أولا - ابن خلدون(1332-1406م) وهو ولي الدين أبو عبد الرحمن بن محمد الكندي ولد بتونس عام 1332 وتوفي بالقاهرة عام 1406م. إن المساهمة الرئيسية لابن خلدون في إنشاء علم الاجتماع تعود إلى اهتمامه بالملاحظة و بجمع المادة الأولية لموضوع البحث ، من المشاهدات ومن بطون التاريخ ثم بالعمليات العقلية التي تجري لدراسة هذه المادة ، لبناء علمها بالكشف عما يحكم الظاهرة العمرانية من قوانين ، فعلم العمران كما سماه يتحد بما هو ضروري وما هو اجتماعي . فالإنسان حسب ابن خلدون لا يستطيع العيش بمفرده بمعزل عن أبناء جنسه "إن الاجتماع الإنساني ضروري فالإنسان مدني بالطبع أي لابد له من الاجتماع الذي هو المدينة وهو معنى العمران ". - إن سبب في اجتماع الإنسان مع بني البشر قاصرة عن تحقيق حاجاته وبالتالي فهو مضطر للتعاون مع الآخرين والعمل معهم. - يناقش ابن خلدون العمران البشري بشكل عام مبينا أثر البيئة على البشر وهو يدخل حاليا في علم الاتنولوجيا و الانثربولوجيا ويتطرق لأنواع العمران البشر تبعا لنمط حياتهم واىساليبهم الإنتاجية قائلا: "إن اختلاف الأجيال في أحوالهم إنما هو باختلاف في المعاش " - مبتدأ بالعمران البدوي باعتباره أسلوب إنتاج الأولي الذي لا يرمي إلى كثير من تحقيق ما هو ضروري للحياة. ان أهل البدو المنتحلون للمعاش الطبيعي مقتصرون على الضروري من الأدوات والملابس والمساكن وسائر الأحوال ----------. ثم يخصص الفصل الثالث من المقدمة للدول والملك والخلافة. ومراتبها وأسباب وكيفية نشوئها وسقوطها مؤكدا أن الدعامة الأساسية للحكم تكمن في العصبية والعصبية عنده أصبحت مقولة اجتماعية احتلت مكانة بارزة في مقدمته حتى اعتبرها العديد من المؤرخين مقولة خلدونية بحتة وهم محقون لان ابن خلدون اهتم بها اهتماما بالغا إلى درجة انه ربط كل الأحداث الهامة والتغيرات الجذرية التي تطرأ على العمران البدوي أو بالعمران الحضري بوجود أو فقدان العصبية كما أنها في رأيه المحور الأساسي في حياة الدول و الممالك ويبين إن العصبية نزعة طبيعية في البشر و تتولد من النسب والقرابة وتتوقف درجة قوتها الضيقة المتمثلة في العائلة ويبين أن درجة النسب قد تكون في الولاء للقبيلة وهي العصبية القبيلة ومن هذا الباب الولاء والحلف . وإذا خرج النسب عن الموضوع انتفت للنعرة التي تحمل هذه العصبية فلا منفعة فيه حينئذ لا يمكن للنسب أن يختفي ويختلط في العمران البدوي . - إن قساوة الحياة في البادية تجعل القبيلة تعيش حياة عزلة وتوحش بحيث لا تطمع الأمم في الاختلاط بها ومشاركتها في طريقة عيشها الصعبة وبدلك يحافظ البدو على نقاوة أنسابهم ومن ثم على عصبيتهم. - اذا تطورت حياتهم وأصبحوا في رغد العيش بانضمامهم إلى الأرياف والمدن فان نسبهم يضيع حتما بسبب كثرة الاختلاط ويفقدون بدلك عصبيتهم ثم يقع الاختلاط في الحواضر مع العجم وغيرهم وفسدت الأنساب بالجملة ثمرتها من العصبية فأطرقت ثم تلاشت القبائل وكثرت العصبية. والخلاصة في هذا الشأن أن العصبية تقوي في العمران البدوي وتندثر في العمران الحضري. - لقد اكتشف ابن خلدون دور العلاقات الاقتصادية وعلاقات الانفتاح بالمعنى الحديث في تطور المجتمعات ، فهم الظواهر وسماها في كتابه أسباب المعاش . كما ركز على أهمية دراسة تاريخ البشر بالعودة إلى وسائل عيشهم والاعتماد على الدراسة المقارنة والملاحظة العلمية، واهتم ابن خلدون باستقراء التاريخ على أسس ومناهج موضوعية خلافا لمن سبقوه من علماء البلاط والسلطة ولعل هذا جعله يعاني كثيرا في حياته كما هو واضح للعيان. لقد كان لابن خلدون الأسبقية الفكرية في تأسيس دراسة المجتمع وظواهر على أسس موضوعية باعتماده للمنهج الذي يميز الحق من الباطل واعتبره قانونا نعتمد عليه في الدراسة، واستنتج أن المجتمعات البشرية انتقلت من البداوة إلى الريف ثم إلى العمران الحضري تذوب تدريجيا العصبية التي هي أساس الملك في العمران الحضري أو المدينة ويصبوا حسب رأيه كل البشر إلى الانتقال إلى العمران الحضري. ثانيا : اجوست كونت 1798-1857 إلا أن كتاباته كانت على جانب كبير من التأمل الفلسفي ويعد هو نفسه الأب الشرعي والمؤسس للفلسفة الوضعية وهو يعتبر تلميذا لسان سيمون الذي كان لأفكاره اثر كبير على نظريته التي عرضها فيما بعد في أهم مؤلفاته. أ- محاضرات في الفلسفة الوضعية. ب- نظام في السياسة الوضعية. ان نظرية كونت في السياسة لا يمكن عزلها عن نظريته العامة في الإنسان والمجتمع ولا عن الظروف التي أحاطت بظهورها في النصف الأول من القرن التاسع عشر ادا اتسمت هذه الفترة بحروب واضطرابات سياسية واجتماعية متعددة من الحروب النابليونية إلى حرب القرم إلى الصراع بين الملكيين والجمهوريين وبين الليبراليين والمحافظين فضلا عن الصراع بين العمال وأرباب العمل كل ذلك. قاد كونت إلى التفكير بوضع علم للمجتمع أو دين للإنسانية يجنبها النزاعات السياسية ونحقق لها السلام الاجتماعي وإشارته إلى هذا واضحة في الدرس الأول من محضراته في الفلسفة الوضعية راد يقول "ان هدف فلسفي هو إعادة تنظيم المجتمع. يری کونت إن الفكر البشري قد مر خلال تطوره التاريخي بمجالات ثلاث: أ‌- المرحلة اللاهوتية والتي تعلل الأشياء والظواهر بكائنات وقوى غيبية.