المثال الرابع عشر ثم يرجع إليه ماله بعينه أو بدله، ونحوهما . مالا يُعدُّ ولا يُحصى . وصاحبه يرجع إليه ماله، وبَذَرَ عند أخيه إحساناً وجميلاً، مع ما يتبع ذلك من الخير والبركة، وانشراح الصدر، الألفة والمودة. وأما الإحسان المَحْضُ الذي يُعطيه صاحبه مجاناً الزكاة والصدقة . المثال الخامس عشر الأصول والقواعد التي جعلها الشارع أسساً لفصل الخصومات، وحل المشكلات، وترجيح أحد المُتَدَاعِيَيْنَ على الآخر . فإنها أصول مبنية على العدل والبرهان، واطراد العُرْفِ، وموافقة الفطر، فإذا أتى بالبينة التي تُرَبِّحُ جَانِبَهُ وتقويهِ : ثَبَتَ له الحق الذي ادعى به، ومتى لم يأتِ إلا بمُجَرَّدِ الدَّعْوى : حلف المدعى عليه ولم يتوجه للمدعى عليه حق . وجعل الشارع البينات بحسب مراتب الأشياء وجعل القرائن المبينة والعُرْفَ المطَّرِدَ بين النَّاسِ من البينات . فالبينة : اسم لكل ما يُبيِّن الحق ويدل عليه . وجعل عند الاشتباه وتساوي الخصمين طريق الصلح العادل المناسب لكل قضية طريقاً إلى حل فكل طريق لا ظلم فيه ولا يُدخل العباد في معصية الله - وهو نافع لهم -، فصل الخصومات، وقطع المشاجرات. والرئيس والمرؤوس في جميع الحقوق . وأرضى الخصوم بسلوك طرق العدل، وعدم المثال السادس عشر ٣٥ ما جاءت به الشريعة من الأمر بالشورى، وهذا الأصل الكبير قد أجمع العقلاء على استحسانه، وأنه أرقى للأمم العاملة عليه في تحصيل كل خير وصلاح، وكلما ازدادت معارف الناس، واتسعت أفكارهم عَرَفُوا شِدَّة الحاجة لهذا ومقداره . ولما كان المسلمون قد طبقوا هذا الأصل في صدر الإسلام على أمورهم الدينية والدنيوية - كانت الأمور مستقيمة، ونجحوا . المثال السابع عشر وإصلاح الدنيا، وهذا الأصل في الكتاب والسنة منه شيء كثير، يحث الله ورسوله على القيام بالأمْرَيْنِ، ومعين عليه . وأَدرَّ عليهم الأرزاق ، ونوع لهم أسباب الرزق، المعيشة؛ ليستعينوا بذلك على عبادته، وليكون ذلك قياماً لداخليتهم وخارجيتهم . ولم يأمر بتغذية الرُّوحِ وَحْدَها وإهمال الجسد . كما أنه نهى عن الاشتغال باللذَّاتِ والشهوات وتقوية مصالح القلب والروح . أصل آخر . وهو هذا : المثال الثامن عشر إن الشرع جعل العلم، والدين، والولاية، والحكم وتنبني عليه السلطة والأحكام والولايات كلها مقيدة بالعلم والدين الذي هو الحكمة، وهو الصلاح فحيث كان الدين والسلطة مقترنين متساعدين فإن الأمور تصلح ، كما أن الأحوال تستقيم. وَفَقَد الصلاح والإصلاح، وتباعدت وأخذ أمر الناس في الانحطاط . يؤيد هذا: أن العلوم مهما اتَّسَعَتْ، والاختراعات مهما عَظُمَتْ وكثرت : فإنه لم يرد منها شيء يُنافي مادل عليه القرآن، ولا يناقض ما جاءت به الشريعة . فالشرع لا يأتي بما تُحيله العقول، وإنما يأتي بما تَشْهَدُ العقول الصحيحة بحسنه، أو بما لا يَهْتَدِي العقل إلى معرفته جملة أو تفصيلاً. وهذا ينبغي أن وهو : المثال التاسع عشر إن الشرع لا يأتي بما تُحِيلُه العقول، ولا بما ينقضه العلم الصحيح . وهذا من أكبر الأدلة على أن ما عند الله محكم وهذه الجمل المختصرة تُعْرَفُ على وجه التفصيل بالتتبع والاستقراء لجميع الحوادث الكونية، وحوادث علوم الاجتماع، وأنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها . ثم لبقائه مُحْتَرَماً مع تكالب الأعداء، ومقاومتهم العنيفة، ومواقفهم المعروفة معه . وذلك أن من نظر إلى منبع هذا الدِّينِ، وكيفَ أَلَّفَ جزيرة العرب على افتراق قلوبها، وكثرة ضغائنها وتعاديها، وكيف ألفَهم وجمع قاصيهم لدانيهم، وأزال تلك العداوات، وأحل الأخوة الإيمانية مَحَلَّها . ثم اندفعوا في أقطار الأرضِ يَفْتَحُونَها قُطراً قطراً، وفي مقدمة هذه الأقطار أُمَّهُ فارس والروم أقوى الأمم وأعظمها ملكاً، وأشدها قوة، وأكثرها عدداً وعدة ففتحوهما وما وراءها بفضل دينهم، وقوة إيمانهم وَنَصْرِ الله ومعونته لهم، حتى وصل الإسلام إلى مشارق الأرض ومغاربها .