فأنزل الله سكينته عليه } أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ في قوله: { فأنزل الله سكينته عليه } قال: على أبي بكر؛ فأما النبي فقد كانت عليه السكينة. وأن نزولها وقع بعد قوله لصاحبه: لا تحزن ولكنهم قووه بأن ما عطف عليه من قوله: وأيده بجنود لم تروها } لا يصح إلا للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمراد بهؤلاء الجنود الملائكة؛ { { إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليما } [الفتح: 26] الأشهر في تفسير هذه الحمية أنها ما أباه المشركون في كتاب الصلح من بدئه بكلمة بسم الله الرحمن الرحيم، وأنزل لها على المؤمنين بعد أن هموا بمعارضته ـ صلى الله عليه وسلم ـ، بما أنزل الله عليهم من سكينته. فأي بعد في أن يكون التأييد المرافق لإنزال السكينة له لحلوله محلهم كلهم، ومن المعلوم أنه لم يكن له هذا إلا بالتبليغ لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، كما أن جميع ما أيد به تعالى سائر أصحاب رسوله في جميع المواطن كان تأييدا له، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا } في الآية احتمالان: أحدهما: أن يكون المراد بـ كلمة الذين كفروا كلمة الشرك والكفر، وبـ كلمة الله كلمة التوحيد، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". ويكون المراد بـ كلمة الله ما قضت به إرادته ومضت به سنته من نصر رسله وبينه في مثل قوله: { { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون } [الصافات: 171 - 173] وقوله: { { كتب الله لأغلبن أنا ورسلي } [المجادلة: 21] فهذه كلمة الله الإرادية القدرية التي كان من مقتضاها وعده لرسوله الأعظم بالنصر. وفسر بعضهم كلمته هنا بما وعده من إحباط كيدهم ورد مكرهم في نحورهم، وقد قرأ الجمهور: { وكلمة الله } بالرفع لإفادة أنها العليا المرفوعة بذاتها لا بجعل وتصيير، والمراد من القراءتين معا أنها هي العليا بالذات، ثم بما يكون من تأييد الله لأهلها القائمين بحقوقها بجعلهم بها أعلى من غيرهم كما قال: { { ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين } [آل عمران: 139] وبجعلها بهم ظاهرة بالعلم والعمل تعلو كل ما يخالفها عند غيرهم. فإن كان المراد بها ما تعلقت به إرادته تعالى ومضت به سنته من نصر رسله، وإظهار دينه (وهي كلمة التكوين) فالأمر ظاهر؛ وأما على القول بأن المراد بها كلمة التوحيد أو دينه تعالى المبني على أساس توحيده فالنظر فيها من وجهين: (أحدهما) مضمون الكلمة في الواقع، وكذا إن أريد بها هذا الدين عقائده وأحكامه وآدابه إذ يقال: إنه كلمة التكليف أو كلماته - فهذه من حيث كونها من متعلقات صفة الكلام الإلهية لها صفة العليا بيانا وبرهانا وحكمة ورحمة وفضلا، كما قال تعالى في سورة الأنعام: { { وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم } [الأنعام: 115]. والوجه الثاني: إقامة المكلفين لها بمعنييها، من حيث القيام بها لتوصف بالوصف اللائق بها وهو السفلية، سواء أريد بها كلمة الشرك أو كلمة الحكم، ودنسوا بيت الله بأوثانهم فأذل الله أهلها، وكل من الأمرين حصل بجعل الله وتدبيره،