التعريفُ بالمجتمع الإسلامي والأسس التي يقوم عليهالفظ المجتمع مشتق من جَمَعَ، فالجمع ضم الأشياء المتفقة وضده التفريق والإفراد، وأحسن صاحب لسان العرب حين قال في بيان معنى هذه اللفظة: " تجمع القوم: اجتمعوا منوحين النظر في دلالة لفظ المجتمع من حيث هو مصطلح يجد المرء عدة تعريفات منشؤها تباين النظرات تبعاً للتخصصات، فنجد تعريفاً من منظور سياسي، وآخر من منظور اجتماعي،ولسنا بصدد تتبع وإيراد هذه التعريفات وحسبنا في هذا المقام تعريف لعله الأقرب إلى المباحث التي سنعرض لها.فالمجتمع هو: عدد كبير من الأفراد المستقرين تجمعهم روابط اجتماعية ومصالح مشتركة، تصحبها أنظمة تضبط السلوك وسلطة ترعاها .وليس يبعد تعريف المجتمع المسلم من غيره من المجتمعات إلا بما فيه من خصائص ومواصفات - سوف نفصل القول فيها وعلى هدي من هذا يمكن تعريف المجتمع الإسلامي بأنه: خلائق مسلمون في أرضهم مستقرون تجمعهم رابطة الإسلام وتدار أمورهم في ضوء تشريعات إسلامية وأحكام، ويرعى شؤونهم ولاة أمر منهم وحكام.ومن الألفاظ ذات الصلة بمفهوم المجتمع: الجماعة، كالقرابة أو الجنس،من مكونات المجتمع،تعريف الأمة:تعرف الأمة بقولهم: إنها كل جماعة يجمعهم أمر ما، إما دين واحد أو زمان أو مكان واحد سواء أكان هذا الأمر الجامع تسخيراً كالجنس واللون أو اختياراً كالمعتقد والأرض. هذا التعريف للأمة يتعذر قبوله على إطلاقه؛ وهذا ما لا يقره الإسلام، مع اعترافه بأن لها أثراً إيجابياً، وإما لضيقها كالقرابة.وبناء على ما سبق يمكن أن نعرّف الأمة الإسلامية في ضوء دلالات النصوص الشرعية بأنها: جماعات من الناس تجمعهم عقيدة الإسلام بغض النظر عن أي رابطة أخرى من الروابط الاجتماعية، ويشهد لهذا القرآن الكريم بقوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ )، وقوله تعالى : ( وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ . ومثلها كذلك الدول الأفريقية، في حين أننا لا نسمع بمصطلح الأمم الإسلامية بل هي أمة إسلامية واحدة، على الرغم مما بين أفرادها من اختلاف في اللغة والجنس والأرض، وهذا يعني أن الأمة الإسلامية تتكون من عدة مجتمعات لاعتبارات تفرض نفسها،أسس بناء المجتمع الإسلاميأسس بناء المجتمع وعناية الإسلام بها:إن أي مجتمع باعتباره كياناً قائماً بذاته لابد له من أسس يبنى عليها، وتكاد تكون هذه الأسس مشتركة بين المجتمعات كلها بيد أن المجتمع الإسلامي تميز عن غيره في هذا المجال وكان تميزه من جهتين: أما الأولى فهو أنه جعل العقيدة بكل مظاهرها والشريعة بكل أحكامها الأساس الأكبر الذي تبنى عليه الأسس الأخرى، إذ لا قيمة لأي أساس لا تكون العقيدة والشريعة متمثلة فيه قائمة عليه، ومن هنا كان التميز وكانت الآثار الإيجابية.أما الثانية: فإنه بما أوجده من مواصفات وبما وضعه من اعتبارات تجاه هذه الأسس، وهو ما سنعرض له في هذا المبحث.۱) الإنسان.الأساس الأول: الإنسانعنى الإسلام بالإنسان الفرد عناية لا مثيل لها بغية أن يهيئه ليكون الأساس الأول في بناء المجتمع، وبرزت هذه العناية الإلهية منذ الخلق والتكوين حين خلقه الله تعالى بيديه ونفخ فيه من روحه ومنحه العقل والحواس، أن يكون خليفة في الأرض، هدفت كلهاإلى بناء شخصية للفرد المسلم متزنة مستقلة تجمع بين ما استودع فيها من رغبات ونزعات، مخلوقاً متميزاً، وصار خليقاً لأن يصبح خليفة في الأرض، وأهلاً للقيام بواجباته تجاه نفسه وتجاه مجتمعه كما أسلفنا. لكنهما متكاملتان وهما:١) النزعة الفردية وهي التي تجعله يحب الخير لنفسه ويدفع الشر عنها، ويحرص على تحقيق ذاته.٢) والنزعة الاجتماعية وهي التي تدفعه إلى صف الجماعة وحضن المجتمع، لأن الله تعالى جعل بحكمته حاجة الفرد إلى الفرد كحاجة العضو إلى العضو في الجسد الواحد، ويفهم هذا إذا علم أن سلوك الفرد ورغباته كالحب والوفاء والتميز والفخر لابد لها من محيط اجتماعي تمارس فيه.يضاف إلى هذه الدوافع الفطرية، دوافع مكتسبة أوجدها الشارع الحكيم من خلال تشريعات وتكاليف خوطب بها الفرد لها اتصال مباشر بالمجتمع، وهذا ملحوظ في العبادات كلها كما سنرى، (ذلك لأن الحياة داخل المجتمع، تمنح الفرد قوة فوق قوته).إن المتأمل في مكانة الفرد في الإسلام وما أحيط به من عناية وتهيئة، يدرك أنه أهل لأن يكون الأساس الأول في بناء المجتمع باعتباره اللبنة الأولى في الأسرة،الإنسان في المجتمع الإسلامي :إن مما يحسن بيانه هنا هو الحديث عن عناية الإسلام بالإنسان وتكريمه وحفظ حقوقه،أولاً : الإنسان في الإسلام :أعلى الإسلام من شأن الإنسان واعتبره خليفة الله في أرضه وأكد كرامته، واعتبرها كرامة ذاتية أصيلة لا تنبع من جنسه ولا من لونه ولا من بلده ولا من قومه ولا من عشيرته ولا من ماله ولا من عرض من أعراض الدنيا الزائلة، وإنما تنبع من كونه إنساناً من هذا الجنس الذي أفاض عليه ربه التكريم وسخر له ما في السماوات والأرض ورزقه من الطيبات وفضله على غيره من المخلوقات، وبدخول الإنسان في الإسلام يصبح . مخاطباً بهذا الهدي الذي ينظم له سلوكه، وتعامله مع الجهات المختلفة للحياة، ويشرع له من الأحكام والآداب والنظم ما يتلاءم مع طبعه وجبلّته وطاقته النفسية.ولـذا كانـت كـرامـة الإنسان في الإسلام محفوظة، وحقوقه محفوظة لا يجوز التعدي عليهـا مـا لم يرتكب محظوراً يستحق عليه العقوبة؛ وذلك لأن حقوقه جزء من العقيدة أو هي من صلب العقيدة،ثانياً : كرامة الإنسان في الإسلام:لقد أعلن الإسلام كرامة الإنسان فاعتبره خليفة الله تعالى في الأرض، فقال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) ويقول الله سبحانه وتعالى في التأكيد على هذا الأصل : ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً . وسخرها لمنفعته، فقال تعالى: (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً . فالخطاب لبني آدم، ومعيار التفاضل بينهم هو التقوى والعمل الصالح. ثالثاً : وحدة العقيدة :لقد خلق الله الإنسان لعبادته وحده لا شريك له، وحين يلتزم الفرد في المجتمع المسلم بما أُمر ب وعليه فلن يفعل إلا ما أمرهالله به من فعل الخير واجتناب الشر، وإذا كان مجموع الأفراد في المجتمع بهذه الصفة فإن ذلك يعنيتكوين مجتمع ملتزم بما أمره به الشرع الحنيف، ويعني أن كل أفراد المجتمع يعتنقون عقيدة واحدة، ويؤمنون برب واحد ويدينون ديناً واحداً، التي هي قوم المجتمعات. التي هي أقوى الولاءات والانتماءات، ستضرب الفوضى فيه أطنابها، وتتفكك أواصر القرابة والمحبة والتآخي بين أفراده.رابعاً : وحدة الأصل البشري :يقول الله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً . ويقول الله عله : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ .وقال سبحانه وتعالى : ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ . وآدم من تراب". وقال في خطبة الوداع: " ألا فضل لعربي على عجمي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى ".إن هذه الآيات الكريمات وهذه الأحاديث الشريفة جاءت لتؤكد وحدة الأصل البشري وتحطم فكل البشر من نفس آدمخامساً : وحدة التكليف والجزاء: إلا من كان له عذر في عدم الامتثال ، قال الله تعالى واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ، فهذا الأمر لا يُستثنى منه جنس أو لون أو عائلة أو قبيلة أو إقليم،وهم جميعاً الرجال منهم والنساء أمام خالقهم سواء، في المسؤولية والجزاء والحساب والعقاب مصداقاً لقوله تعالى : فمن يعمل مثقال ذرة خيراً ،يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) وقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُم وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ .الأساس الثاني: الروابط الاجتماعية:فطر الإنسان على حب الانتماء إلى المجتمع،وحيثما وجد تجمع إنساني برزت . بلا شك.ويرى بعض الباحثين أن هذه الروابط منها ما هو علاقات اجتماعية، مثل الصداقة والمصاهرة، ومنها ما هو عمليات اجتماعية أشد تعقيداً من سابقتها مثل الجوار والصراع. ومنهم من يقسم هذه الروابط إلى فطرية كالقرابة، وإلى مكتسبة كالجوار.وعلى كل فهي ظواهر نمت في ظل الاجتماع وتولدت منه بسبب شعور كل فرد بحاجته إلى التعاون مع الآخرين والارتباط بهم تحقيقاً للمصالح المشتركة، وهو ما كشف عنه رائد علم الاجتماع ابن خلدون في مقدمته بقوله: (إن قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته، فلا بد مر اجتماع القدر الكبير من أبناء جنسه).يجدر بنا أن نذكر في هذا المقام تميز المجتمع الإسلامي عن غيره في مجال الروابط الاجتماعية، فهو وإن أقر كثيراً من الروابط ورعاها حق رعايتها، إلا أنه جعل الرابطة العظمى والعروة الوثقى هي العقيدة وما يفيض عنها من تشريعات وهدايات لأنها المرجعية الأولى والعليا لأبناء المجتمع الإسلامي في كل ما يصدر عنهم من سلوك وتصرفات فكان للعقيدة والحالة هذه دور ظاهر في إيجاد روابط اجتماعية، بقوة . إلى غاية واحدة، ذلك ما يصوره الحديث النبوي المشهور : (مثل المؤمنين إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهروالحمى).وفي ضوء هذه المفاهيم تبيّن لنا أن الروابط الاجتماعية واحدة من الأسس التي يبنى عليها المجتمع ولا نبعد عن الصواب إذا قلنا أن المجتمع نسيج مكوّن من صلات اجتماعية). الأساس الثالث: الضبط الاجتماعي:يؤثر الأفراد بعضهم في بعض عندما يضمهم مجتمع واحد فينشأ عن هذا مجموعة من السلوكيات والأحاسيس والتصورات تختلف عما يفكر فيه الفرد ويحس به أو يريده لنفسه، وربما اتخذت الجماعات قرارات لم يردها بعض أفرادها لو خلوا بأنفسهم لاختلاف الإرادة الفردية عن الإرادة الجماعية، وكأن هذا يعني وجود شخصية جماعية تفرض نفسها على الأفراد.يسمي علماء الاجتماع هذا الذي أشرنا إليه بالضبط الاجتماعي، ويعني ضرورة الوعي بشعور الآخرين، ومراعاة حقوقهم وانتهاج سلوك يتأثر بهذا الوعي وهذا السلوك.لا شك في أن حاجة المجتمع ماسة لوجود ضوابط وأنظمة تطلق نشاط الأفراد في مجالات، وتحبس نشاطهم في مجالات أخرى، فتعتبر بعض الأمور كريمة محببة، وتعتبر بعضها كريهاً مذموما).لقد تنبه المعنيون بشؤون المجتمع إلى أهمية هذا الأساس في بنائه، وكان غاية ما توصلوا إليه من أجل تحقيق هذا الغرض ما سمي بنظرية العقد الاجتماعي، والتي اتضحت معالمها على يد العالم الشهير (روسو) (وهي فكرة مادية تقوم في حقيقتها على تبادل المصالح والتعايش بين الناس لينال كل منهم حقوقه، ولابث المحبة بينهم ولا زرع روح التسامح في المجتمع، حتى لا يحدث تصارع ولاللإسلام منهج في هذا المجال ما عرفت البشرية في تاريخها الطويل منهجاً يوازيه أو يدانيه سلك فيه مسالك متنوعة فآتت ثمارها وكان من ذلك أن زين لأفراد المجتمع طريقاً سهلاً موصلاً للجنة ولرضوان الله عن طريق محبة الآخرين قال: (لا) تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحابيتم ؟ أفشو السلام بينكم، فجعل انتشار المحبة المتبادلة بين أفراد المجتمع علامة على تحقق الإيمان ورتب عليه دخول الجنة وهذا من أعظم الحوافز التي توضع بين يدي المسلم اليقظ، ولا شك أن المحبة في الله إذا فشت بين أفراد المجتمع، كان لها من الآثار ل بتجاوز كثير من الأزمات ونمو التسامح في المعاملات. من كان في حاجة أخيه، ومن ستر مسلماً، ستره الله يوم القيامة).لقد أوجدت هذه النصوص الشرعية وأمثالها رقابة ذاتية لدى الإنسان المسلم، وحافزاً داخلياً يحمله على التفاعل الإيجابي مع أبناء مجتمعه وتجعله يستحضر المسؤولية المنوطة به تجاههم وتكون ثمرة هذا كله، أن تقوى أواصر المحبة والتسامح والنصح والإيثار وحسن العشرة وكف الأذى بين أفراد المجتمع، وهو ما يسند نظم المجتمع ويبرز معالم الانضباط فيه.لم يركن الإسلام في ضبط السلوك وحفظ الأمن الاجتماعي إلى هذا المنهج على الرغم من أهمية أثره الإيجابي، إنما تعداه إلى إيجاد تشريعات يحتكم إليها أفراد المجتمع عن رضا وطيب نفس كونها ربانية المصدر، فقد نظم الإسلام العلاقة بين أفراد المجتمع المسلم، وأوجد نظماً تخص الأسرة الصغيرة والكبيرة، ليقف كل فرد على ما له وما عليه، وهو منهج يتسم بالواقعية، ويسهم في ضبط الأمور في المجتمع. حماية لهم من شرور أنفسهم، وصيانة لأمن المجتمع. باعتباره واحداً من أسس بناء المجتمع.الأساس الرابع: الأرضتعد الأرض واحدة من الأسس التي يبنى عليها المجتمع، وبيان هذا: أن الله تعالى أنزل الإسلام بأحكامه وتشريعاته ليحكم في الأرض، ويطبق على أرض الواقع، يتمثله الناس في شؤون حياتهم من أجل تقديم أنموذج حي ومثالي لمجتمع مسلم متميز.ولا يخفى أن هذه الغايات الكبرى تستدعي بعض العوامل المساعدة على تحقيقها، منها توفر حرية التصرف لدى الأفراد والسلامة من التأثير الخارجي، ثم وجود سلطة تملك صلاحية اتخاذ القرار وتنفيذه ويتعذر توافر هذه العوامل أو يكاد إذا لم توجد بقعة من الأرض تجمع المسلمين، وتكون الكلمة فيها لهم.وتتضمن سيرة النبي ليل وأتباعه الكرام إشارات توضح هذا المعنى، فإن النبي لما بعث في مكة وصار له أتباع، حرصوا على الالتفاف حول وتكوين تجمع خاص بهم، متميز في كثير من نواحي الحياة عن المجتمع الجاهلي الكبير الذي يعيشون فيه، فأمكنهم التميز في جوانب كالعبادات والأخلاق، وتعذر التميز في جوانب أخرى كالمعاملات العامة ولم يكن للإسلام يومئذ قانون نافذ، ولم يكن له قوة يستطيع بها تنفيذ تعاليمه فكان الوازع الداخلي لدى المسلمين آنذاك،ولقد بحث النبي الله منذ وقت مبكر عن أرض يقيم بها هو وأصحابه، لينشئ مجتمعاً خاصاً، فقصد أهل الطائف فلم يجيبوه، ثم عرض دعوته على أهل المدينة فاستجاب أهلها الكرام لدعوته، وفتحوا أبواب مدينتهم أمام الرسول وجموع المسلمين من كل مكان، فكانت الهجرة من أعظم أحداث التاريخ الإسلامي على الإطلاق، لأنها هيأت الأرض ووفرت المناخ المناسب لإقامة مجتمع إسلامي مستقل ومتميز، فبدأت معالم هذا المجتمع تبرز للعيان، وتتابعت التشريعات في شتى المجالات بخاصة تلك التي تنظم العلاقات والمعاملات بين أفراد المجتمع الواحد.لقد تضمن القرآن الكريم ربطاً بين إقامة الأحكام الشرعية وبين التمكين في الأرض حين قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورفقد سيقت الآية الكريمة في مقام الشكر لبيان أن التمكين في الأرض يقتضي شكر الله تعالى بإقامة أحكامه التي أمر بها بسبب زوال كثير من العوائق.إذا فهم هذا تبينت العلة التي من أجلها شنَّع القرآن الكريم على أولئك الذين آثروا البقاء في أرض الكفر، ولم يهاجروا إلى أرض الإسلام للانضمام إلى المجتمع المسلم، وذلك في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَا جِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ).