واذكر بك اذا نسيت ولا تكن من الغافلين ]الأعراف205 :]، ولم يقل: «ولا تكن منَ الناّسينَ»؛ فإنَّ النسّيانَ لا يدخلُ تتَ التّكليفِ فلا ينهى عنهُ»واذكروا نعتي التي أنعمت عليكم ]البقرة: 04]، أي تذكّروهايأيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسُمي القول باللسان ذكراً؛ لأنه دلالة على الذكر القلبي، غير أنه قد كثر اسم الذكر على القول اللساني حتى صار هو السابق إلى الفهم. الذكر يشمل معنيين: الأول: معنى التذكّىر واستحضار الشيء في الذهن، وهذا المعنى ضد النسيان. قوله تعالى: )واذكروا نعتي التي أنعمت عليكم ]البقرة: 04]، أي تذكّروهايأيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا والثاني: القول باللسان ذكراً؛ لأنه دلالة على الذكر القلبي، غير أنه قد كثر اسم الذكر على القول اللساني حتى صار هو السابق إلى الفهم. الأول: إطلاق عام: ويشمل كل أنواع العبادات من صلاة وصيام وحج وقراءة قرآن وثناء ودعاء وتسبيح وتميد وتمجيد وغير ذلك من أنواع الطاعات؛ لأنها إنما تُقام لذكر الله وطاعته وعبادته. وقال عبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله-: «وإذا أُطلق ذكرُ الله شملَ كلَّ ما يُقرِّب العبدَ إلى الله من عقيدةٍ أو فكرٍ أو عملٍ قلبيٍّ أو عملٍ بدنيٍّ أو ثناءٍ على الله أو تعلمِ علمٍ نافعٍ وتعليمه ونحو ذلك ، فكله ذكر لله تعالى». الثاني: إطلاق خاص: وهو ذكرُ الله بالألفاظ التي وردت عن الله سبحانه وتعالى من تلاوة كتابه أو إجراء أسمائه أو صفاته العليا على لسان العبد أو قلبه مما ورد في كتاب الله سبحانه، أو الألفاظ التي وردت على لسان رسوله ﷺ، ويكون باللسان، أما ذِكر القلب فمعناه: التفكر والتدبر في عظمة الله تعالى وجلاله وآياته الشرعية، وآيات الله في مخلوقاته كالسماء والأرض والشمس والقمر. الخ. فيأتي بما أُمر وينتهي عما نهُِي عنه. قاله القاضي عياض. وذِكرُ الله باللسان يكون بالتسبيح والتهليل والاستغفار وقراءة القرآن وكل قول يقرب إلى الله تعالى. ويكونباللسان، والأفضلُ منه ما كانَ بالقلب واللسان جيعاً، فإن اقترَ على أحدهما فالقلبُ أفضل . ثم لا ينبغي أن يُتركَ الذكرُ باللسان مع القلب خوفاً من أن يُظنَّ به الرياء، بل يذكرُ بهما جيعاً ويُقصدُ به وجهُ الله تعالى، وقد قدّمنا عن الفُضَيل -رحمه الله-: أن ترك العمل لأجل الناس رياء . ولو فتح الإنسانُ عليه بابَ ملاحظة الناس، والاحتراز من تطرّق ظنونهم الباطلة لانسدَّ عليه أكثرُ أبواب الخير، وضيَّع على نفسه شيئاً عظيماً من مهمّات الدين». وأما الذكرُ بالجوارح: فهو العمل بطاعة الله، فكل من عمل بطاعة الله فهو ذاكر لله. قال النووي: «اعلم أن فضيلة الذكر غيرُ منحرةٍ في التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير ونحوها، بل كلُّ عاملٍ لله تعالى بطاعةٍ فهو ذاكرٌ لله تعالى، كذا قاله سعيدُ بن جُبير -رحمه الله- وغيره من العلماء. وقال عطاء -رحمه الله-: مجالسُ الذِّكر هي مجالسُ الحلال والحرام، كيف تشتري وتبيعُ وتصلّي وتصومُ وتنكحُ وتطلّق وتجّ، وأشباه هذا»مَن قال كذا وكذا فله كذا لا يحصل هذا الثواب الموعود به إلا بالتلفظ باللسان، لا يُسمِعُ أحداً ولا نفسَه، فقال: «ليست هذه قراءة، وإنما القراءة ما حرك له اللسان». /094. /811. ويدل على ذلك أيضاً: أن العلماء منعوا الجنب من قراءةالقرآن باللسان، وأجازوا له أن ينظر في المصحف دون أن يمسّه ، مما يدل على الفرق بين الأمرين، وأن عدم تريك اللسان لا يُعَدّ قراءة. فأجاب: «القراءة لابد أن تكون باللسان، وكذلك أيضاً سائر الأذكار ، بل لابد أن يحرك الإنسان بها لسانه وشفتيه؛ لأنها أقوال، ولا تتحقق إلا بتحريك اللسان والشفتين». والصواب أنه لا يُشترط ذلك، بل يكفي أن يحرك لسانه، فبذلك يتحقق الكلام . وردت نصوص كثيرة تدل على إطلاق الدعاء على الذكر الأعِم من معنى دعاء المسألة، منها حديث ابنِ عَبّاسٍ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كانَ يَقُولُ عِندَ الكَربِ: «ل إلهَ إلّى الله العظيمُ الحليمُ، ل إلهَ إلّى الله ربُّ العرشِ العظيمِ، وفي لفظ للبخاري : «كانَ النبّيُّ ﷺ يدعو عندَ الكربِ يقولُ. ». ولكن قال النبي ﷺ عن ربه عز وجل: «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضلَ ما أعطي السائلين». 2296 وضعفه الألباني في ضعيف الجامع. قال سفيان: فهذا مخلوق حين نُسب إلى الكرم اكتفى بالثناء عن السؤال فكيف بالخالق؟!. وقال الخطابي: «إن الداعي يفتح دعاءه بالثناء على الله سبحانه ويقدمه أمام مسألته، فسُمِّي الثناء دعاء، إذ كان مقدمةً له وذريعة إليه؛ على مذهبهم في تسمية الشيء باسم سببه». وقال شيخ الإسلام: «إنَّ كلَّ واحد من الدعاء والذكر يتضمن الآخر ويدخل فيه». •إذا أُريد بالدعاء دعاء العبادة فهو حينئذ مرادف للذكر. وأما الذكر فيكون سؤالا ويكون غير سؤال. /771671. ص602. /91 /01. كما أن في الذكر طلب جلب النفعودفع الضر ورجاء الثواب وخوف العقاب. والحاصل أن العلاقة بين الدعاء والذكر إما تَرادف واتّاد ، وإما عموم وخصوص مطلق، وإما تلازم، ولا يُتصور انفكاك أحدهما عن الآخر، فلهذا كانت أغلب الكتب المصنفة في الأذكار تشتمل على الأدعية وبالعكس. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: «إن الدعاء أكثر ما يستعمل في الكتاب والسنة واللغة ولسان الصحابة ومن بعدهم من العلماء في السؤال والطلب؛ كما قال العلماء من أهل اللغة وغيرهم». قراءة القرآن أفضل من الذكر والدعاء المطلق، فالاشتغال به أفضل. قال ابن القيم -رحمه الله-: «قراءة القرآن أفضل من الذكر ، فلا يجوز أن /77 87. يُعدل عنه إلى الفاضل، فإنهأفضل من قراءة القرآن فيهما، بل القراءة فيهما منهي عنها، وكذلكالتسميع والتحميد في محلهما أفضل من القراءة، وكذلك التشهد ، وكذلك الذكرُ عقيب السلام من الصلاة -ذكر التهليل والتسبيح والتكبير والتحميد- أفضل من الاشتغال عنه بالقراءة، وكذلك إجابةُ المؤذن والقول كما يقول أفضل من القراءة، وإن كان فضلُ القرآن على كل كلام كفضلِ الله تعالى على خَلقه، لكن لكلّ مَقام مَقال. وهكذا الأذكارُ المقيدة بمَحالَّ مخصوصةٍ أفضلُ من القراءة المطلقة، والقراءةُ المطلقة أفضل من الأذكار المطلقة، اللهم إلا أن يعرض للعبد ما يجعل الذكر أو الدعاء أنفع له من قراءة القرآن. مثاله: أن يَتفكر في ذنوبه فيحدث ذلك له توبة من استغفار ، أو يَعرض له ما يخاف أذاه من شياطين الإنس والجن فيعدل إلى الأذكار والدعوات التي تصّنه وتفظه. وكذلك أيضا قد يَعرض للعبد حاجة ضرورية إذا اشتغل عن سؤالها أو ذِكرها لم يحَضر قلبه فيهما، وإن كان كلٌّ من القراءة والذكر أفضلَ وأعظم أجراً. وهذا بابٌ نافع يحتاج إلى فقهِ نَفس وفرقان بين فضيلة الشيء فينفسه وبين فضيلته العارضة، فيعطي كل ذي حق حقه، وقلت لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يوماً: سئل بعض أهل العلم أيهما أنفع للعبد التسبيح أو الاستغفار؟ فقال: إذا كان الثوب نقيّاً فالبخور وماء الورد أنفع له، وإذا كان دنساً فالصابون والماء الحار أنفع له. قال النووي في الأذكار: «المرادُ من الذكر حضورُ القلب ، فينبغي أن يكون هو مقصودَ الذاكر فيحرص على تصيله، ويتدبر ما يذكر، ويتعقل معناه. فحضورُ القلب ساعةَ الذكر يورث القلب تعظيم الرب وإجلاله، ويستدعي تدبر الذكر وتعقل معناه، العمل بالفضائل حسب الأستطاعة ولو مرة: قال النووي -رحمه الله-: «ينبغي لمن بلغه شيء في فضائل الأعمال أن يعمل به ولو مرة واحدة؛ ليكون من أهله، بل يأتي بما تيسر منه؛ لقول النبي ﷺ في الحديث المتفق على صحته: «إذا أمرتكم بشيءٍ فأتوا منهُ ما استطعتم». والواجب من ذلك لابد من الإتيان به، والمستحب منه فأكثر منه ما استطعت ولا ترم نفسك فضله وأجره، ولو أن تعمل به مرة واحدة. فلا ينبغي أن يتهاون المسلم بالأذكار الشرعية، وعليه أن ينشغل بها قدرَ ما يستطيع ولا يهجرها بالكلية. أن يهجر ذكره وينشغل عنه بما سواه. اذا اختلفت الروايات في العدد؟ مثال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير»، جاءت في أذكار الصباح والمساء: مرة واحدة، وعشر مرات، ومائة مرة. فمن قالها مرة واحدة فقد أحسن، ومن قالها عشر مرات فهو أفضل ممن قالها مرة، ومن قالها مائة مرة فهو أفضل منهما؛ ولذلك جاء أجره على التمام، وليس أحد هو أِفضل منه إلا من هَلّلَ بهنّ أكثر منه؛ فعن أبي هريرةَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «من قال ل إلهَ إلّى الله وحدهُ ل شريكَ لهُ لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ وهوَ عل كلِّ شيءٍ قديرٌ في يومٍ مائةَ مرّىةٍ كانت لهُ عدلَ عشرِ رقابٍ، فلا يُذكر في مقام اللهو واللعب والمعصية، لا يجوز افتتاحه بشيء من ذكر الله تعالى، وافتتاح المعصية بالطاعة. وذلك مثل: كتابة البسملة، واستفتاح اللعب المحرم، والرهان المحرم، والرامج المُضلّة بالقرآن ، أو الحمد، وقد وصل الناس في هذا الزمان إلى حد العبث، والتغطية على عقول السُذَّج بمشروعية تلك المحرمات. تعالى: )فأذكروني أذكركم قال: إن ذكر الله هذا ذكره الله بلعنته حتى يسكتالقصائد الدينيةالابتهالات، التي يتلاعب بها الجاهلون من القُرّاء، يتغنون بها في مواطن الخشوع وأوقات التخلي للعبادة، حتى لبّسوا على عامة الناس شعائرَ الإسلام، فكل أولئك يذكرون الله فيذكرهم الله بلعنته حتى يسكتوا». /062 وإسناده جيد. •لماذا الهتمام بمعاني الأذكار؟ لأن القلب سيستحضر معاني ما يقول فيزداد تعلقاً بربه ومعبوده وينتفع بالذكر أعظم الانتفاع . قال ابن القيم -رحمه الله-: «وأفضل الذكر وأنفعه ما واطأ فيه القلبُ اللسانَ وكان من الأذكار النبوية وشهد الذاكر معانيه ومقاصده». فالخشوع في الصلاة مثلاً مطلبٌ لكل مسلم، وإنّ مما يعين على هذا الخشوع معرفة معاني الأذكار التي نتلفظ بها في الصلاة، فيشعر بلذّة الطاعة، أما إذا لم يعرف المصلّي معنى ما يقول ولم يتدبّره،