1- تفسيرنظرية التحليل النفسي للقلق: يعتبر "فرويد Freud" رائد مدرسة التحليل النفسي من أوائل من تحدثوا عن القلق في علم النفس، بل ويرى البعض أن هذا المفهوم لم يشع استخدامه إلا عندما شاع في كتابات "فرويد"، حيث يعود الفضل إليه في توجيه علماء النفس إلى الدور الهام الذي يلعبه القلق في حياة الإنسان. ولقد مر تفسير "فرويد" للقلق النفسي بمرحلتين: المرحلة الأولى( 1916-1917): حيث فسر القلق على أساس أنه حينما تمنع الرغبة الجنسية من الإشباع فإن الطاقة النفسية المتعلقة بالدافع الجنسي " الليبدو" لدى الفرد تتحول إلى قلق بطريقة فسيولوجية. أما المرحلة الثانية (1936): فقد عدل "فرويد" عن رأيه الأول وأكد أن جميع المخاوف المرضية في أساسها هي رغبة جنسية غير مقبولة وخوف من العقاب، وقد أبدل "فرويد" هذا الخوف وحل محله الخوف المرضي، ورأى أن قلق " الأنا" هو ما يحدث أولاً وهو الذي يسبب الكبت ولا ينشا القلق أبداً من الليبدو. ومن خلال اهتمامه بدراسة ظاهرة القلق التي كان يشاهدها في معظم الحالات العصابية التي كان يعالجها، فقد ميز "فرويد" بين نوعين من القلق هما: القلق الموضوعي والقلق العصابي. 1998: 64 ) القلق الموضوعي: Objective Anxiety هذا النوع من القلق أقرب إلى السواء، وهو قلق ينتج عن إدراك الفرد لخطر ما في البيئة ويكون للقلق في هذه الحالة وظيفة إعداد الفرد لمقابلة هذا الخطر بالقضاء عليه أو تجنبه أو اتباع أساليب دفاعية إزاءه . ويلاحظ أن هذا النوع من القلق يثار بفعل مثير واقعي في البيئة الخارجية يدركه (الأنا) على نحو مهدد، ولهذا فإن هذا القلق أقرب إلى الخوف من حيث أن كليهما يثار بفعل موضوع خارجي في البيئة ومحدد نسبياً. وهو يشبه كذلك ما أسماه " سبيلبرجر Spilberger "بحالة القلق Anxiety، لأنه من المتوقع من أي فرد أنه عندما يدرك أحد الموضوعات البيئية باعتباره موضوعاً مهدداً أو خطراً فإنه يستجيب لذلك بدرجة من القلق. ولقد أطلق "فرويد" على القلق الموضوعي هذه المسميات: أ- القلق الواقعي ب- القلق الحقيقي ج- القلق السوي. القلق العصابي: Neurotic Anxiety وهو نوع من القلق ينشأ عند الفرد دون أن يعرف له سبباً محدداً وهو يتسم بالغموض. وقد كان فرويد في حديثة عن هذا النوع من القلق غامضاً فقد ادعى "فرويد" في أول الأمر أن القلق ينشأ عن كبت الرغبات الجنسية في اللاشعور. وبذلك جعل مصدر القلق فسيولوجياً لا نفسياً. ولكنه عدل عن ذلك، وفي هذه الحالة فإن (الأنا) لابد أن تدافع عن نفسها)، وغالباً ما تلجأ إلى بعض الحيل الدفاعية؛ كالإسقاط والتبرير والنكوص، ولكن هذه الحيل لا تؤدي إلى راحة دائمة وإنما تؤدي إلى راحة مؤقتة؛ لأنها تقوم على تشويه الواقع. لذلك تنطلق إنذارات أخرى من قبل (الهي) وعندها قد تعجز (الأنا) عن إيجاد طرق أخرى لرد هذه النزعات الغريزية، فيشتد القلق وقد يعاني الفرد من بعض الاضطرابات السلوكية. وهو لا يرتبط بموضوع معين بل يشعر الفرد بخوف غامض ويتوقع الشر في أي موقف، ويميل للتشاؤم (الطحان، 1996: 229). وبذلك يتجنب الفرد كثيراً من المواقف، ويتسم سلوكه بالعزلة والانطواء، وبالطبع فإن الفرد ينسب إلى هذه الموضوعات الخارجية في الموقف صفات التهديد والخطر، مع أن الخطر والتهديد ينبعثان من داخله. 1999: 273) ب‌- قلق المخاوف المرضية: ويشاهد النوع الثاني من القلق في المخاوف المرضية؛ كالخوف من الحيوانات أو من الأماكن الواسعة ، أو المرتفعة، أو من الأماكن المغلقة - وهي مخاوف تبدو غير معقولة ولا يستطيع المريض أن يفسر معناها بالرغم من شعور المريض بغرابتها إلا أنه لا يستطيع التخلص منها. ويختلف قلق المخاوف المرضية عن القلق الموضوعي، وهو يبدو خوفاً معقولاً، وهو يشاهد عند جميع الأشخاص الأسوياء، كما أننا لا نجد عادة ما يبرره، وهو ليس خوفاً شائعاً بين جميع الناس. ج- قلق الهستيريا: يشاهد هذا النوع من القلق العصابي في الهستيريا، وفي بعض الأحيان يبدو غير واضح، ونحن لا نستطيع عادة أن نجد مناسبة أو خطراً معيناً يبرر ظهور نوبات القلق في الهستيريا، وبذلك يزول شعور القلق أو يصبح غير واضح، فرويد ، 1989: 5-16) وهذا القلق مصدره الضمير، ويرجع إلى خوف موضوعي وهو الخوف من العقوبة أو ما يترتب على مخالفة النظام. (سليمان والهواري، 2007: 185) ويرى "فرويد" أن القلق الموضوعي أو الواقعي هو خوف من خطر قادم من العالم الخارجي أما القلق العصابي والقلق الخلقي فكلاهما يثار عن طريق التهديدات لميزان القوى داخل الفرد، ويبعثان برسالة إلى (الأنا) مفادها أنه إذا لم يتخذ (الأنا) خطوات ضرورية فسوف يزداد الخطر لدرجة رمي (الأنا) خارج حلبة الصراع وحينما لا يستطيع (الأنا) التحكم بالقلق بالطرق المنطقية يلجأ إلى حيل الدفاع. أخرس والشيخ، ولقد كانت لدراسة "فرويد" للقلق أهمية تاريخية كبيرة؛ إذ إنها أثارت اهتمام كثير من العلماء ، إلا أن البعض من هؤلاء العلماء لم يستطيعوا تقبل أفكار "فرويد" فيما يتعلق بوجود مشاعر جنسية لاشعورية لدى الرضع والأطفال إزاء والديهم، وهو ما قد يقودهم إلى الوقوع فريسة للمرض النفسي إذا تركت هذه المشاعر ولم تحل أو تتحول، ولذلك فقد طور كل منهم نظرية بديلة تشرح تطور المرض النفسي، وسنحاول فيما يأتي أن نستعرض في إيجاز أهم هذه الآراء التي قال بها المحللون النفسانيون الآخرون وهي كالتالي: يذهب "رانك" Rank إلى أن القلق الأولي يتخذ صورتين تستمران مع الفرد في جميع مراحل حياته، وهما خوف الحياة وخوف الموت، وخوف الحياة هو قلق من التقدم والاستقلال الفردي، ويظهر هذا القلق عند احتمال حدوث أي نشاط ذاتي للفرد، أو العمل على إيجاد تغييرات جديدة في شخصيته، أو عندما يريد الفرد أن يكون علاقات جديدة مع الناس، ويظهر القلق في هذه الحالات؛ لأن تحقيق هذه الإمكانات يهدد الفرد بالانفصال عن علاقاته وأوضاعه السابقة، وخوف الموت على عكس خوف الحياة، هو قلق من التأخر وفقدان الفردية إنه خوف من أن يضيع في المجموع، أو خوف من أن يفقد استقلاله الفردي ويعود إلى حالة الاعتماد على الغير. أما "هورني Horny" فتعتقد أن الطبيعة الإنسانية قابلة للتغير نحو الأفضل، فهي تعتبر من العلماء المتفائلين بقدرات وإمكانات الإنسان نحو التقدم والارتقاء، وتعتقد "هورني" أن الثقافة من شأنها أن تخلق قدراً كبيراً من القلق في الفرد الذي يعيش في هذه الثقافة، والنظرية الاجتماعية "لهورني" أظهرت مفهوماً أولياً عندها، ونعني به مفهوم القلق الأساسي Basic Anxiety، وقد عرفت "هورني" القلق الأساسي بقولها: "إنه الإحساس الذي ينتاب الطفل لعزلته وقلة حيلته في عالم يحفل بالتوتر والعدوانية ". وترى "هورني" أن القلق استجابة انفعالية تكون موجهة إلى المكونات الأساسية للشخصية. عثمان، 2001: 23-24) ويتفق "سوليفان" Sullivan مع "هورني"Horny في تأكيدهما على فكرة أن عدم توفر الأمان الاجتماعي يسبب القلق "فسوليفان" ينظر للقلق على أنه حالة مؤلمة للغاية تنشأ من معاناة عدم الاستحسان في العلاقات البينشخصية. (الديناميات والتسجيدات الشخصية) ويعتقد أن القلق حين يكون موجوداً لدى الأم تنعكس آثاره على الوليد، لأنه يستحث القلق من خلال الارتباط العاطفي بين الأم ووليدها، وتنشأ التوترات من مصدرين : توترات ناشئة عن حاجات عضوية، وتوترات تنشا عن مشاعر القلق، وخفض التوترات الناشئة عن القلق يعتبر من العمليات الهامة في نظرية "سوليفان" والتي أطلق عليها مبدأ القلق. والقلق في نظر "سوليفان" هو أحد المحركات الأولية في حياة الفرد. فالقلق البسيط يمكن أن يغير الإنسان ويبعده عن الخطر، أما القلق الشامل الكلي فإنه يؤدي إلى اضطراب كامل في الشخصية، ويجعل الشخص عاجز عن التفكير السليم أو القيام بأي عمل عقلي. (عثمان، 2001: 22-23) ويعتبر "إيريك فروم""Erick Fromm" من علماء النفس الذين أُعجبوا بعلم الأنثروبولوجيا الاجتماعية واستفاد من نتائجه في تفسيره للظواهر النفسية، ومن هنا كان اعتراضه على بعض تفسيرات " فرويد" البيولوجية شأنه شأن " هورني" ويرى "فروم" أن الإنسان في مسيرة حياته الطويلة في ظل المجتمع يكَّون حاجاته النفسية، ومن هذه الحاجات حاجة الفرد إلى الانتماء، وإلى إثبات هويته الفردية، وإلى أن يكون خلاقاً، ويرى " فروم " أن على المجتمع أن يعمل على تمكين الفرد من إشباع هذه الحاجات. ويوافق "فروم" على كثير من ملاحظات " فرويد " للظواهر المتعلقة بالتطور الجنسي للفرد، ويعتمد " فروم" في هذا الاختلاف على نتائج البحوث الأنثروبولوجية التي أوضحت أن هذا التطور في كثير من المجتمعات البدائية لا يسير على نفس النحو الشائع الذي وصفه "فرويد" وينتهي "فروم" إلى القول بأن القوى الاجتماعية هي التي تقف وراء كثير من الظواهر التي نظن أنها بيولوجية. ويقف "فروم" عند اعتماد الطفل على والديه من جهة، فالطفل يقضي فترة غير قصيرة من الزمن معتمداً على أمه. وهو يعتمد عليها في غذائه وأمنه وتنقله، وتقود هذه الفترة من الاعتماد عليها إلى الارتباط بقيود أولية. ولكن اعتماده على أمه ووالده كذلك يوفر له الأمن والطمأنينة، وتولد القلق لديه، فالطفل الذي يريد إنجاز أعماله مستقلاً عن والديه يقابل أحياناً بعدم الاستحسان والنقد القاسي من الأب، أو من مجتمع غير واعٍ لإمكانات الطفل، ويكون ذلك مصدراً لقلقه، ويصبح في حالة صراع بين ما يريد إنجازه وبين تحمل نقد الآخرين، ويقود الصراع أحياناً إلى السكوت على ما يريد، ويعني ذلك إحباطاً لديه، والصراع نفسه يقوده إلى القلق. وتكثر هذه الحالات، وتنمو رغباته كما ينمو نزوعه إلى الاستقلال ويعني ذلك أن الاستعداد للقلق أمام ظروف متصارعة يصبح متمكناً منه وقوياً لديه. (الرفاعي، 2001: 215) ويربط "أريكسون" Erikson الاضطرابات النفسية ومنها: القلق، الاكتئاب، بالفشل في نمو (الأنا) نمواً طبيعياً حيث يفشل الفرد في حل أزمات النمو في مراحل العمر المختلفة وخاصة في المراحل الأولى حلاً إيجابياً. ويرى أن الشخصية في نمو مستمر على مدار حياتها عبر ثماني مراحل هي: 1- المهد: الثقة الأساسية مقابل عدم الثقة (الأمل). 3- سن اللعب الحركي والجنسي: المبادأة مقابل الشعور بالذنب (الغرض). 4- سن المدرسة الابتدائية (الكمون): الإنجاز مقابل الشعور بالنقص (الكفاءة). 5- البلوغ والمراهقة: هوية (الأنا) مقابل تشتت الدور (الإخلاص). 6- الرشد المبكر: الألفة مقابل العزلة (الحب). 7- الرشد المتوسط: العطاء مقابل الركود (الرعاية). 8- النضج وآخر العمر: التكامل مقابل اليأس (الحكمة). ويرى "إريكسون" أن كل مرحلة تحمل أزمة تتطلب الحل، وهذه الأزمة ترجع في جزء منها إلى العوامل الاجتماعية والثقافية، وأن حل هذه الأزمة يؤدي إلى تمتع الفرد بالسواء النفسي والانتقال إلى المرحلة الجديدة، أما الفشل في حلها فيؤدي إلى تحول (الأنا) القادرة إلى (أنا) ضعيفة عاجزة عن تنمية الإحساس بالهوية والوقوع في براثن المرض النفسي. (عبد الرحمن، 2000م: 92) واعتماداً على ما سبق ترى الباحثة أنه يمكن القول بأن التحليليين يربطون ظهور الاضطرابات النفسية ومنها القلق بخبرات الفرد المؤلمة المعيقة للنمو السوي كنتيجة لسيطرة بعض الرغبات المكبوتة من جانب ولضعف نمو (الأنا) الفاعل القادر على التكيف في المقابل. كما خلصت الباحثة إلى أن النظرية التحليلية تقوم على الاعتقاد بأن السلوك البشري يتأثر بشدة بالعمليات النفسية اللاشعورية، وأن سلوك الإنسان السوي واللاسوي يكون نتاج تفاعل العوامل الوراثية والبيئية، وتركز هذه النظرية على الأهمية البالغة للسنوات الأولى من حياة الطفل من حيث تأثيرها البالغ على الحالة النفسية للفرد فيما بعد. 2) تفسير المدرسة السلوكية للقلق: تنظر المدرسة السلوكية إلى القلق على أنه سلوك متعلم من البيئة التي يعيش فيها الفرد تحت شروط التدعيم الإيجابي والتدعيم السلبي، ورغم ما يوجد من اختلافات جوهرية بين المدرسة السلوكية ومدرسة التحليل النفسي، إلا أنهما يشتركان في الرأي القائل بأن القلق يرتبط بماضي الإنسان، وهما تتفقان أيضاً في أن الخوف والقلق كلاهما استجابة انفعالية من نوع واحد، وأن الاختلاف بين الاثنين يكمن في أن الخوف ذو مصدر موضوعي يدركه الفرد، في حين أن مصدر القلق أو سببه يخرج من مجال إدراك الفرد، أي أن الفرد ليس واعياً بما يثيره القلق. كفافي، 1997: 349) غير أنها اكتسبت القدرة على إثارة هذه الاستجابة نتيجة لعملية تعلم سابقة فالخوف والقلق، استجابة انفعالية واحدة، فإذا أثيرت هذه الاستجابة عن طريق مثير من شأنه أن يثير الاستجابة اعتبرت هذه الاستجابة خوفاً، والذي يحدث أن المثير المحايد مثير ليس من شأنه إثارة هذه الاستجابة، أي أن القلق إذن استجابة خوف اشتراطية والفرد غير واعٍ بالمثير الطبيعي لها. فاستجابة القلق إذن استجابة اشتراطية كلاسيكية تخضع لقوانين التعلم التي يتحدث عنها الاشتراطيون، إلا إذا حدثت في مواقف لا يستجيب فيها الآخرون باستجابة القلق، أو إذا بلغ الفرق بين شدة استجابة القلق عند فرد معين في موقف معين وشدتها عند الآخرين، قدراً كبيراً، حيث تعتبر في هاتين الحالتين استجابة مرضية، وليس هناك فرق بين استجابة القلق الطبيعية، واستجابة القلق المرضية من حيث التكوين والنشأة، فكلاهما استجابة. (عبد الغفار، ويرى "دولارد" Dollard و"ميللر"Miller أن القلق والخوف فعلان مُتعلمان مُكتسبان. فالطفل يكتسب القلق من والديه، فهما اللذان يجلبان القلق لأبنائهما، أو يبعدانه عنهم، 1- صراع الإقدام والإحجام Approach-Avoidance Conflict . 3- صراع الإحجام والإحجام Avoidance- Avoidance Conflict. كما يرى "دولارد وميلر" أن الطفل يتعلم أنواع الصراع في بداية حياته الأولى، وذلك على مستوى اللاشعور، وهذا ما يجعل للعمليات اللاشعورية أهميتها في تكوين الخوف والقلق. نقلاً عن (تونسي، والذي يشير إلى أي عادة من السلوك غير التوافقي يتم اكتسابها في كيان عضوي سوي من الناحية الفسيولوجية، ويرى أن القلق هو المكون المركزي لهذا السلوك، إذ يكون دائماً حاضراً في المواقف المسببة للمرض. نقلاً عن (الغامدي، 2005: 49) ولقد تطور الفكر السلوكي بظهور نظرية التعلم الاجتماعي "لباندورا" "Bandura " الذي أكد على أهمية التفاعل المتبادل بين المثيرات وخاصة الاجتماعية منها، والسلوك، والعوامل الشخصية العقلية المعرفية والانفعالية الوجدانية، وبذلك يرى أن ظهور القلق مرتبط بحدوث مثيرات غير مرغوبة شريطة أن يكون لدى الفرد استعداداً نفسياً لظهوره متمثلاً في المفهوم السالب للفرد عن قدراته. ومن هنا ترى الباحثة أن القلق من وجهة نظر علماء المدرسة السلوكية عبارة عن استجابات سلوكية متعلمة لخطر غامض أو رد فعل شرطي لمنبه مؤلم، كما أن القلق يقوم بعمل مزدوج فهو دافع من ناحية ومصدراً للتعزيز من الناحية الأخرى. ولقد عاب الكثيرون على هذه النظرية تركيزها المبالغ فيه على التعلم والمحددات البيئية وإهمالها للعوامل البيولوجية والمعرفية. 3) تفسير النظرية الفسيولوجية للقلق: تنشأ أعراض القلق النفسي من زيادة نشاط الجهاز العصبي اللاإرادي بنوعيه السمبثاوي والباراسمبثاوي. وتزايد ضربات القلب، وجحوظ العينين، وزيادة العرق، وجفاف الحلق، وأحياناً رجفة في الأطراف، وصعوبة في التنفس أما ظواهر نشاط الجهاز البارسمبثاوي فأهمها كثرة التبول والإسهال، ووقوف الشعر، ويتميز القلق فسيولوجياً بدرجة عالية من الانتباه المرضي في وقت الراحة، مع بطء التكيف للكرب، أي أن الأعراض لا تقل مع استمرار التعرض للإجهاد، نظراً لصعوبة التكيف لدى مرضى القلق. (عكاشة ، 1998: 111) ويرى "سلي"" Sely" أن مفتاح العملية كلها يمكن أن يكون في منطقة المهاد، وتحت المهاد Hypothalamus والمعروف بأنه يوفق بين العضلات والوظائف الحشوية بخاصة تلك التي لها أهمية في الدفاع ضد مواقف الخطر، وتقوم المنطقة الشمية Rhinencephaion أيضاً بدور مهم في التكامل بين النشاط الانفعالي والحشوي. وقد تكون هاتان المنطقتان مسئولتان عن المظاهر البدنية للقلق. ويعتقد باحثون آخرون أن القلق راجع إلى "حساسية مفرطة " في الجهاز العصبي اللاإرادي أو خلل في وظيفة ذلك الجهاز مع السيطرة الوظيفية للجهاز اللمبي Lymbic System . ويقول إن القلق بوصفه عرضاً مشتركاً في العصاب، له خصائص الاستجابة، ويفسر "ماسلو" ذلك بافتراض أن خبرة القلق تنتج عن ضعف وظيفة الكف في الجهاز الشبكي المنشط، وهذا الضعف يسمح بتسهيل تفريغ عديد من النبضات في اللحاء، مما يؤدي إلى مستوى تنبه فوق العادي. ( عبد الخالق ، بينما يرى "لانج" Lang وجود استجابات تكوينية دفاعية في الإنسان من ضمنها مجموعة تستخدم للهروب أو للدفاع عن النفس ضد الأخطار الخارجية، ويرى حفظ هذه الاستجابات في ثلاث منظومات هرمية: أولاً: المستوى الأدنى: والذي يقوم بتحديد طبيعة ردود الفعل من سياق الموقف كوسائل للهجوم أو الفرار. ثانياً: المستوى الأوسط: " الردود الانفعالية" : كالخوف والغضب التي تتصف ببعض النمطية من ناحية الاستجابة؛ وإن اختلفت فيما بينها في اختبار طبيعة الفعل المطلوب. ثالثاً: المستوى الأعلى: وهو الأكثر تعقيداً والمسمى "بالمستوى البعدي" الذي ينظم الانفعالات والتي تشمل أبعاد شدة واتجاه كل حالة انفعالية ودرجة التحكم فيها. الجوهي، 1998: 52) ونهايات الأعصاب هذه من شانها أنها تنتج منبهات توجد بصفة طبيعية وتسمى كاتيكولامين (Catecholamine) والمعتقد أن نهايات الأعصاب في مرض القلق تفرط نشاطها الكهربائي، أي إنها تعمل بجد بالغ، وتسرف في إنتاج هذه المنبهات وربما مواد أخرى غيرها. ثم إن هناك في الوقت نفسه نهايات الأعصاب والمستقبلات التي يكون لها تأثير مضاد، فهي تصنع مهدئات توجد بصفه طبيعية، وتسمى الناقلات العصبية الكابحة التي تكبح وتهديَّ وتخفض من حدة النشاط الكهربائي للمخ. تقوم النظرية المعرفية على فكرة أن الانفعالات التي يبديها الناس، إنما هي ناتجة عن طريقتهم في التفكير، ولهذا فهي ركزت على عدم عقلانية التفكير وتشويش الواقع كأسباب أساسية للمرض النفسي، فالنظرية المعرفية ترفض ما تنادي به مدرسة التحليل النفسي من أن اللاشعور مصدر الاضطراب النفسي، وكذلك ما تنادي به المدرسة السلوكية، حيث يرى" بيك" "Beck " أن ردود الفعل الانفعالية ليست استجابات مباشرة ولا تلقائية للمثير الخارجي وإنما يجرى تحليل المثيرات وتفسيرها من خلال النظام، المعرفي وقد ينتج عن ذلك عدم الاتفاق بين النظام الداخلي والمثيرات الخارجية مما يتسبب في الاضطرابات النفسية، ومنها اضطراب القلق. إذ يرى علماء النظريات المعرفية إلى أن الاضطراب السلوكي؛ هو نمط من الأفكار الخاطئة أو غير المنطقية التي تسبب الاستجابات السلوكية غير التوافقية، وفيما يتعلق بنشأة واستمرار الاضطرابات النفسية عامة والقلق خاصة، فيعتبر نموذج "بيك" أكثر النماذج المعرفية أصالة وتأثيراً حيث تمثل الصيغة المعرفية حجر الزاوية في نظرية "بيك"، فجميع الأفراد لديهم صيغ معرفية تساعدهم في استبعاد معلومات معينة غير متعلقة ببيئاتهم، والاحتفاظ بمعلومات أخرى إيجابية. فايد، 2001: 31) كما يشير (عبد الله ، 2000: 67) إلى أن النموذج المعرفي يقوم على فكرة مؤداها أن ما يفكر فيه الفرد وما يقوله حول نفسه وكذلك اتجاهاته وآراؤه ومُثُلَه، تعد جميعاً أموراً هامة لها صلة وثيقة بسلوكه الصحيح أو بسلوكه المرضي، ويعمل هذا النموذج العلاجي على حث المرضى على استخدام طرق وأساليب حل المشكلات التي يستخدمونها خلال الفترات العادية من حياتهم. كما يقوم المعالج بمساعدة المريض في التعرف على تفكيره الشخصي، وفي تعلم طرق أكثر واقعية لصياغة خبراته، مما يتيح له الفرص للتعرف على ما اكتسبه من مفاهيم خاطئة ومعلومات خاطئة، وما قام به من تفسيرات خاطئة للعديد من المواقف والمثيرات مما يعطيه الفرص لتصحيحها وتعديلها. ويرى "بيك" أن الاضطرابات النفسية تنشأ كنتيجة لعدم الاتساق بين النظام المعرفي الداخلي للفرد، وبين المثيرات الخارجية التي يتعرض لها ذلك الفرد، وتحليلها وتفسيرها عن طريق ذلك النظام المعرفي الداخلي الذي يميزه، بل من جانب الفرد نفسه أيضاً في أوقات مختلفة. كذلك فإن كل موقف أو حدث يكتسب معنىً خاصاً، يحدد استجابة الفرد الانفعالية تجاهه، وتتوقف طبيعة الاستجابة الانفعالية أو الاضطراب الانفعالي لدى الفرد على إدراكه لذلك الموقف أو الحدث، فحينما يشعر الفرد مثلاً بأنه فقد شيئاً ما، له قيمته، فإنه عادة ما يشعر بالحزن، وحينما يتوقع تحقيق مكاسب معينة فإنه يشعر بالسرور والسعادة، أما حينما يشعر بالتهديد فإن ذلك يؤدي به إلى القلق. كما تفسر نظرية "بيك" المعرفية ذلك بأنه أنماط من التفكير المشوهة، والخطأ في تقييم المواقف من ناحية خطورتها وما يترتب على ذلك، مما يترتب على ذلك ظهور القلق الذي يوجد لديه. (الجوهي، 1998: 51) فهذه النظرية تركز على الحساسية الكبيرة للإشارات المنبهة بالخطر لدى الأشخاص الذين يعانون من اضطراب القلق ، ويؤدي بهم تفسير تلك الخبرات بطريقة مهددة إلى تفاقم القلق الذي يئول بالتالي إلى تطور أعراض يستجيبون حيالها لمزيد من القلق، 5) تفسير النظرية الإنساني: هذه النظرية قامت باعتبارها ردَّ فعلٍ للحتمية التحليلية " الداخلية "والحتمية السلوكية وهي تقوم على أهمية التطابق بين الذات والخبرة؛ والذات تشير إلى الصورة التي يكونها الإنسان عن نفسه، أما الخبرة فهي التي تنشأ من تقدير وتعامل الآخرين، الأحمد، 2002: 20) و"كولمان Collman" (1972) إلى القول بأن الإنسان هو الكائن الحي الوحيد الذي يدرك أن نهايته حتمية وأن الموت قد يحدث في أي لحظة، لذلك فإن توقع فجائية حدوث الموت هو المثير الأساسي للقلق عند الإنسان. وحرص الإنسان على وجوده هو ما يثير قلقه، والموت هو الصورة المطلقة للاوجود. ويرى "ثورن Thorn" أن كلاً منا يحيا ومعه بيان تراكمي بعدد مرات فشله وعدد مرات نجاحه في الحياة؛ فإذا انخفضت نسبة نجاح الفرد عن (50%) ازداد قلقه. فشل الفرد في تحقيق أهدافه وفشله في اختيار أسلوب حياته، وخوفه من احتمال حدوث الفشل في أن يحيا الحياة التي هو يريدها، مثيراً لقلقه. فالإنسان إذا ما فقد بعضاً من طاقاته وقدراته نتيجة لاعتلال في الصحة، أو إصابته بمرض لا شفاء منه، أو إذا تقدم به السن يعني ذلك انخفاض عدد الفرص المتاحة أمامه وانخفاض نسبة النجاح في المستقبل. عبد الغفار، 1990: 126) وتمثل المدرسة الإنسانية امتداداً للفكر الوجودي، ولذا يرى الإنسانيون أن القلق هو الخوف من المستقبل وما قد يحمله من أحداث تهدد وجود الإنسان أو تهدد إنسانيته، ولهذا فإنه المثير الأساسي للقلق. ولعل من أهم من يمثل هذا الفكر كلّ من " ماسلو " و" روجرز "، حيث يعتقد "ماسلو" أن الكائنات الحية البشرية تهتم بالنمو بدلاً من عملها على تجنب الإحباطات أو إعادة التوازن، وعلى هذا الاعتقاد وضع نظريته الشهيرة حول هرم الحاجات. إلا أن عدم تحقيق هذه الحاجات يمكن أن يؤدي إلى القلق. كما يرى "روجرز" أن الإنسان يشعر بالقلق حين يجد التعارض بين إمكاناته وطموحاته أو بين الذات الواقعية الممارسة وبين الذات المثالية، وباختصار فإن القابلية للقلق تحدث عندما يكون هناك تعارض بين ما يعيشه الكائن العضوي وبين مفهوم الذات (تونسي، 2002: 28-29) ومن خلال العرض السابق للنظريات المفسرة للقلق، خلصت الباحثة إلى أنه بالرغم من كل ما وجه إلى نظرية التحليل النفسي من انتقادات بشأن الاهتمام المبالغ فيه بدور العمليات اللاشعورية كمحددات للسلوك. وتجاهلها لدور العوامل البيولوجية - فقد أسهمت بقدر كبير في فهم طبيعة الشخصية الإنسانية، كما لفتت الانتباه إلى أهمية خبرات الطفولة في تطور النمو السوي والمرضي للشخصية. وإبراز أثر اللاشعور على السلوك الإنساني.