وبالتزامن مع إحدى أبشع الجرائم في التاريخ الحديث بحق المسلمين، وُلد أحد أعظم القادة العسكريين في التاريخ الإسلامي المعاصر. كان زعيم الاتحاد السوفيتي وقتها "ستالين" قد أصدر أمره الإجرامي بتهجير الشعب الشيشاني المسلم بأكمله عن آخر بكرة أبيه إلى صحارى آسيا الوسطى، فحُشر نحو نصف مليون مسلم شيشاني وإنغوشي في عربات الماشية، وفي الطريق استُشهد منهم آلاف الأبرياء، في جريمة عقاب جماعي لم يرحم فيها الاتحاد السوفيتي حتى الـ. وبين آلام التشريد والظلم، وُلد ذلك البطل المسلم: "جوهر دوداييف". ويكبر مؤمنًا في دولة لا ترحم الإسلام ولا أهله. ولم يطأ أرض أجداده إلا عام 1957، حين سُمح أخيرًا لشعبه بالعودة من جحيم المنفى. فدخل سلاح الجو السوفيتي، وصعد حتى أصبح أول مسلم يقود فرقة قاذفات استراتيجية ضمن المنظومة النووية السوفيتية. لكن المعدن الحقيقي للرجل ظهر حين أُمر بقصف مدنيين عُزّل في إستونيا (على بحر البلطيق) يطالبون باستقلالهم. وصرخ في وجه قادته: "كيف لي أن أقصف أبرياء يدافعون عن بيوتهم وأوطانهم؟!" ثم استقال من جيش الاحتلال السوفيتي، وعاد إلى وطنه الشيشان عام 1990، وفاز بأغلبية ساحقة، ليصبح أول رئيس منتخب لجمهورية الشيشان المسلمة المستقلة. فأعلن استقلال بلاده عن الإمبراطورية المنهارة، لكن موسكو، بقيادة رئيسها "يلتسين"، لم تحتمل أن يفلت من قبضتها شعب مسلم يطلب حريته، في ديسمبر 1994، اجتاحت الدبابات الروسية الشيشان، فاندلعت حرب الشيشان الأولى، التي لم تكن حربًا بالمعنى المتكافئ، بل محاولة روسية من أجل |B|دö لشعب صغير من قِبل إحدى أعظم القوى العسكرية في العالم. لكن دوداييف ومجاهديه واجهوا الإجرام الروسي بحرب المدن والعصابات، خاصة في مدينة غروزني، التي حوّلها القصف الروسي الهمجي إلى ركام، واستشهد تحتها عشرات الآلاف من المدنيين المسلمين الأبرياء، لكن روسيا، وهي تعجز عن هزيمة "دوداييف" في ميدان القتال، كان الرجل حذرًا للغاية، يعرف أن المخابرات الروسية تطارده ليل نهار، فلا يبيت في مكان مرتين، ويختصر مكالماته عبر هاتف الثريا الفضائي (جهاز اتصال متطور يعتمد على الأقمار الصناعية لربط المستخدمين في المناطق النائية التي لا تتوفر فيها شبكات المحمول التقليدية) إلى أقل من ثلاث دقائق تجنباً لرصد الإشارة من الروس. غير أن الفخ جاء هذه المرة عبر غطاء "المفاوضات والوساطة"؛ إذ كشفت التقارير الصحفية الروسية — كما أوردت صحيفة "إزفستيا" (العدد 78، بتاريخ 25 أبريل 1996) ونقلتها الصحافة العالمية مثل "لوس أنجلوس تايمز" و"الصحف العربية" — عن كواليس اللحظات الأخيرة في حياة دوداييف، حيث كان لخيانة حاكم عربي رأي آخر. ففي مساء 21 أبريل 1996، كان جوهر دوداييف يجري اتصالًا عبر هاتفه الفضائي ضمن قناة الاتصال الرسمية التي فتحها الملك المغربي "الحسن الثاني" بطلب مباشر من الرئيس الروسي بوريس يلتسين للتوسط في إنهاء النزاع؛ حيث كان دوداييف على الطرف الآخر من الخط مع أحد مساعدي الملك المكلفين بمتابعة ملف الوساطة من داخل الديوان الملكي. وقد أوردت عدة مصادر وشهادات لقادة شيشانيين مقربين من دوداييف، إلى جانب كتابات محللين عسكريين روس، أنه كان يخاطب الملك الحسن الثاني شخصياً في تلك اللحظات الحاسمة لترتيب تفاصيل مبادرة السلام، حيث استغل يلتسين ثقة دوداييف بملك المغرب لتدبير هذا الكمين. وإليك نص ترجمة الفقرة الخاصة بدور الحسن الثاني، حسب ما نشرته صحيفة "إزفستيا" الروسية (Известия ) بتاريخ 25 أبريل 1996/ العدد 78، «أن الرئيس الشيشاني وممثله الشخصي في موسكو قتلا عندما كان دوداييف يجري اتصالًا بأحد مساعدي الملك المغربي الحسن الثاني الذي كان الرئيس الروسي بوريس يلتسين طلب منه التوسط لإنهاء النزاع. وفي أثناء تلك المكالمة، أُطيلت مدة الاتصال عمداً من الطرف المغربي لبضع دقائق إضافية؛ وكانت تلك الدقائق المفتعلة حاسمة لطائرة استطلاع روسية كي تلتقط الإشارة وتحدد موقع الهاتف الفضائي بدقة متناهية. فأطلق الروس صاروخَين موجَّهَين نحو موقع المحادثة، ليُستشهد "جوهر دوداييف" على الفور هو ومن معه قرب قرية "غيخي-تشو"، ف بريئاً، استُشهد جوهر دوداييف، لكنه لم يُهزم. لم تُسقطه روسيا في معركة، بل تخلصت منه عن بعد لأنها عجزت عن مواجهته بشرف وجهاً لوجه. واستمر النضال من بعده على دربه، حتى استعاد الشيشانيون غروزني في أغسطس 1996 بقيادة كل من "أصلان مسخادوف" و"شامل باساييف"، في هزيمة مدوّية لم تشهد روسيا مثلها منذ الحرب الباردة. لم يكن دوداييف طالب سلطة ولا مال. بل رفض كل عروض النفي الآمن والثروة، وحين سُئل عن عدد جنرالات جيشه، أجاب بكل تواضع المؤمن الواثق: "كل فرد في الشيشان جنرال، استُشهد دوداييف،