مقالة جدلية حول طبيعة الذاكرة (فردية أم إجتماعية) السؤال: هل الذاكرة ذات طبيعة فردية أم إجتماعية؟ الحاضر و المستقبل" فهو يتواصل مع حاضره بواسطة الإحساس و الإدراك و يستشرف لمستقبله بإستعمال التخيل و يعود إلى ماضيه معتمدا على ذاكرته التي تعمل على حفظ كل ما مر به من تجارب خاصة و معارف سابقة و إسترجاعها عند الحاجة قصد تحقيق التكيف مع وضع راهن حيث يعرفها لالاند "إنها وظيفة نفسية تتمثل في إعادة بناء حالة شعورية ماضية مع التعرف عليها من حيث هي كذلك" و تقوم الذاكرة بوظيفتين أساسيتين هما التثبيت و الإسترجاع و هذا ما أثار جدال الفلاسفة و المفكرين حيث إختلفوا حول طبيعة الذاكرة و كيفية تثبيت الذكريات و إسترجاعها و أدى هذا الجدال إلى ظهور تيارين متعارضين تيار يرى أن الذاكرة ذات طبيعة فردية مرتبطة بدماغ الفرد و شعوره الخاص و تيار يرى أنها ذات طبيعة إجتماعية نتيجة لتفاعل الفرد داخل المجتمع و تأثره به هذا الجدال الواقع بينهم دفعنا إلى طرح الإشكال التالي: هل الذاكرة خاصية فردية أم ظاهرة إجتماعية؟أو بمعنى آخر هل الفرد هو المسؤول عن تكوين ذكرياته و حفظها أم أن المجتمع هو أساس تكوين الذكريات؟ هل الذكريات ذات طابع إجتماعي أم فردي؟ عرض منطق الأطروحة: "الذاكرة ذات طبيعة فردية" إن عملية حفظ الذكريات و إستحضارها عملية فردية مرهونة بحضور الجانبين النفسي و الفيزيولوجي للفرد و سلامتهما ، فأي عطب عضوي على مستوى القشرة الدماغية و غياب الوعي و الشعور ينجر عنه بالضرورة عجز الذاكرة في أداء وظيفتها و يمثل هذا الموقف الإتجاه الفردي " النظرية المادية و النظرية النفسية " فرغم الإختلاف الموجود بينهما إلا أنهما يجمعان على الطبيعة الفردية للذاكرة و يبرر هؤلاء موقفهم بالحجج و البراهين الآتية: فالذكريات و الأحداث التي عاشها الإنسان في الماضي تخزن على مستوى الدماغ في شكل آثار مادية عصبية الذي يعتبر تحفظ فيه الذكريات ولكل ذكرى ما يقابلها من خلايا عصبية و تثبت هذه الذكريات عن طريق التكرار الذي يعتبر العامل الأساسي في حفظ الذكريات و تثبيتها حيث يرى ريبو أن تثبيت و حفظ الذكريات و إسترجاعها يعود إلى أجهزة عضوية موجودة على مستوى الدماغ يقول ريبو" الذاكرة بيولوجية بالماهية " ، فالدماغ في نظر ريبو هو مكان حفظ الذكريات لأنه وعاء لها و كل إصابة أو خلل يصيب الدماغ يؤدي إلى زوال الذكريات بشكل كلي أو جزئي فحفظ الذكريات يشبه حفظ الموسيقى في القرص المضغوط أو الأسطوانة و أي تلف يصيب الأسطوانة يتبعه تلف في الموسيقى يقول تين"المخ وعاء لحفظ الذكريات" ، يقول ريبو" إن الذاكرة وظيفة عامة للجهاز العصبي تنشأ عن إتصاف العناصر الحية بخاصية الإحتفاظ بالتبادلات التي تطرأ عليها و بقدراتها على ربط هذه التبادلات بعضها ببعض". كما يقسم إبن سينا الدماغ إلى ثلاث تجاويف " المقدم ، لكن إذا قمنا بتكرار هذه المعلومات و الخبرات فإنها تنقل إلى مخزن آخر يعرف بالذاكرة ذات المدى الطويل وهناك تخزن في منطقة مخصصة للذكريات على مستوى الدماغ لذلك يقول ريبو "إن الذكريات الراسخة هي تلك التي استفادت من تكرار طويل"، و قانون التضاد فالأشياء والأمور المتضادة قد ترتبط صورها في أذهاننا، وقد أثبتت بعض البحوث العلمية الطبيعة الفردية المادية للذاكرة مثل تحديد منطقة بروكا المسؤولة عن حفظ اللغة فكل إصابة مادية في تلك المنطقة تؤدي إلى إتلاف الألفاظ و تجعل الفرد غير قادر على الكلام بحيث أنه إذا حدث نزيف دموي في قاعدة التلفيف الثالث يولد مرض الحبسة ، إضافة إلى التفسير المادي الذي قدمه دولاي عن فتاة في 23 من عمرها أصابتها رصاصة في المنطقة الجدارية اليمنى ومن جراء هذا أصبحت لا تتعرف على الأشياء التي توضع في يدها اليسرى رغم أنها بقيت تحتفظ بالقدرة على مختلف الإحساسات النفسية والحرارية والألمية فإذا أي شيء في يدها اليسرى وصفت جميع خصائصه وعجزت عن التعرف عليه ، وبمجرد أن يوضع في يدها اليمنى تعرفت عليه بسرعة وهكذا تبدو الذكريات كما لو كانت في منطقة معينة من الدماغ . كل شيء حيث يرى برغسون أن الذاكرة نوعان : ذاكرة عبارة عن عادة مكتسبة بالتكرار لها جهاز محرك في الجهاز العصبي ووظيفتها استعادة الماضي بطريقة آلية بحتة مثل الذاكرة التي تعي الشعر و النثر المحفوظ أما الأخرى فهي عبارة عن تصور بحت وهي كما تدعى ذاكرة النفس وهي حياة وديمومة تعيد لنا الماضي باعتباره شيئا خالصا ، فنحيي بكل تفصيل مشاهد الطفولة المنسية ونتكلم لغات التي لا نذكر أننا تعلمناها" يرى برغسون أننا عندما نحفظ قصيدة و نقوم بإسترجاعها فنحن لا نسترجع القصيدة فقط و إنما كل ما يتعلق بها من زمان و مكان و أحوال نفسية و منه فإن هذا النوع من الذاكرة لا يعيد الماضي بل يستحضره نفسيا و يكون الدماغ أداة مساعدة للشعور فالذكريات حوادث نفسية شعورية يقول برغسون " إننا لا نتذكر إلا أنفسنا"إضافة إلى أننا نجد أن هناك الكثير من حالات فقدان الذاكرة مثل مرض الزهايمر تسببه صدمة نفسية و أن الذكريات التي فقدت سرعان ما تعود بعد التعافي من تلك الصدمة يقول برغسون " الذاكرة ظاهرة نفسية بالجوهر مادية بالعرض" كما تثبت التجربة أن الحالة العاطفية و الوجدانية لها أثر كبير على حفظ الذكريات ، فالأحداث و المعلومات المشحونة بالإنفعالات و العواطف يسهل حفظها و إسترجاعها و تبقى محفوظة في الذهن بكل تفاصيلها عكس الأحداث التي تكون فارغة من المحتوى العاطفي كما أن للإهتمام و الرغبة تأثير كبير في تثبيت الذكريات فكل ما يتماشى مع ميولنا و رغباتنا يسهل علينا حفظه و تذكره فالشخص المولع بالشعر تجده ملما بكل تفاصيله و جزئياته يقول بول غيوم "فالمادة ذات الدلالة و المنطقية هي أيسر حفظا بكثير من المادة المجردة من المعنى" ويقول برغسون "الذكريات الصرفة هي ظاهرة روحية" نقد و مناقشة: عرض نقيض الأطروحة: "الذاكرة ذات طبيعة إجتماعية" بل هو جزء لا يتجزأ من الجماعة التي ينتمي إليها ، بلونديل و دوركايم" و يبرر هؤلاء موقفهم بالحجج و البراهين الآتية: فالمجتمع يشكل الوعاء الذي يعمل على حفظ ذكريات الفرد حيث يرى هالفاكس ، كما يرى ريبو، فالذكريات في أصلها كانت عبارة عن إدراكات مشتركة بين مختلف الأفراد الذين ينتمون إلى جماعة معينة وعملية الإدراك تتأثر بنوعية القيم والمفاهيم والأفكار التي اكتسبها الفرد تحت تأثير النظم الاجتماعية، ذلك أن ماضي الفرد هو في الواقع ماضي الجماعة أي أن الماضي لا نحتفظ به في ذاكرتنا الفردية وإنما في ذاكرة الجماعة ، يقول هالفاكس "ليس هناك ما يدعو للبحث عن موضوع الذكريات وأين تحفظ إذ أنني أتذكرها من خارج. فالزمرة الاجتماعية التي انتسب إليها هي التي تقدم إلي جميع الوسائل لإعادة بنائها" ويقول أيضا "إنني عندما أتذكر فإن الغير هم الذين يدفعونني الى التذكر ونحن عندما نتذكر ننطلق من مفاهيم مشتركة بين الجماعة" إن تذكر الفرد للحوادث الماضية مشترط بوجود بالغير ، فالفرد بحاجة إلى غيره حتى يتذكر ما عاشه من أحداث في الماضي لأن كلاهما يساعد الآخر على التذكر و كمثال على ذلك فنحن عندما نجالس أصدقاء الطفولة بعد فراق طويل نبدأ نبدأ بتذكر و سرد أحداث الطفولة التي كنا نعتقد أنها أصبحت في طي النسيان كما أن الفرد المنعزل عن المجتمع لا يستطيع أن يتذكر ولا أن يبني ذكريات خاصة به يقول بيار جانيه "لو كان الإنسان وحيدا لما كانت له ذاكرة و لما كان بحاجة إليها" و يؤكد " هالفاكس " أننا حينما نتذكر فإن الغير هو الذي يدفعنا إلى ذلك لأن ذاكرته تساعد ذاكرتنا، في نطاق الأطر العامة للذاكرة الاجتماعية، يقول هالفاكس "إني في أغلب الأحيان عندما أتذكر فإن الغير هو الذي يدفعني إلى التذكر لأن ذاكرته تساعد ذاكرتي، كما أن ذاكرتي تعتمد على ذاكرته" و يقول بلونديل "إننا لا نلجأ إلى ذاكرتنا إلا للإجابة على سؤال توجهه لنا الجماعة" ، كما أن الإنسان إبن مجتمعه فهو يتحدث دائما بلسان مجتمعه و يتضح هذا من خلال أن الفرد الذي يعيش في مجتمع غير مجتمعه فإنه يميل إلى التحدث كثيرا عن عادات و مكتسبات مجتمعه بدل التحدث عن خبراته و تجاربه الخاصة لذلك يقول دوركايم "حينما يتكلم ضميرنا فإن المجتمع هو الذي يتكلم فينا" و يقول كذلك "الإنسان دمية يحرك خيوطها المجتمع" كما يثبت الواقع أن معظم خبراتنا و أحداثنا الماضية من طبيعة إجتماعية صرفة كالإحتفالات الدينية و الوطنية فهي ذكريات إجتماعية تفرض نفسها على الفرد و حتى لو نسيها الفرد فإن المجتمع سيذكره بها و لولا المجتمع لبقي الإنسان بلا ماضي فنحن نتذكر أمجاد ثورتنا الجليلة و شهدائها و أحداثها العظيمة إنطلاقا مما حفظ لنا المجتمع و رواه لنا الأجداد ، كما اعتبر بيار جانيه أن الذاكرة ظاهرة اجتماعية تتمثل في اللغة وأن العقل ينشئ الذكريات تحت تأثير الضغط الاجتماعي ولا يوجد ماضي محفوظ في الذاكرة الفردية كما هو و إن الماضي يعاد بناؤه على ضوء المنطق الاجتماعي يقول هالفاكس " إن اللغة و جملة نسق الإصطلاحات الإجتماعية التي تدعمها هي التي تمكننا في كل لحظة من بناء ماضينا". نقد ومناقشة: حقيقة أن للمجتمع دور في تذكر الفرد إلا أن هذا لا يعني تعويم الذاكرة الفردية في نطاق الذاكرة الإجتماعية فالمجتمع يذكر الفرد بما هو مشترك فقط أم الذكريات الخاصة فلا يستطيع المجتمع أن يذكرنا بها لذلك يقول برادين"إن المجتمع لا يفكر مكاننا" فالنظرية الاجتماعية أهملت العوامل الفردية التي تقوم عليها الذاكرة بدليل أن بعض علماء النفس أثبتوا بأن عملية التذكر تابعة للاهتمامات الخاصة بكل فرد وميوله ورغباته وقدراته العقلية لأن هناك اختلاف بين الأفراد في الذكريات والمعارف والخبرات فالمعارف الموجودة لدى الطالب غير ما لدى الفلاح وغيرها لدى الطبيب. و لا بد للفرد من محيط إجتماعي يحفظ له ذكرياته و يساعده على بنائها حتى تحقق الذاكرة وظيفتها فعملية التثبيت و الإسترجاع لا تتحقق إلا بتكامل و تفاعل الجانبين الفردي و الإجتماعي فإذا كان الجانب الفردي بشقيه العضوي و النفسي يمثل القاعدة الأساسية في حفظ و إسترجاع الذكريات فإن هذا لا يعني أن نهمل الجانب الإجتماعي بإعتبار أن الفرد جزء من المجتمع يِؤثر و يتأثر به فالذاكرة ومهما اتسمت بالصبغة الفردية،