تملك الأصل لوجود وعد بالبيع، أو رد العين المستأجرة. وما تراه الدراسة أن الإجارة التمويلية، كما تم توصيفها في التطبيق المصرفي، تفتقر إلى الشرط الضروري للسلامة الشرعية؛ وذلك أنها تخل بمبدأ التكافؤ والتقابل بين المغارم والمغانم؛ إذ يضمن الممول عائداً يغطي قيمة الأصل وعادة ما يأخذ معدل التضخم في الحسبان مع ربح محدد دون استعداد لتحمل المخاطر. وفي صورة الإجارة التمويلية المنتهية بالتمليك تكون الأجرة المقدرة للأصل في المدة المحددة ليست أجرة المثل. بل روعي فيها أنها ثمن السلعة مع إضافة ما قد يعد ربحاً متفقاً عليه، ولكن دفع إلى ذلك عدم رغبة البائع بالتنازل عن حق الملكية ونقلها إلى المشتري، وينقض ما تقرره نظرية المخاطرة من ضرورة التلازم وعدم الفكاك بين المغارم والمغانم واتحادها في الجهة نفسها. إذ سئل مالك عن رجل باع عبداً أو غيره، وشرط على المبتاع أنه لا يبيع ولا يهب ولا يعتق حتى يعطي الثمن، قال: لا بأس بذلك؛ لأنه بمنزلة الرهن إذا كان إعطاء الثمن لأجل مسمى. لكن لا بد من تحديد الجهة المتحملة لمخاطر استمرار الملك، فهل يجوز أن يحتفظ البائع بالملك ويجني مغانمه، بينما يُحمل المشتري مغارمه؟ هذه المسألة محل اهتمام نظرية المخاطرة، إذ نجد في مصنف ابن أبي شيبة ما يحدد تلك الجهة : حدثنا بن علية عن بن عون عن إبراهيم قال إذا اشترى الرجل المتاع فقال المشتري : انقله إليَّ وقال البائع : لا حتى تأتيني بالثمن فهذا بمنزلة الرهن، فإن هلك فهو من مال البائع، فقال: دعه حتى نأتيك بالثمن فهذا بمنزلة الوديعة، إن هلك فهو من مال المشتري . وبعد عرض هذا النقل الذي يقرر أن المالك يتحمل مخاطر استمرار الملك، فإن قضية هذه الدراسة تقرر مبدأ تشريعيا واضحاً يقضي بضرورة التكافؤ والتلازم بين المغارم والمغانم، بينما يلقي بالمغارم على المشتري، ولا بد هنا من أجل السلامة الشرعية أن يحدد أولاً: أهو عقد بيع، أم عقد إجارة؟ ولا بد ثانياً : أن تحدد الجهة المالكة التي تتحمل المغارم مقابل استحقاقها للمغانم، ولا يصح فكاك هذا التلازم الذي تقرره النظرية بين المغارم والمغانم، فالجهة المتمتعة بحق الملكية وتجني مغانمها، لا بد أن تكون هي الجهة ذاتها المتحملة لمغارم استمرار الملك. وما يلحظ هنا أن الممول يريده عقد إجارة؛ ليجني مغانم هذا العقد، والمغانم المقصودة للمؤجر هنا هي: الاحتفاظ بالملك والتصرف فيه حال تخلف الطرف الثاني عن أي قسط، واستحقاق أجرة علاوة على أقساط الثمن. ومن جهة أخرى يريده عقد بيع مؤجل أو مقسط الثمن على دفعات؛ ليلقي بمغارم الملك على المشتري فيتحمل المشتري كل أنواع مخاطر استمرار الملك ومحل الاعتراض هنا ليس من باب اجتماع عقدين في عقد، ولا من باب تعليق عقد البيع على شرط، لكن موضع اعتراض نظرية المخاطرة على هذه الصورة يتمحور حول الضمان بمعنى تحمل مخاطر الملك، أي ينتقل الملك بمغنمه و مغرمه من البائع إلى المشتري، أما في عقد الإجارة فضمان الأصل المؤجر باق على المؤجر؛ لأنه المالك، وكذلك لا يمكن فكاك هانين المتلازمتين. والنظرية تقيم تلازماً شرعياً ومنطقياً بين الضمان بمعنى تحمل مخاطر استمرار الملك، من جانب مالك الأصل. وبين استحقاق مغانم المنفعة، من جانب المستأجر، فالمستأجر للأصل المالي يتحمل مخاطر فوات الانتفاع من الأصل عند عدم وجود فرصة لتوظيف الأصل، أو عند تبدل أحوال السوق؛ فعندها يكون قد خسر بدل التمكن من المنفعة (الأجرة)، وفي ضوء الشرط الضروري الذي تمليه نظرية المخاطرة لا يمكن اعتبار التأجير التمويلي بهذه الصورة عقد بيع، فهذه الصورة ما هي إلا عقد إجارة أريدت أحكامه وآثاره خلال المدة الإيجارية، ويترتب عليه من الآثار المتعلقة بجهة الضمان ما لا يمكن تجنبها، وتحميلها للطرف الثاني؛ ولم يرد عقد البيع في هذه الصيغة إلا بعد انتهاء المدة الإيجارية ودفع جميع الأقساط. ولذا يمكن أن يصاغ بديل لعقد الإجارة المنتهي بالتمليك في ضوء نظرية المخاطرة وما تقرره من تلازمات لا يمكن فكاكها ؛ تحقيقاً للعدل باعتبار هذه الصورة عقد بيع يشترط فيه عدم تصرف المشتري في البيع بأي نوع من أنواع التصرف إلا بعد سداد جميع الأقساط (الثمن المتفق عليها، وعندها لا يستحق البائع إلا الثمن، ويتحمل المشتري مخاطر استمرار الملك أو يمكن اعتباره عقد إجارة على أن تترتب عليه كافة أحكام هذا العقد، لاسيما ما يتعلق بتحمل المالك مخاطر استمرار الملك، وعندها يستحق المالك الأجرة ليتقابل الغرم بالغنم. وبعد انتهاء عقد الإجارة وسداد الأقساط الإيجارية، يبدأ عقد جديد بالبيع، ويترتب عليه كافة أحكام هذا العقد وخصائصه وآثاره، ويبقى الخيار للطرفين في قبول الثمن المتفق عليه مسبقاً، وعندها لا معنى للوعد، وإلا دخلنا في الغرر، أو مقابل ثمن رمزي لوجود وعد ملزم، أم كلاهما ؟ ولا يصح تحمل المستأجر أقساط التأمين (123) . رابعاً: مناشط الخدمات المصرفية تتناول الدراسة في هذا المبحث مناشط الخدمات المصرفية، وهي تلك المناشط التي يمارسها المصرف الإسلامي مما هو ليس بودائع أو تمويل، لأن بعض الخدمات المصرفية تتضمن نشاطاً ائتمانياً وتمويلياً. وتهتم الدراسة بمنشطين منتخبين للمحاكمة من بين مناشط الخدمات المصرفية في المصارف الإسلامية، وهما: الاعتمادات المستندية وخطابات الضمان، وسوف يعتني هذا المبحث بتعريف الاعتماد المستندي وخطاب الضمان، ثم يعرض الصورة التطبيقية لهما، وأخيراً محاكمة هاتين الخدمتين وعائديهما إلى معيار نظرية المخاطرة. 1 الاعتمادات المستندية وهي إحدى الخدمات المصرفية الهامة التي تمارسها البنوك لخدمة التبادل التجاري بين الدول، ولضمان حقوق الأطراف المشتركة، وهم المستورد والبنك المراسل والمورد، على جميع أطراف التعامل التزامه، ولكل نوع منها ضوابط تفصيلية تحكم تنفيذها ليست من شأن هذه الدراسة، فقد ذكرت أدبيات (124) المصرفية الإسلامية ثلاثة تكييفات لهذه الخدمة وهي الوكالة والضمان، والحوالة. ولا يخاطر بموجوداته النقدية، ولا يشارك في مخاطر التجارة، ويتحمل التاجر وحده مخاطر التجارة. ولكن الصورة محل عناية هذه الدراسة تقتصر على انطواء الاعتماد المستندي على ائتمان، وهنا قدمت المصارف الإسلامية بديلين للتمويل، هما : بيع المرابحة للآمر بالشراء، والمشاركة المتناقصة، وذلك في شكل وديعة أو حساب جار حيث يتمكن المصرف من السداد للبنك المراسل فور ورود المستندات مطابقة لشروط الاعتماد مواصفات البضاعة التي اشترطها التاجر بالإضافة إلى بوليصة الشحن والتأمين على البضاعة). وفي هذه الحالة فإن المصرف الإسلامي يقوم بدور الوكيل عن التاجر في طلب المواصفات وتحديد الشروط المتعلقة بالبضاعة، ويدفع الثمن إلى البنك المراسل بمجرد ورود المستندات مطابقة للمواصفات المشروطة. وهنا يستحق المصرف الإسلامي مبلغاً مقطوعاً تتفق عليه الأعراف المصرفية، وقد أضاف البعض تكييفاً آخر، وهو عقد الحوالة، وهي على العموم: معاملة جائزة، الاعتماد المستندي بغطاء جزئي عند فتح الاعتماد والباقي عند ورود المستندات إذ يعد الاعتماد في حكم المغطى بالكامل، وعادة ما تكون فترة محدودة جداً، ولا يتقاضى أي فوائد عن القرض الحسن الذي قدمه المصرف الإسلامي. الاعتماد المستندي بغطاء جزئي والباقي مؤجل السداد في هذه الصورة يتقدم العميل (التاجر) طالباً فتح اعتماد لاستيراد بضاعة معينة، إذ يُعلم المصرف بشروطه والمواصفات التي يرغبها في البضاعة، وبعدم قدرته على سداد قيمة المستندات فور ورودها، وهنا، أم تاجر ؟ وقد طرحت الأدبيات المصرفية صيغتين يمكن أن يقدم التمويل وفقهما، وهما صيغة المشاركة المتناقصة، وصيغة المرابحة، وفي الفقرات الآتية تحاكم إلى معيار المخاطرة. الدراسة التطبيق المصرفي للاعتماد المستندي غير المغطى والمؤجل السداد إذا ما اختار العميل صيغة المشاركة، وإذا ما وافق المصرف الإسلامي على أن يكون شريكاً، فهذا يعني أن يكون شريكاً في تحمل نتائج هذا المشروع التجاري، ويقاسم التاجر الشريك الربح والخسارة حسب النسب المتفق عليها، وحسب رأس المال المخاطر الذي يقدمه كل منهما، ويمكن تفصيل عملية التنفيذ كما ينبغي أن يكون عليه واقع التطبيق بما تقرره نظرية المخاطرة، من خلال الإجراءات الآتية : وبموافقته على دخول المصرف في العملية بوصفه شريكاً. والتحقق من دراسة الجدوى التي ينبغي أن يقدمها العميل (التاجر)، والتحقق من أمانته وخبرته. - يتم توقيع عقد تمويل بالمشاركة، يتضمن التكلفة الكلية التقديرية، وحصة مساهمة كلا الطرفين من رأس المال المخاطر، كما يتضمن العقد توزيع العائد المنتظر، ومدة المشاركة وغيرها من الضوابط الفنية. - يفتح حساب خاص لعملية المشاركة تقيد فيه كل حركات العملية إنفاقاً وإيراداً . - يقوم المصرف بإجراءات فتح الاعتماد المستندي لا بوصفه وكيلاً بأجر، بل بوصفه مشاركاً في العملية، ويكون معلوماً لدى وحدة الاعتمادات المستندية أن هذا الاعتماد قد حل محل عملية تمويل بالمشاركة، ومن ثم حساب المشاركة المفتوح سيكون طرفاً في أي قيد. ويقوم أحد الطرفين البنك أو التاجر ) بتسلم البضاعة، وأخيراً يقوم العميل (التاجر) بعملية تسويق البضاعة والترويج لها إلى أن ينتهي من عملية التصريف؛ إذ ينبغي تصفية عملية المشاركة وتسوية مستحقات الأطراف. وهنا لابد من التنويه إلى أهمية هذا الدور الذي ينبغي أن تقوم به المصارف الإسلامية بوصفها ممولا يشارك برأس مال مخاطر. وينبغي التنويه أيضاً إلى أن الضمانات التي يقدمها العميل لا تعني ضمانه لاسترداد حصة المصرف من رأس المال المخاطر، ولمواجهة أي تجاوز يمكن الحكم عليه بأنه تعد أو تقصير. ومن جهة ثانية ينبغي - حسب مقررات نظرية المخاطرة أن تكون عوائد المصرف والتاجر نسبة شائعة من الربحوهذه الحصة تعتمد على محددين هما : نسبة مساهمة كل من الطرفين في رأس المال المخاطر، والعمل المخاطر الذي يقدمه كل من الطرفين. فإنه بمجرد السداد يخرج المصرف من المشروع التجاري، ثم يحصل على قيمة حصته في الموجودات العينية من السلع أو الأصول، ويحتكم إلى تقدير قيمة السلع أو الأصول العينية إلى معيار السوق لا إلى قيمة التمويل الذي قدمه المصرف؛ إذ الأسواق حيث قدم التمويل على أساس رأس المال المخاطر لا على أساس القرض المضمون. لكن التطبيق يفترق عن التنظير السابق، إذ يحصل المصرف على أصل حصته في التمويل، ونصيبه في العائد المتحقق فعلاً. وتعتقد الدراسة أن حصول المصرف على رأس ماله أصل حصته في التمويل ينبغي - حسب مقررات نظرية المخاطرة - ألا يكون مضموناً على العميل (التاجر)، واشتراط ذلك يُعد خرقاً في معايير نظرية المخاطرة التي تقرر أن لا ضمان لرأس المال المخاطر، وأن استرداد كلا الطرفين الرأسمالها المخاطر متوقف على نتائج المشروع التجاري. إذا ما اختار العميل علاقة تمويل مقطوعة مع البنك يكون في مآلها مديناً للمصرف، فإنه سيختار صيغة المرابحة، إذ تتم في إطار الخطوات الآتية: يتقدم طالب التمويل للبنك الإسلامي أمراً البنك بفتح اعتماد مستندي الشراء بضاعة محددة من مورد محدد، - يقوم البنك بدراسة الطلب من منظور تمويلي في إطار الجدارة التمويلية والمؤشرات الاقتصادية الأخرى، يقوم الطرفان بتوقيع عقد وعد بالشراء، يتعهد فيه المتعامل بشراء البضاعة عند ورودها مطابقة للمواصفات التي طلبها، ويُشترط - شرعاً - إفصاحالمصرف عن ثمن السلعة وعناصر التكاليف والربح. - يقوم البنك الإسلامي بجميع إجراءات فتح الاعتماد إلى حين ورود المستندات، ويتحمل البنك الإسلامي مسؤولية كاملة عن السلعة حتى يستلمها الأمر بالشراء. - - يتم توقيع عقد بيع المرابحة وتسري شروط المرابحة المتفق عليها بمجرد استلام البضاعة وتبدأ هنا علاقة الدائنية والمديونية بين المصرف والمتعامل الذي يكون عليه أن يسدد دينه بصرف النظر عن النتائج الفعلية إن ربحاً أو خسارة. وهنا ثمة ملاحظات جديرة ينبغي تأكيدها، فقد تمت مناقشة إشكالية الوعد الملزم وخروجه عن معايير نظرية المخاطرة بإلغائه عنصر المخاطرة من النشاط التجاري، لكن الملاحظة الجديرة بالتأكيد هنا تتعلق بموقف المصرف من البضاعة المستوردة إلى حين شرائها من قبل الأمر بالشراء؛ إذ ينبغي طبقاً المقررات نظرية المخاطرة أن يكون موقف المصرف الإسلامي من البضاعة المشتراة موقف المالك، وعليه فإن دراسة الجدارة التمويلية للأمر بالشراء والاكتفاء بملاءة العميل الأمر بالشراء لا تعكسان الموقف الحقيقي للمصرف من البضاعة؛ لأن الدراسة تنازع في لزوم الوعد إذا اقترن بالبيع. لذلك ينبغي أن ترتكز دراسة المصرف للنشاط التجاري على دراسة الجدوى والفرص التسويقية والربح المتوقع؛ لأن المصرف يشتري لحسابه، وعليه أن يكون مستعداً لتحمل مخاطر الملك ومخاطر حوالة الأسواق، فإذا نكل الواعد كان المصرف على استعداد لإيجاد مشتر جديد ومناطحة الأسواق، وأخيراً في هذا المطلب فإن الملاحظات السابقة التي تقررها نظرية المخاطرة تنطبق - أيضاً -على عمليات التمويل للاعتمادات المستندية في حالة التصدير، إذ يمكن أن تتم عملية التمويل من المصرف الإسلامي على أساس رأس المال المخاطر فيكون المصرف شريكاً مع المصدر، يقاسمه رأس المال المخاطر اللازم العملية التصدير، ويقاسمه نتائج النشاط التجاري ربحاً وخسارة، 2 المخاطرة في خطاب الضمان بصرف النظر عن معارضة المدين أو بشروط التعاقد . موافقته حالة فشل العميل بالوفاء بالتزاماته تجاه الطرف الثالث أو إخلاله وفي النشاط الاقتصادي المعاصر تتطلب كثير من التعاقدات والصفقات خطاب ضمان كشرط مسبق للتقدم للمقاولات والعطاءات، ومن جهة المصرف الحصول على عائد لقاء الضمان. عناصر خطاب الضمان وزيادة في التوضيح فإن عناصر خطاب الضمان يمكن إجمالها في خمسة عناصر، المكفول وهو العميل طالب خطاب الضمان الذي يقوم المصرف وخلال الفترة المحددة. بضمانه بموجب خطاب الضمان الصادر عنه، وفي حدود المبلغ المعين - الكفيل : وهو المصرف الذي أصدر التعهد الخطي بدفع مبلغ معين نيابة عن العميل إذا ما أخل بشروط التعاقد، والعرف المصرفي في صدور الخطاب غير مقترن بأي شرط لكن يجوز أن يصدر الخطاب مشترطاً تقديم مستند معين للوفاء. مثل شركة مقاولات معينة. - مبلغ الضمان: وهو حجم التزام المصرف نيابة عن المكفول، والذي مدة الوفاء: وهو التاريخ الذي يعد حداً أقصى النفاد التزام المصرف بحيث يسقط الالتزام بحلوله، لاسيما إذا تضمن خطاب الضمان نصا يفيد عدم تجديد صلاحيته إلا بموافقة المصدر. وبعيداً عن التفصيلات بشأن أنواع خطاب الضمان، من : خطاب مشروط وخطاب غير مشروط، وخطاب ابتدائي، أو خطاب نهائي . فإن الدراسة تعتني هنا بغطاء خطاب الضمان، ثم بالتكييف الشرعي لخطاب الضمان، هذا وقد يكون الخطاب مغطى بالكامل، وذلك يتفاوت حسب درجة الثقة بالعميل وتعليمات الجهات النقدية المشرفة. عوائد المصارف من خطاب الضمان: تتقاضى المصارف عامة عمولة إصدار خطاب الضمان كنسبة من قيمة الخطاب كدفعة واحدة وحسب لوائحتعليمات البنوك المركزية، كذلك تتقاضى عمولة تمديد أو تعديل، وتتقاضى المصارف التقليدية فوائد على حساب العميل المدين عند الوفاء بقيمة الخطاب ولم يسدد العميل حالاً. وفي الفقرة الآتية، وقد تباينت الآراء بين تكييفه على أساس الوكالة أو الكفالة، وقد رتب القائلون بأنها عقد وكالة جواز أخذ الأجر على ذلك، أما أغلب القائلين بأنها عقد كفالة فقد رتبوا منع أخذ الأجر على ذلك؛ تمشياً مع قول جمهور الفقهاء . وإذا شرط له الجعل مع ضمان المثل، لأنه ربا وباعتباره غررا؛ لأن من أخذ عشرة على أن يتحمل مئة، لا يدري هل يفلس من تحمل عنه، أو يغيب فيخسر مئة، ولم يأخذ إلا عشرة أو يسلم من الغرامة فيأخذ عشرة، هذا، وقد جوز بعض القائلين بأنه عقد كفالة أخذ الأجرة على الكفالة قياساً على أخذ الأجرة على الجاه. هذا، ويمكن تكييفه على أساس عقد الجعالة؛ لأن التعهد الذي يشتمل عليه هذا الخطاب يعزز قيمة التزامات الشخص المقاول، وبذلك يكون عملاً محترفاً يمكن فرض جعالة عليه أو عمولة من قبل ذلك الشخص . وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنه وكالة إذا كان خطاب الضمان مغطى تغطية كاملة من قبل العميل، وكفالة إذا كان غير مغطى، وإذا كان مغطى تغطية جزئية فإنه وكالة في الجزء المغطى وكفالة في غير المغطى، وبناء على ذلك لا يجوز أخذ الأجرة على الكفالة، وبهذا أخذ مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثانية المنعقدة في جدة من (10) (16) ربيع الثاني 1406هـ، حيث جاء فيه : أن خطاب الضمان لا يجوز أخذ الأجر عليه لقاء عملية الضمان التي يراعى فيها عادة مبلغ الضمان ومدته)، سواء أكان بغطاء أم بدونه. أما المصاريف الإدارية لإصدار خطاب الضمان بنوعيه فجائزة شرعاً، مع مراعاة عدم الزيادة على أجر المثل . إلا أن الدراسة تعتني هنا بمناقشة قول بعض الباحثين الذين خرجوا خطاب الضمان على قاعدة الخراج بالضمان، ومن قواعد الفقهاء في معنى الحديث الشريف ما قاله شريح بن الحارث الكندي : من ضَمِنَ مالاً قله ربحه. وعلى هذا الأساس نقول: إن البنك وقد ضمن في خطاب الضمان، فيكون له نصيب من الربح العائد للعميل من العملية المضمونة، أو محل الضمان الشراكته مع العميل في هذه العملية شراكة عقد محله ضمان عمل العميل وضمان عمل العميل نوع من العمل، وكما أن استحقاق الربح يكون تارة بالمال أو بالعمل يكون تارة بالضمان . وعلى هذا يكون للبنك حظ من كسب العميل وربحه . وعند هذا التخريج تقف الدراسة مليّاً، إذ استند كثير من الباحثين إلى الاستدلال بنظرية المخاطرة في مسائل متعددة باجتهاد متعسف؛ فمجرد الضمان لا يستحق به ربح، وقد سبق الحديث عن معايير نظرية المخاطرة، أما مجرد الضمان دون مال ودون عمل فلا يستحق به كسب؛ لذلك منع جمهور الفقهاء أخذ أجر على الكفالة؛ لأنها محض إرفاق وإحسان، ولا تستند إلى مال مخاطر ولا إلى عمل. ولما كان الكفيل يرجع على المكفول عنه فيما ضمن؛ بل هو مال مضمون على المكفول عنه والاستدلال بما روي عن شريح من ضمن مالاً فله ربحه هو اعتساف في الاستدلال؛ إذ يقصد بذلك وقد سبق أن الربح يستحق بالمال المخاطر؛ أي من استعد لتحمل تبعات المخاطرة بالمال فإنه يستحق ربحه، أما في خطاب الضمان فإن المصرف لا يتحمل تبعات عمل المقاول ونتائجه، بل يسدد عنه فيما لو غرم ثم يعود عليه، فهو كفيل عن المقاول وليس بمخاطر. وهذه الكفالة المجردة عن المال المخاطر لا يستحق بها الربح، وذلك إذا شاركت في رأس المال المخاطر أو العمل المخاطر؛ إذ يمكن أن تشارك المصارف الإسلامية برأس مال مخاطر يرصد لمواجهة حالات الإخفاق، ولمواجهة النفقات على المقاولة، ولا يقيد ديناً في ذمة المقاول المتقدم بطلب خطاب الضمان، كل حسب مشاركته في رأس المال المخاطر أو العمل المخاطر، وفي ختام هذا الفصل خلصت الدراسة إلى ضرورة استخدام المصارف الإسلامية البديل الشرعي لتوظيف الأموال،