أنا رجل يمشي إلى الخمسين(١) ، فاسمعي مني كلمة صحيحة صريحة من سني وتجاربي، لقد كتبنا ونادينا ندعو إلى تقويم الأخلاق، وقهر الشهوات حتى كلَّت منا الأقلام، ويمتد من بلد إلى بلد، حتى لم يبق بلد إسلامي - فيما أحسب - في نجوة منه، أتدرين لماذا؟ لأننا لم نهتد إلى اليوم إلى باب الإصلاح، إن باب الإصلاح أمامك أنت يا بنتي، صحيح أن الرجل هو الذي يخطو الخطوة الأولى في طريق الإثم، . فلما سرقك اللص، لاحترست منهم احتراس الشحيح من اللص. فالذي يريده منك الرجل أعز عليك من اللحم على النعجة، يريد منك أعز شيء عليك: عفافك الذي به تشرُفين، وحياة البنت التي فجعها الرجل بعفافها، أشد عليها بمئة مرة من الموت على النعجة التي فجعها الذئب بلحمها. وما رأى شاب فتاة إلا جردها بخياله من ثيابها ثم تصوّرها بلا ثياب . وأنهم يكلمونها كلام الرفيق، أو هي على الأقل إيهام لنفسه أنها تمهيد . وماذا بعد؟ ماذا يا بنت؟ فكري . والوصمة على جبينك، ويقول: شاب ضلِّ ثم تاب، لا يغفر لك المجتمع أبداً . ولو أنك إذ لقيته نصبت له صدرك، فإذا لم يصرفه عنك هذا الصد، وإذا بلغت به الوقاحة أن ينال منك بلسان أو يد، ونزلت به على رأسه، لرأيت من كل من يمرّ في الطريق عوناً لك عليه، ولما جرؤ بعدها فاجرٍ على ذات سوار، جاءك يطلب الزواج. والبنت مهما بلغت من المنزلة والغنى والشهرة والجاه، لا تجد البنت أملها الأكبر وسعادتها إلا في الزواج، سواء في ذلك الملكات والأميرات، وممثلات هوليود ذوات الشهرة والبريق الذي يخدع ولكنهما فقدتا الزوج فقدتا العقل وصارتا مجنونتين، الزواج أقصى أماني المرأة ولو صارت عضوة البرلمان، والفاسقة المستهترة لا يتزوجها أحد. حتى الذي يغوي البنت الشريفة بوعد الزواج، إن هي غوت وسقطت تركها وذهب - إذا أراد الزواج - فتزوج غيرها من الشريفات، إذا لم يجد في سوق اللذات بنتاً ترضى أن تريق كرامتها على قدميه، وأن تكون لعبة بين يديه، إذ لم يجد البنت الفاسقة أو البنت المغفَّلة، طلب من تكون زوجته على سنة الإسلام. فكساد سوق الزواج منكن يا بنات، لو لم يكن منكن الفاسقات ما كسدت سوق الزواج ولا راجت سوق الفجور. لماذا لا تعمل شريفات النساء على محاربة هذا البلاء؟ أنتن أولى به وأقدر عليه منّا، ولأنه لا يذهب ضحية هذا الفساد إلا أنتن: البنات العفيفات الشريفات البنات الصيِّنات الدّيِّنات. في كل بيت من بيوت الشام بنات في سن ر الزواج لا يجدن زوجا، فألَّفْن جماعات منكن من الأديبات والمتعلمات ومدرسات المدرسة وطالبات الجامعة تعيد أخواتكن الضالات إلى الجادة، إنكن صبايا جميلات فلذلك يقبل الشباب عليكن، ولكن هل يدوم عليكن الصبا والجمال؟ ومتى دام في الدنيا شيء حتى يدوم على الصبية صباها وعلى الجميلة جمالها؟ فكيف بكُنَّ إذا صرتن عجائز محنيات الظهور، مجعّدات الوجوه؟! من يهتم يومئذ بكن؟ ومن يسأل عنكن؟ أتعرفن من يهتم بالعجوز ويكرمها ويوقرها؟ أولادها وبناتها، وحفدتها وحفيداتها. هنالك تكون العجوز ملكة في رعيتها، ومتوجة على عرشها على حين تكون (الأخرى. أنتن أعرف بما تكون عليه (١)!. ١) رأيت في بروكسل عند ملتقى طريقين، تريد أن تجتاز والسيارات من حولها تكاد = فهل تساوي هذه اللذة تلك الآلام؟ وهل تشتري بهذه البداية تلك النهاية؟ . وأمثال هذا الكلام لا تحتجن إلى من يدلكن عليه، ولا تَعْدَمن وسيلة إلى هداية أخواتكن المسكينات الضالات، فإن لم تستطعن ذلك معهنَّ فاعملن على وقاية السالمات من مرضهنَّ، وأنا لا أطلب منكن أن تعدن بالمرأة المسلمة اليوم بوثبة واحدة إلى مثل ما كانت عليه المرأة = تدعسها، فقلت لمن كان معي من الشباب: ليذهب أحدكم فليساعدها، وكان الرجال يلقون بقلوبهم وما في (جيوبهم) على قدميها ليفوزوا بنظرة أو لمسة منها، فلما ذهب شبابها وزوى جمالها، ولكن أن ترجعن إلى الخير خطوة خطوة، كما أقبلتن على الشر خطوة خطوة، وصبرتن الدهر الأطول تعملن لهذا الانتقال، والرجل الفاضل لا يشعر به، حتى وصلنا إلى حال لا يرضى بها الإِسلام، إلى حال تأباها الحيوانات. ١) فالليل أسود مظلم، ولكن اللّٰه ما نقلنا من الظلام إلى النور في لحظة، فلا تحسّ بهذه النقلة كالعقرب الصغير في الساعة، ولكن عُدْ إليه بعد ساعتين تَرَه قد شى، وكذلك ينتقل الإنسان من الطفولة إلى الصبا، وكذلك يكون تبدل الأمم وتحولها من حال إلى حال. إن الديكين إذا اجتمعا على الدجاجة اقتتلا غَيْرة عليها وذَوْداً عنها، لا يغارون على نسائهم المسلمات أن يراهن الأجنبي، بل كل شيء فيهن!! كل شيء إلا الشيء الذي يقبح مرآه ويجمل ستره، وفي النوادي والسهرات (التقدمية) الراقية، وفي الجامعات المسلمة شباب مسلمون يجالسون بنات بل بأن نعود إلى الحق، من الطريق الذي وصلنا منه إلى الباطل، وإن من لا يسلك الطريق الطويل الذي لا يجد غيره لا يصل أبداً، إن كان لا يتحقق بكشفه الضرر على الفتاة والعدوان على عفافها فأمره أسهل، ولعله أهون من هذا الذي نسمّيه في بلاد الشام حجاباً، السفور إن اقتصر على الوجه كما خلق اللّٰه الوجه ليس حراماً متفقاً على حرمته، وإن كنا نرى الستر أحسن وأولى، وكان ستره عند خوف الفتنة وليس يلزم من السفور أن تختلط الفتاة بغير محارمها، أو أن تحيِّيه إن قابلته في الترام، أو أن تصل وتنسى أن اللّٰه جعلها أنثى وركَّب في كل الميل إلى الآخر، يغيِّروا خلقة الله ، وأن (يساووا) بين الجنسين(١)، ولكنهم لم يجدوا الجرأة على التصريح به، فلبَّسوه بهذا الذي يهرفون به من هذه الألفاظ الطنانة، التي ليس وراءها شيء: والفن، وهذا الكلام الفارغ (على دويّه) من المعنى فكأنَّه الطبل . ولكن الحق ما جاء من هناك: من باريس ولندن وبرلين ونيويورك، ولو كان الرقص والخلاعة، والتكشف في الملعب والعري على الساحل(١)، والباطل ما جاء من هنا: من الأزهر والأموي وهاتيك المدارس الشرقية، الإسلامية، إن في أوروبا وفي أميركا، أسراً كثيرات لا ترضى بهذا الاختلاط ولا تُسيغه، وإن في باريز (في باريس يا ناس) آباء وأمهات لا يسمحون لبناتهم الكبيرات أن يسرن مع شاب، أو يصحبنه إلى السينما، وأيقنوا بسلامتها من الفحش والفجور، اللذين لا يخلو منهما مع الأسف واحد من هذه (التهريجات) والصبيانيات السخيفة التي تسميها شركات مصر الهزيلة الرقيعة (الجاهلة بالفن السينمائي مثل جهلها بالدين) تسميها أفلاماً!!. يقولون: إن الاختلاط يكسر شرَّة الشهوة، ويهذِّب الخلق، وينزع من النفس هذا الجنون الجنسي. وأنا أحيل في الجواب على من جرب الاختلاط في المدارس، روسيا التي لا تعود إلى دين، ولا تسمع رأي شيخ ولا قِسِّيس، ألم ترجع عن هذه التجربة لما رأت فسادها؟ وأميركا، مشكلة ازدياد نسبة (الحاملات) من الطالبات (١)؟ فمن يسره أن يكون في جامعات كما أنهم صاروا يدربون طالبات المدارس المتوسطة على استعمال حبوب منع الحمل . ولا أطمعٍ في أن يسمعوا لي، وأنا أعلم أنهم قد يردّون علي ويسفُهون رأيي، لأني أحرمهم من لذائذ ما صدَّقوا أنهم قد وصلوا إليها حقاً، يا بناتي، إنه لا يكون الضحية إلا أنتن، فإن أكثر هؤلاء الملاعينِ لا زوجة له ولا ولد، أما أنا فإني أبو بنات، إنه لا شيء مما يهرف به هؤلاء يرد على البنت عرضها الذاهب، إنما تجدهم جميعاً يتزاحمون على جمالها، ما بقي فيها جمال،