وفي اليوم الذي رجع فيه رسول الله إلى المدينة، فانهض بمن معك إلى بني قريظة ، فإني سائر أمامك أزلزل بهم حصونهم، وأقذف في قلوبهم الرعب ، فأمر رسول الله المؤذناً فأذن في الناس من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا ببني قريظة واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم ، وأعطى الراية علي بن أبي طالب ، وقدمه إلى بني قريظة فسار علي حتى إذا دنا من حصونهم سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله وخرج رسول الله الله في موكبه من المهاجرين والأنصار ، وبادر المسلمون إلى امتثال أمره ونهضوا من فورهم، فقال بعضهم : لا نصليها إلا في بني قريظة كما أمرنا ، هكذا تحرك الجيش الإسلامي نحو بني قريظة أرسالاً ، حتى تلاحقوا بالنبي الله ، فنازلوا حصون بني قريظة، فيأمنوا على دمائهم وأموالهم وأبنائهم ونسائهم وقد قال لهم: والله لقد تبين لكم أنه لنبي مرسل، ويخرجوا إلى النبي بالسيوف مصلتين، يناجزونه حتى يظفروا بهم، ولم يبق لقريظة بعد رد هذه الخصال الثلاث إلا أن ينزلوا على حكم رسول الله ، لعلهم يتعرفون ماذا سيحل بهم إذا نزلوا على حكمه، فبعثوا إلى رسول الله أن أرسل إلينا أبا لبابة وقالوا : يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد ؟ قال : نعم ! وأشار بيده إلى حلقه ، ثم علم من فوره أنه خان الله ورسوله فمضى على وجهه ولم يرجع إلى رسول الله ، حتى أتى المسجد النبوي بالمدينة، فربط نفسه بسارية المسجد ، أما إذ قد فعل ما فعل فما أنا بالذي . أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه وبرغم ما أشار إليه أبو لبابة قررت قريظة النزول على حكم رسول الله ، كان باستطاعة اليهود أن يتحملوا الحصار الطويل ؛ فقد قذف الله في قلوييم الرعب، وبلغ هذا الانهيار إلى نهايته أن تقدم علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام ، وحينئذ بادروا إلى النزول على حكم رسول الله ، وأمر رسول الله له باعتقال الرجال، فوضعت القيود في أيديهم تحت إشراف محمد بن سلمة الأنصاري، وجعلت النساء والذراري بمعزل عن الرجال في ناحية ، وقامت الأوس إلى رسول الله ﷺ فقالوا : یا رسول الله، قد فعلت في بني قينقاع ما قد علمت وهم حلفاء إخواننا الخزرج، فقال : ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم ؟ قالوا : بلى قال : فذاك إلى سعد بن معاذ قالوا : قد رضينا فأرسل إلى سعد بن معاذ، وجاء إلى رسول الله ، فجعلوا يقولون وهم كنفيه : يا سعد ، فإن رسول الله لا قد حكمك لتحسن فيهم، فلما أكثروا عليه قال : لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم، فلما سمعوا ذلك منه رجع بعضهم إلى المدينة فنعى إليهم القوم . ولما انتهى سعد إلى النبي الله قال للصحابة : قوموا إلى سيدكم. فلما أنزلوه قالوا : يا سعد، إن هؤلاء القوم قد نزلوا على حكمك . قال : وحكمي نافذ عليهم ؟ قالوا : نعم قال : وعلى المسلمين ؟ قالوا : نعم. وأشار إلى ناحية رسول الله إجلالاً له وتعظيماً - قال : نعم وعلي . قال : فإني أحكم فيهم أن يقتل الرجال، فقال رسول الله ﷺ : لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات. فإن بني قريظة بالإضافة إلى ما ارتكبوا من الغدر الشنيع - كانوا قد جمعوا لإبادة المسلمين ألفاً وخمسمائة سيف، وأمر رسول الله ﷺ فحبست بني قريظة في دار بنت الحارث امرأة من بني النجار ، ثم أمر بهم فجعل يذهب بهم إلى الخنادق أرسالاً وتضرب في تلك الخنادق أعناقهم فقال من كان بعد في الحبس لرئيسهم كعب بن أسد : ما تراه يصنع بنا ؟ فقال : أفي كل موطن لا تعقلون أما ترون الداعي لا ينزع ؟ والذاهب منكم لا يرجع ؟ هو والله القتل. وكانوا ما بين الستمائة إلى السبعمائة ، كان قد دخل مع بني قريظة في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه حينما جاء يثيره على الغدر والخيانة أيام غزوة الأحزاب، فلما أتي به - وعليه حلة قد شقها من كل ناحية بقدر أنملة لئلا يسلبها - مجموعة يداه إلى عنقه بجبل، قال الرسول الله له : أما والله ما لمت نفسي في معاداتك، كتاب وقدر وملحمة كتبها الله على بني إسرائيل، كانت قد طرحت الرحا على خلاد بن سويد فقتلته ، فقتلت لأجل ذلك وكان قد أمر رسول الله بقتل من أنبت، فكان ممن لم ينبت عطية القرظي، وله صحبة واستوهب ثابت بن قيس الزبير بن باطا وأهله وماله - وكانت للزبير يد عند ثابت - فوهبهم له ثابت بن قيس وقال : قد وهبك رسول الله صل إلي، فقال الزبير بعد أن علم بمقتل قومه : سألتك بيدي عندك يا ثابت إلا ألحقتني بالأحبة، وألحقه بالأحبة من اليهود، واستحيا ثابت من ولد الزبير بن باطا عبد الرحمن بن الزبير ، قيس النجارية رفاعة بن سموأل القرظي، فحقنوا دماءهم وأموالهم وذراريهم وخرج تلك الليلة عمرو - وكان رجلاً لم يدخل مع بني قريظة في غدرهم برسول الله فرآه محمد بن سلمة قائد الحرس النبوي ، فخلى سبيله حين عرفه، فلم يعلم أين ذهب وقسم رسول الله أموال بني قريظة بعد أن أخرج منها الخمس، وبعث من السبايا إلى نجد تحت إشراف سعد بن زيد الأنصاري . فابتاع بها خيلاً وسلاحاً . واصطفى رسول الله له لنفسه من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن خناقة، فكانت عنده حتى توفي عنها وهي في ملكه هذا ما قاله ابن إسحاق (۱) وقال الكلبي : إنه أعتقها ، قالت عائشة : فانفجرت من لبته فلم يرعهم - وفي المسجد خيمة من بني غفار - إلا والدم يسيل إليهم، وفي الصحيحين عن جابر أن رسول الله قال : اهتز عرش الرحمن الموت سعد بن معاذ (٢) . . وصحيح الترمذي من حديث أنس قال : لما حلت جنازة سعد بن معاذ قال المنافقون: ما أخف جنازته ، قتل في حصار بني قريظة رجل واحد من المسلمين وهو خلاد بن سويد ، الذي طرحت عليه الرحى امرأة من قريظة ومات في الحصار أبو سنان بن محصن أخو ليال تأتيه امرأته في وقت كل صلاة فتحله للصلاة، ثم نزلت توبته على رسول الله سحراً، فقامت على باب حجرتها وقالت لي: يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك ، فلما مر النبي الله خارجاً إلى صلاة الصبح أطلقه . وأنزل الله تعالى في غزوة الأحزاب وبني قريظة آيات من سورة الأحزاب، الوقعة بين حال المؤمنين والمنافقين،