ذات طول معتدل تُكتب نثراً، ولا تعنى إلا بالناحية التي تمسُّ الكاتب عن قرب. واتخذ مفهومه من محاولات التي أطلق عليها اسم Essais، ذلك أن الفصل في الأدب العربي قد ظهر قبل ظهور مقالات مونتاني إمام هذا الفن غير مدافع بين الأوروبيين، فقد ظهر فن المقالة لأول مرة في فرنسا سنة 1571م، ثم ظهر بعد ذلك ببضع عشرة سنة في كتابات فرانسيس بيكون، ثم أصبحت المقالة منذ ذلك الحين فناً إنجليزياً شائعاً بين قراء الإنجليزية مع سبق الفرنسيين إليه. يقول مونتاني في مقدمة كتابه (محاولات أو تجارب): «إن هذا الكتاب حسن الطوية فهو ينبهك منذ البداية إني لا أستهدف من ورائه مقصداً إلا ما ينفع العام والخاص، لقد خصصته لمنفعة الخاصة من أهلي وأصدقائي حتى إذا ما افتقدوني استطاعوا أن يجدوا فيه صورة لطباعي وميولي، فيسترجعوا ذكراي التي خلفتها لهم حيّة كاملة ولو كان هدفي أن أظفر بإعجاب العالم لعملت على إطراء نفسي وإظهارها بطريقة منمّقة ولكني أريد أن أعرف في أبسط صوري الطبيعية العادية دون تكلف ولا تصنع لأني أنا الذي أصوّر نفسي لهذا تبرز مساوئي واضحة وسجيتي على طبيعتها ما سمح لي العرف بذلك. يتضح في مقدمة كتاب ابن الجوزي صيد الخاطر إنما كتب هذه الفصول ليسجّل فيها خواطره التي أثارتها تجاربه وعلاقاته مع الأشياء. وهذه الخواطر ليست وليدة البحث والدرس العميق وإنما هي خواطر آنية تولد وتزول سريعاً إنْ لم تُدوّن لهذا سعى إلى تدوينها في هذا الكتاب وسمّاه (صيد الخاطر) كما سمّى فيما بعد أحمد أمين أشهر كتاب في المقالة الأدبية في الأدب العربي الحديث (فيض الخاطر) وهذا يعني أنَّ مفهوم ابن الجوزي لفصول كتابه قريب من مفهوم مونتاني لفصوله فهو جسّد فيها خواطره معلّقاً على هذا القول أو ذاك ومصوراً تجارب نفسه وعيوبها وما توصل إليه من أفكار تتعلق بالدين والحياة والمجتمع. ثم تعرض عنها فتذهب، فأتأسف عليه ورأيت في نفسي إنني كلما فتحت بصر التفكر،