هناك اتفاق بين المحتلين للمعرفة الإنسانية مفاده أن الفكر الاجتماعي يتأثر بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في المجتمع وأنه على الرغم من أن الفكر قدرا من الاستقلال النسبي الذي يتمثل أحيانا في تقدمه على الواقع الاجتماعي أو تخلفه عنه، فإنه في نهاية الأمر محكوم عليه بعوامل موضوعية تجعله أحيانا أكثر توضيحا للواقع من أجل تجاوزه وأحيانا أخرى أكثر تزييفا للواقع من أجل الحفاظ عليه. والواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي ولد فيه علم الاجتماع في الوطن العربي قد لعب دورا أساسيا في توجهه وكنا في هويته، ولقد كان الواقع الذي ولد فيه علم الاجتماع في الوطن العربي هو واقع الاستعمار الذي يسعى لتقسيم الوطن العربي إلى مناطق ونفوذ ودويلات سياسية، ويسعى الاستعمار إلى تحريك الصراعات داخل كل دولة، مستغلا في ذلك الأطر البنائية التي أنشأها داخل كل دولة والتحالفات التي كونها أو تلك التي وجدها فدعمها ورعاها كما هو متمثل في التكوينات الإثنية والقبلية، وما يهمنا نحن أن ذلك الواقع قد طبع العلم والفكر في الوطن العربي بطابع خدم ولا يزال يخدم مصالح نخب على حساب الأغلبية إن كان ذلك على حساب الدولة أو الأمة العربية ككل، كما لا يستطيع أحد أن ينفى أن القوى الاستعمارية وتحالفاتها الصفوية قد وظفت البحوث والدراسات السوسيولوجية والأنثروبولوجية لخدمة وتكريس مصالحها، بل كان البحث الاجتماعي في خدمة الاستعمار بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ العلوم في تلك الفترة، وقد ظهرت أسماء مشهورة في هذا الأمر مثال سيلجمان وإيفانز برتشارد، وايان كمسو نوجا كويس وديل الكمان وترمنجهام وبول ريدش وغيرهم كثيرون بل حتى الإداريون الذين كانوا يرسلون لإدارة الحياة الاقتصادية والاجتماعية والدينية في مستعمراتهم، مستخدمين في ذلك منهاج وطرق بحثية معروفة مثل المسح الاجتماعي والمقابلة والملاحظة بالمشاركة والرصد الدقيق للبيئة، بل لقد أصبحت سياسة راسخة للاستعمار الفرنسي ألا يرسل إداري للمستعمرات إلا بعد أن ينال تدريبا وتأهيلاً في العلوم الاجتماعية مثل علم الاجتماع وعلم الأنثروبولوجيا