۳۰۱ - قد علم أن المعارض للكلام معارض له من الجهة التي منها تفصيل آخر ، في العبارتين تري أنهما يوصف بأنه فصيح وبليغ ، ومتخير اللفظ جيد السبك ، الأوصاف التي نسبوها إلى اللفظ . وإذا كان هذا هكذا ، أتي به كان معارضاً ما هو ؟ أهو أن يجيء بلفظ فيضعه مكان لفظ آخر ، أن يقول بدل « أسد » « ليث ) ، وبدل ( بَعدَ ) ( نَأى » ، ومكان و قرب ) و دنا » ، أم ذلك ما لا يذهب إليه عاقل ولا يقوله من به طرق ؟ (۱) كيف ؟ ولو كان ذلك معارضة لكان الناس لا يفصلون بين الترجمة والمعارضة ، فسر كلاماً معارضاً له ، وإذا بطل أن يكون جهة للمعارضة ، الواضع نفسه في هذه المنزلة / معارضاً على وجه من الوجوه ، عَلِمْتَ أن الفصاحة والبلاغة وسائر ما يجرى في طريقهما أوصاف راجعة إلى المعاني ، وإلى ما يدل عليه بالألفاظ ، دون الألفاظ أنفسها / ، لأنه إذا لم يكن في القسمة إلا المعاني والألفاظ ، وكان لا يُعقل تعارض في الألفاظ المجردة ، (۲) إلا ما ذكرت ، لم يبق إلا أن تكون المعارضة معارضة من جهة ترجع إلى معانى الكلام المعقولة ، دون ألفاظه المسموعة . وإذا عادت المعارضة إلى جهة المعنى ، وكان الكلام يعارض من حيث هو فصيح وبليغ ومتخير اللفظ ، حصل من ذلك أن ه الفصاحة ، و ( البلاغة ) و ( تخير اللفظ ) عبارة عن خصائص ووجوه تكون معاني الكلام عليها ، وعن زيادات تحدث فى أصول المعاني ، كالذي أريتك فيما بين ( زيد كالأسد ) و ( كأن زيداً الأسد ) ، ٣٠٢ - وأعلم أنك لا تشفى العلة ولا تنتهى إلى ثلج اليقين ، حتى تتجاوز حد العلم بالشيء مجملاً ، إلى العلم به مفصلاً ، وحتى لا يقنعك إلا النظر في زواياه ، والتغلغل في مكامنه ، وحتى تكون كمن تتبع الماء حتى عرف منبعه ، وانتهى فى البحث عن جوهر العود الذي يُصنع فيه إلى أن يعرف مَنْبِته ، ومَجْرَى عُرُوق الشجر الذى هو منه . وإنا لنراهم يقيسون الكلام في معنى المعارضة على الأعمال الصناعية ، كنسج الديباج وصوغ الشنف والسوار وأنواع ما يصاغ ، (۱) وكل ما هو صنعة وعمل يد ، بعد أن يبلغ مبلغاً يقع التفاضل فيه ، ثم يعظم حتى يزيد فيه الصانع على / الصانع زيادة يكون له بها صيت ، وهذا القياس ، وإن كان قياساً ظاهراً معلوماً ، وكالشيء المركوز في الطباع ، حتى ترى العامة فيه كالخاصة = فإن فيه أمراً يجب العلم به : وهو أنه يتصور أن يبدأ هذا فيعمل ديباجاً ويُبدع في نقشه وتصويره ، فيجيء آخر ويعمل ديباجا آخر مثله في نقشه وهيئته وجملة صفته ، حتى لا يفصل الرائى بينهما ، ولا يقع لمن لم يعرف القصة ولم يُخبر الحال إلا أنهما صنعة رجل واحد ، و خارجان من تحت يد واحدة . وهكذا الحكم فى سائر المصنوعات ، / كالسوار يصوغه هذا ، ويجيء ذاك فيعمل سواراً مثله ، هي ، (۲) حتى لا يغادر منها شيئاً البتة . ٣٠٣ - وليس يُتصوَّر مثل ذلك فى الكلام ، لأنه لا سبيل إلى أن تجيء إلى معنى بيت من الشعر ، أو فصل من النثر ، فتؤديه بعينه وعلى خاصيته وصفته بعبارة أخرى ، (۱) حتى يكون المفهوم من هذه هو المفهوم من تلك ، لا يخالفه في صفة ولا وجه ولا أمر من الأمور . ولا يغرنك قول الناس : ( قد أتى بالمعنى بعينه ، وأخذ معنى كلامه فأداه على وجهه ) ، فإنه تسامح منهم ، والمراد أنه أدى العرض ، فأما أن يؤدى المعنى بعينه على الوجه الذي يكون عليه في كلام الأول ، حتى لا تَعْقِل ههنا إلا ما عَقَلْته هناك ، وحتى يكون حالهما في نفسك حال الصورتين المشتبهتين فى عينك كالسوارين والشنفين ، ففي غاية الإحالة ، وظن يقضي بصاحبه إلى جهالة عظيمة ، وهى أن تكون الألفاظ مختلفة المعاني إذا فُرقت ، ومُتَّفِقَتَها / إذا جمعت وألف منها كلام . وذلك أن ليس كلا منا من فيما يفهم من لفظتين مفردتين نحو قعد » و « جلس » ، ولكن فيما فُهِم مجموع كلام ومجموع كلام آخر ، نحو أن تنظر في قوله تعالى : ( وَلَكُمْ فِي القصاص حيوة ) ( سورة البقرة : ۱۷۹ ) ، وقول الناس : ( قتل البعض إحياء للجميع ) ، (۲) فإنه وإن كان قد جرت عادة الناس بأن يقولوا في مثل هذا : إنهما عبارتان معبرهما واحد ) ، فليس هذا القول قولاً يمكن الأخذ بظاهره ، الكتابة ٣٠٤ - الكلام على ضربين : ضَرْبٌ أنت تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده ، وذلك إذا قصدت أن تخبر عن « زيد » مثلاً بالخروج على الحقيقة ، فقلت : ( خرج زيد ) ، وبالانطلاق عن ( عمرو ) فقلت : عمرو منطلق ) ، وعلى هذا القياس . = وضرب آخر أنت لا تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده ، ولكن يدلك اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة ، ثم تجد لذلك المعنى دلالةً ثانية تصل بها إلى الغرض ومدار هذا الأمر على ( الكناية » و « الاستعارة » و « التمثيل » ، وقد مضت الأمثلة فيها مشروحة مُستَقصاةً . (۱) أو لا ترى أنك إذا قلت : « هو كثير رماد القدر » ، أو قلت : « طويل النجاد ) ، أو قلت في المرأة : ( نووم الضحى ) ، فإنك في جميع ذلك لا تُفيد غرضك الذى تعنى من مجرد اللفظ ، ولكن يدل اللفظ على معناه الذى يوجبه ظاهره ، ثم يعقل السامع من ذلك المعنى ، على 0 سبيل الاستدلال ، معنى ثانياً هو غَرَضُك ، كمعرفتك من : كثير رماد / القدر ) أنه مضياف ، ومن ( طويل النجاد ) أنه طويل القامة ، ومن « نؤوم الضحى ) في المرأة أنها مترفة مخدومة ، لها من يكفيها أمرها وكذا إذا قال : ( رأيت أسداً ) ، ودَلَّكَ الحال على أنه لم يرد السبع ، علمت أنه أراد التشبيه ، وكذلك تعلم من قوله : ( بلغنى أنك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى » ، أنه أراد التردد في أمر البيعة واختلاف العزم فى الفعل وتركه ، على ما مضى الشرح فيه . ٣٠٥ - وإذ قد عرفت هذه الجملة ، و المعنى » ، و ( معنى تقول : « المعنى ) ، و ( معنى المعنى ) ، تعنى بالمعنى المفهوم من ظاهر اللفظ المعنى ، وهو فصل جيد والذي تصل إليه بغير واسطة = و ( بمعنى المعنى ) ، أن تعقل من اللفظ معنى ، ثم يفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر ، كالذي فسرت لك . ٣٠٦ - وإذ قد عرفت ذلك ، فإذا رأيتهم يجعلون الألفاظ زينة للمعاني وحلية عليها = أو يجعلون المعاني كالجواري ، والألفاظ كالمعارض لها ، (۲) وكالوشى المحبر واللباس الفاخر والكسوة الرائقة ، إلى أشباه ذلك مما يفحمون به أمر اللفظ ، ويجعلون المعنى ينبل به ويشرف = (۳) فأعلم أنهم يصفون كلاماً قد أعطاك المتكلم أغراضه فيه من طريق معنى المعنى ، (٤) فكنى وعرض ، ومثل واستعار ، ثم أحسن / فى ذلك كله وأصاب ، ووضع كل شيء منه في موضعه ، وأصاب به شاكلته ، وعمد فيما كنى به وشَبَّه ومَثَّل ، لما حَسن مأخذه ، ودَقَّ مسلكه ، ولطفت إشارته ، وأن المعرض وما في معناه ، ليس هو اللفظ المنطوق به ، ولكن معنى اللفظ الذى دللت به على المعنى الثاني ، قوله : فَإِنِّي ، جَبَانُ الكَلْبِ مَهْزُولِ الفَصِيل . الذى هو دليل على أنه مضياف ، فالمعاني الأول المفهومة من أنفس الألفاظ هي المعارض والوشى والحلى وأشباه ذلك ، والمعاني الثواني التي يوماً إليها بتلك المعاني ، هي التي تُكسى تلك المعارض ، وتُزيَّن بذلك الوشي والحلى . (۱) بيت شعر ، وسيأتي بتمامه في رقم : ٣٦٤ ، وما يك في من عَيْبٍ فإنّي . (۲) في هامش : ج : حاشية هي من كلام عبد القاهر ، كما رجحت ، هذا نصها : ههنا نكتة ، وهى أن الوشى من الثياب يكون وشياً كان على اللابس ، أو كان قد خُلع وترك . دَلُّوا بها على معان ثوان تكون وشياً وحليا مادامت لباساً لتلك المعانى ، فإذا خُلعت عنها ونظر إليها منزوعة منها ، لم تكن وشياً ولا حليًّا . فلو قلت : ( فصلان فلان [ هزلى ] » ، وأنت لا تكنى بذلك عن نحره أمهاتها للضيافة ، لم يكن من معنى الوشي والحلي في شيء . وكذلك يتغير الحال بأن تحوّل الشيء من ذلك عما كنوا به عنه ، (وَلَا أَبْنَاعُ إِلَّا قَرِيبَةَ الأَجَلِ في صفة قصاب ، لم يكن من الحسن الذي هو له الآن في شيء ، فاعرفه ) . يقول أبو فهر : مكان النقط مطموس فى التصوير ، وسيأتى البيت الذي أنشده بعد قليل ، . لا أُمْتِعُ العُوذَ بِالفِصَالِ وقوله آنها : و فصلان فلان [ هزلى ] ) ، الكلب مهزول الفصيل » . ٣٠٧ - وكذلك إذا جعلوا المعنى يُتَصَوَّر من أجل اللفظ بصورة ، ويبدو في هيئة ، ويتشكل بشكل يرجع المعنى في ذلك كله إلى الدلالات المعنوية ، ولا يصلح شيء منه حَيْثُ الكلام على ظاهره ، وحيث لا يكون كناية ولا تمثيل ولا استعارة ، (۱) ولا استعانة في الجملة بمعنى على معنى ، وتكون الدلالة على الغرض من مجرد اللفظ ، فلو أن قائلاً قال : ( رأيت الأسد ) ، وقال آخر : لقيت الليتَ ) ، لم يجز أن يقال فى الثانى أنه صور المعنى في غير صورته الأولى ، ولا أن يقال أبرزه في معرض سوى معرضه ، ولا شيئاً من هذا الجنس وجملة الأمر أن صُور المعانى لا تتغير بنقلها من لفظ إلى لفظ ، حتى يكون هناك اتساع ومجاز ، وحتى لا يُراد من الألفاظ ظواهر ما وضعت له في اللغة ، ولكن يشار بمعانيها إلى معانٍ أخر . ۳۰۸ - وأعلم أن هذا كذلك ما دام النظم واحداً ، فأما إذا تغير النظم فلابد حينئذ من أن يتغير المعنى ، على ما مضى من البيان في ( مسائل التقديم والتأخير ) ، (۲) وعلى ما رأيت فى المسئلة التي مضت الآن ، (۳) أعنى قولك : إن زيداً كالأسد ) ، و ( كأن زيدا الأسد ) ، ذاك لأنه لم يتغير من اللفظ شيء ، وإنما تغير النظم فقط . وأما فتحك ( إن ) عند تقديم الكاف وكانت مكسورة / فلا اعتداد / بها ، لأن معنى الكسر باق بحاله . ٣٠٩ - وأعلم أن السبب في أن أحالوا في أشباه هذه المحاسن التي ذكرتها لك على اللفظ ، أنها ليست بأنفس المعانى ، بل هي زيادات فيها وخصائص . ألا ترى أن ليست المزية التي تجدها لقولك : ( كأن زيداً الأسد ) على قولك و زيد كالأسد ) ، لشيء خارج عن التشبيه الذي هو أصل المعنى ، (1) وإنما هو زيادة فيه وفي حكم الخصوصية في الشكل ، نحو أن يُصاغ خاتم على وجه ، وآخر على وجه آخر ، تجمعهما صورة الخاتم ، ويفترقان بخاصة وشيء يُعْلَم ، إلا أنه لا يُعلم منفرداً . ولما كان الأمر كذلك ، لم يمكنهم أن يطلقوا اسم المعانى على هذه الخصائص ، إذ كان لا يفترق الحال حينئذ بين أصل المعنى ، وبين ما هو زيادة في المعنى وكيفية له وخصوصية فيه . فلما امتنع ذلك توصلوا إلى الدلالة عليها بأن وصفوا اللفظ فى ذلك بأوصاف يُعْلَم أنها لا تكون أوصافا له من حيث هو لفظ ، كنحو وصفهم له بأنه لفظ شريف ، وأنه قد زان المعنى ، وأن له ديباجة ، وأن عليه طلاوة ، وأن المعنى منه في مثل الوشي ، وأنه عليه كالحلي ، إلى أشباه ذلك مما يُعْلَم ضرورة أنه لا يُعنى بمثله الصوت والحرف . ثم إنه لما جرت به العادة واستمر عليه العُرف ، وصار الناس يقولون اللفظ واللفظ = لز من ذلك بأنفس أقوام باب من الفساد ، (۲) وخامرهم منه شيء لَسْتُ أَحْسين وصفه. ۳۱۰ ومن الصفات التي تجدهم يجرونها على ( اللفظ ) ، ثم بيان في استعمال و الملفظ . لا تعترضك شبهة ولا يكون منك توقف / فى أنها ليست له ، ولكن لمعناه ، قولهم : ( لا يكون الكلام يستحق أسم البلاغة حتى يُسَابِق معناه لفظه ، ولفظه معناه ، ولا يكون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه إلى قلبك ) = وقولهم : يدخل في الأذن بلا إذنٍ ) ، فهذا مما لا يَشكُ العاقل في أنه يرجع إلى دلالة المعنى على المعنى ، وضع له في اللغة . ذاك لأنه لا يخلو السامع من أن يكون عالماً باللغة وبمعاني الألفاظ التي يسمعها ، أو يكون جاهلاً بذلك . فإن كان عالماً لم يتصور أن يتفاوت حال الألفاظ معه ، جاهلاً كان ذلك في وصفه أبعد وجملة الأمر أنه إنما يتصور أن يكون لمعنى أسرع فهماً منه المعنى آخر ، إذا كان ذلك مما يُدرك بالفكر ، للكلام . وذلك محال فى دلالات الألفاظ اللغوية ، لأن طريق معرفتها التوقيف ، والتقدم بالتعريف. أبين إشارة ، حتى يُخَيَّل إليك أنك فهمته من حاق اللفظ ، فيه عليك ، وسرعة وصوله إليك ، لا أُمْتِعُ العُوذَ بِالفِصَالِ ، ومن ( الاستعارة » مثل قوله : وَصَدْرٍ أَرَاحَ الليلُ عَازِبَ هَمِّهِ ، ومن ( التمثيل » مثل قوله : لا أذُودُ الطَّيْرَ عَنْ شَجَرٍ قَدْ بَلَوْتُ المُرَّ مِنْ ثَمَرِهِ (۳) - ۳۱۲ وإن أردت أن تعرف ما حاله بالضد من هذا ، (٤) فكان منقوص القوة في تأدية ما أريد منه ، لأنه يعترضه ما يمنعه أن يقضي حق السفارة فيما بينك وبين معناك ، ويُوضح تمام الإيضاح عن مغزاك ، العباس بن الأحنف : سَأَطْلُبُ بُعْدَ الدَّارِ عَنْكُمْ لِتَقْرُبُوا وَتَسْكُبُ عَيْنَايَ الدُّمُوعَ لِتَجْمُدًا (٥) بدأ فدل بسكب الدموع على ما يوجبه الفراق من الحزن والكمد ، فأحسن وأصاب ، لأن من شأن البكاء أبداً أن يكون أمارة للحزن ، وأن يجعل دلالة عليه وكناية عنه ، كقولهم : ( أبكاني وأضحكني ) ، ثم ساق هذا القياس إلى نقيضه ، فالتمس أن يدل على ما يوجبه دوام التلاقى من السررو بقوله : ( لتجمدا ) ، وظن أن الجمود يبلغ له في إفادة المسرة والسلامة من الحزن ، ما بلغ سكب الدمع في الدلالة على الكآبة والوقوع في الحزن = ونظر إلى أن الجمود خُلُو العين من البكاء وانتفاء الدموع عنها ، وأنه إذا قال ( لتجمدا ) ، فكأنه قال : ( أحزن اليوم لثلاً أحزن غداً ، وتبكى عيناى جهدهما لئلا تبكيا أبداً ) / ، وغلط فيما ظن . وذاك أن الجمود هو أن لا تبكى العين ، مع أن الحال حال بكاء ، ومع أن العين يُراد منها أن تبكى ، ويُستراب في أن لا تبكى ، (۲) ولذلك لا ترى أحداً يذكر عينه بالجمود إلا وهو يشكوها ويذمها وينسبها إلى البخل ، صاحبها على ما به من الهم ، ألَا إِنَّ عَيْنَا لَمْ تَجُدْ يَوْمَ وَاسِطٍ عَلَيْكَ بِجَارِي دَمْعِهَا لَجَمُودُ فأتي بالجمود تأكيداً لنفى الجود ، ومحال أن يجعلها لا تجود بالبكاء وليس هناك التماس بكاء ، لأن الجود والبخل يتقضيان مطلوباً يبذل أو يُمنع ، ولو كان الجمود يصلح لأن يراد به السلامة من البكاء ، ويصح أن يُدلّ به على أن الحال حال مسرة وحبور ، لجاز أن يُدْعَى به للرجل فيقال : ( لا زالت عينك جامدة » ، كما يقال : ( لا أبكى الله عينك ) ، وذاك مما لا يُشَكُ في بطلانه وعلى ذلك قول أهل اللغة : ( عين / جَمُودٌ ، لا ماء فيها ، وسنةٌ جمادٌ ، لا مطر فيها ، وناقة جماد ، لا لبن فيها ) ، وكما لا تُجْعَل السنة والناقة جماداً إلا على معنى أن السنة بخيلة بالقطر ، والناقة لا تسخو بالدر ، كذلك حكم العين لا تُجْعَل ( جَمُوداً ) إلا وهناك ما يقتضى إرادة البكاء منها ، وما يجعلها إذا بكت محسنة موصوفة بأن قد جادت وسَخَتْ = وإذا لم تَبْكِ ، ٣١٣ - فإن قيل : إنه أراد أن يقول : ( إنى اليوم أتجرع غصص الفراق ، وأحمل نفسى على مره ، وأحتمل ما يُؤدِّيني إليه من حزن يفيض الدموع من عينى ويسكبها ، لكى أتسبب بذلك / إلى وصل يدوم ، ومسرة تتصل ، حتى لا أعرف بعد ذلك الحزن أصلاً ، ولا تعرف عينى البكاء ، وتصير في أن لا ترى باكيةً أبداً ، كالجمود التي لا يكون لها دمع » . (1) فإن ذلك لا يستقيم ولا يَسْتَتِبُّ ، لأنه يُوقعه في التناقض ، ويجعله كأنه قال : ( أحتمل البكاء لهذا الفراق عاجلاً ، لأصير في الآجل بدوام الوصل واتصال السرور فى صورة من يريد من عينه أن تبكى ثم لا تبكى ، لأنها خلقت جامدة لا ماء فيها » ، وذلك من التهافت والاضطراب بحيث لا تنجع الحيلة فيه . وجملة الأمر أنا لا نعلم أحداً جعل جمود العين دليل سرور وأمارة غبطة ، وكناية عن أن الحال حال فرح . فهذا مثال فيما هو بالضد مما شرطوا = من أن لا يكون لفظه أسبق إلى سمعك ، من معناه إلى قلبك = لأنك ترى اللفظ يصل إلى سمعك ، وتحتاج إلى أن تَخُبَّ وتُوضع في طلب المعنى . ويجرى لك هذا الشرح والتفسير فى ( النظم » كما جرى في ( اللفظ ) ، لأنه إذا كان النظم سويا ، والتأليف مستقيماً ، كان وصول المعنى إلى قلبك ، تلو وصول اللفظ إلى سمعك . وإذا كان على خلاف ما ينبغى ، وصل اللفظ إلى السمع ، وبقيت في المعنى تطلبه وتتعب فيه ، التعقيد الذي قالوا : « إِنَّهَ يَسْتهلك / المعنى ) . ٣١٤ - وأعلم أن لم تضيق العبارة ولم يقصر اللفظ ولم يتعلق الكلام في هذا الباب ، (1) إلا لأنه قد تناهى فى الغموض والخفاء إلى أقصى الغايات ، وأنك لا ترى أغرب مذهباً ، وأعجب طريقاً ، وأحرى بأن تضطرب فيه الآراء ، منه . وما قولك في شيء قد بلغ من أمره أن يُدعى على كبار العلماء / أنهم لم يعلموه ولم يفطنوا له ؟ فقد ترى أن البحترى قال حين سُئل عن مسلم وأبي نواس : أيهما أشعر ؟ فقال : أبو نواس . فقيل : فإن أبا العباس ثعلباً لا يوافقك على هذا . فقال : ليس هذا من شأن ثعلب وذويه من المتعاطين لعلم الشعر دون عمله ، إنما يعلم ذلك من دفع في مَسْلَكِ طَرِيق الشعر إلى مضايقه وأنتهى إلى ضروراته . ٣١٥ - ثُمَّ لم ينفك العالمون به والذين هم من أهله ، من دخول الشبهة فيه عليهم ، ومن اعتراض السهو والغلط لهم . روى عن الأصمعي أنه قال : كنت أشدو من أبى عمرو بن العلاء وخلف الأحمر ، (۲) وكان يأتيان بشارا فيسلمان عليه بغاية الإعظام ، ثم يقولان : يا أبا مُعَادٍ ، ما أحدثت ؟ فيخبرهما وينشدهما ، ويسألانه ويكتبان عنه متواضعين له ، حتى يأتي وقت الزوال ، ثم ينصرفان . وأتياه يوماً فقالا : ما هذه القصيدة التي أحدثتها في سلم بن قتيبة ؟ قال : هي التي بلغتكم . قالوا : بلغنا أنك أكثرت فيها من الغريب . قال : نعم ، بلغني أن سلم بن قتيبة يتباصُرُ بالغريب ، فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرف . قالوا : فأنشدناها يا أبا مُعَاذُ . بكرًا صَاحِبَى قَبْلَ الهجير إِنَّ ذَاكَ النَّجَاحَ فِي التَّبْكِيرِ النجاح في التبكير » : بكرا فَالنَّجَاحُ فِي التبكير . كان أحسن . فقال بشار : إنما بنيتها أعرابية وحشية فقلت : إن ذاك النجاح في التبكير ، كما يقول الأعراب البدويون ، ولو قلت : ( بكرا فالنجاح ) ، كان هذا من / كلام المُوَلَّدين ، ولا يشبه ذاك الكلام ، ولا يدخل في معنى القصيدة . قال : فقام خَلَفٌ فقبل بين عينيه ) ، (۱) فهل كان هذا القول من خلف والنَّقْدُ على بشار ، الجملة بما قبلها ٣١٦ - وأعلم أن من شأن ( إنَّ ( إذا جاءت على هذا الوجه ، أن تُغْنِي و إذ ، ، تغنى غناء الغاء ، ، في ربط غَنَاءَ ( الفاء ) العاطفة مثلاً ، وأن تفيد من ربط الجملة بما قبلها أمراً عجيباً . فأنت ترى الكلام بها مُسْتأنفاً غير مُستأنف ، ومقطوعاً موصولاً معاً . أفلا ترى أنك لو أسقطت ( إنَّ ) من قوله : ( إن ذاك النجاح في التبكير » ، لم تر الكلام يلتم ، ولرأيتَ الجملة الثانية لا تتصل بالأولى ولا تكون منها بسبيل ، حتى تجيء بالفاء فتقول : ( بَكرا صاحبى قبل الهجير ، فذاك النجاح في التبكير ) ، فَغَنَّهَا ، وَهْيَ لكَ الفِدَاءُ إِنَّ غِنَاءَ الإِبْلِ الحُدَاءُ (۲) فأنظر إلى قوله : ( إن غناء الإبل الحداء ) ، وإلى ملاءمته الكلام قبله ، وحسن تشبيه به ، وإلى حُسن تعطف الكلام الأول عليه . ثم أنظر إذا تركت إنّ ) فقلت : ( فغنّها وهى لك الفداء ، غناء الإبل الحداء » ، كيف تكون الصورة ؟ وكيف ينبو أحد الكلامين عن الآخر ؟ وكيف يُشيم هذا ويُعرق ذاك ؟ حتى لا تجد حيلة في ائتلافهما حتى تجتلب لهما « الفاء » فتقول : ( فغنّها وهي لك الفداء ، فغناء الإبل الحداء » ، ثم تَعْلَمُ أنْ ليست الألفة بينهما من جنس ما كان ، وأن قد ذهبت الأنسَةُ التي كُنت تجد ، والحُسْنُ الذي كنت ترى . 201 ۱۷۸ هِيَ البُرْءُ ، وَالأَسْقَامُ ، وَالهَمُّ ، والمُنَى ، وَمَوْتُ الهَوَى فِي القَلْبِ مِنِّي الْمُبَرِّحُ وَكَانَ الهَوَى بالنأي يُمْحَى فَيَمْحِى ، وَحُبُّكِ عِنْدِي يَسْتَجِدُّ وَيَرْبَحُ / إِذَا غَيْرَ النَّاسُ المُحِيِّينَ لَمْ يَكَدْ رَسِيسُ الهَوَى مِنْ حُبُّ مَيَّةَ يَبْرَحُ قال : فلما انتهى إلى هذا البيت ناداه ابن شُبْرُمَةَ : يَا غَيْلان ، أَرَاه قد برح ! قال : فَشَنق ناقته وجعل يتأخر بها ويُفكر ، (۱) هكذا هنا « عن عنبسة » ، وأرجح أنه خطأ ، ة عبد الصمد بن المعدل ، عن جده غيلان بن الحكم بن البختري بن المختار ، ، كما في المراجع التالية ، و الكناسة ) ، محلة بالكوفة ، كان الناس يجتمعون في سوقها . وشعر ذي الرمة في ديوانه ، الثاني : « وبعض الهوى بالهجر . ، وهى أجود . قال : فلما انصرفت حدثت أبى ، (۱) قال : أخطأ ابن شبرمة حين أنكر على ذي الرمة ما أنكر ، (۲) وأخطأ ذو الرمة حين غير شعره لقول ابن شبرمة ، يراها ) ( سورة النور : ١٤٠ ، وإنما هو : لم يرها ولم يكد . ۳۱۸ - وأعلم أنَّ سَبَب الشبهة فى ذلك أنه قد جرى في العرف أن يقال : « ما كاد يفعل » و « لم يكد يفعل ) في فعل قد فُعِلَ ، على معنى أنه لم يفعل إلا بعد الجهد ، وبعد أن كان بعيداً فى الظن أن يفعله ، ) فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ) ( سورة البقرة : (٧) ، فلما كان مجيء النفي في ( كاد ) على هذا السبيل ، توهم ابن شبرمة أنه إذا قال : ( لم يكد رسيس الهوى من حب مية يبرح ) فقد زعم : أن الهوى قد برح ، وليس الأمر كالذى ظناه ، فإن الذى يقتضيه اللفظ إذا قيل : « لم يكد يفعل » و « ما كاد يفعل ) ، أن يكون المراد أن الفعل لم يكن من أصله ، ولا قارب أن يكون ، ولا ظُنَّ أنه يكون . وكيف بالشك في ذلك ؟ وقد علمنا أن كاد » موضوع لأن يدل على شدة قرب الفعل من الوقوع ، وعلى أنه قد شارف / الوجود . وإذا كان كذلك ، كان محالاً أن يُوجب نفيه وجود الفعل ، لأنه يؤدى إلى أن يُوجِب نفى مقاربة الفعل الوجود وجوده ، (٤) وأن . ۳۱۹ - وإذ قد ثبت ذلك ، فمن سبيلك أن تنظر . فمتى لم يكن المعنى على أنه قد كانت هناك صورة تقتضى أن لا يكون الفعل ، وحال يبعد معها أن يكون ، ثُمَّ تغير الأمر ، كالذى تراه في قوله تعالى : ( فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ) ( سورة البقرة : (٧) ، / فليس إلا أن تلزم الظاهر ، وتجعل المعنى على أنك تزعم أن الفعل لم يقارب أن يكون ، فضلاً عن أن يكون فالمعنى إذَنْ في بيت ذي الرمة على أن الهوى من رسوخه في القلب ، وثبوته فيه وغلبته على طباعه ، بحيث لا يُتَوَهَّمُ عليه البراح ، وأن ذلك لا يقارب أن يكون ، فضلاً عن أن يكون ، كما تقول : ( إذا سلا المحبون وفتروا في محبتهم ، لم يقع لي في وهم ، ولم يجر منى على بال : أنه يجوز على ما يُشبه السلوة ، وما يعد فترة ، وينبغي أن تعلم أنهم إنما قالوا في التفسير : « لم يرها ولم يكد » ، فنفوا الرؤية ، ثم عطفوا « لم يكد ( عليه ، ههنا سبيل « ما كادوا » في قوله تعالى ( فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يفعلون ) ( سورة البقرة : ٧١ ) في أنه نَفْى مُعَقِّبٌ على إثبات ، كادت لا تكون ، ولكن / المعنى على أن رؤيتها لا تقارب أن تكون ،