برزت أهداف محددة لنشوء الدرس البلاغي عند العرب ، يمكن تلخيصها فيما يأتي : أولا : الهدف الديني : وهو خدمة القرآن الكريم للبرهنة على إعجازه و فهم آياته وأسلوبه لاستنباط الأحكام منه، فكانت البلاغة بفنونها وأقسامها السبيل إلى القرآن الكريم ، وقد كان الهدف الأول والأسمى من دراسة علوم البلاغة هو الوصول إلى معرفة إعجاز القرآن الكريم، فإن علوم العربية نشأت أساسا لتخدم هذا الكتاب المبين وتحفظه من التحريف، وتظهر فضله على أي كلام آخر ، وفي هذا يقول أبو هلال العسكري: " وقد علمنا أن الإنسان إذا اغفل علم العربية وأخل بمعرفة الفصاحة لم يقع علمه بإعجاز القرآن من جهة ما خصه الله به من حسن التأليف وبراعة التركيب، وما شحنه من الإيجاز البديع والاختصار اللطيف، وضمنه من الحلاوة، وجلله من رونق الطلاوة مع سهولة كلمه وجزالتها وعذوبتها وسلاستها إلى غير ذلك من محاسنه التي عجز الخلق عنها وتحيرت عقولهم فيها، وإنما يعرف إعجازه من جهة عجز العرب عنه وقصورهم عن بلوغ غايته في حسنه و براعته وسلاسته ونصاعته، وكمال معانيه وصفاء ألفاظه، وقبيح بالعربي الصليب وبالقرشي الصريح ألا يعرف إعجاز كتاب الله تعالى إلا من الجهة التي يعرفه منها الزنجي والنبطي، 1 - الكشاف الزمخشري ، ص 23. 2 - صبح الأعشى في صناعة الإنشاء أحمد بن علي القلقشندي، دار الكتب المصرية ، القاهرة، مصر، 1922م، دط ، ج 1، إحدى السبل التي توصل إلى هذه الغاية وتخدمها . يستدل عليه بما استدل به الجاهل الغبي، فينبغي من هذه الجهة أن يقدم اقتباس هذا العلم على سائر العلوم بعد توحيد الله تعالى ، فبدراسة الأسباب التي تكون الجملة بها بليغة، وبدراسة أنواع الأساليب الموجز منها والمطنب، وبدراسة أبواب التشبيه والاستعارة والكناية، وأبواب البديع وغير ذلك من الوجوه والألوان البلاغية؛ القرآني إلى مستوى الإعجاز. ثانيا : الهدف التعليمي : " وهو تعليم الناشئة اللغة العربية ، ومعرفة أساليبها بعد أن اتصل العرب بأشقي ، وأدى ذلك الاتصال إلى فساد اللغة ودخول اللحن فيها . يضاف إلى ذلك أن كثيراً من المسلمين كانوا بحاجة إلى تعلم العربية وبلاغتها ليفهموا القرآن الكري ليعيشوا في ظل دولة لغتها العربية ، الناشئ في بيئة امتزجت فيها اللغات بلغته ويصبح قادراً قادرا على التعبير الحسن والنظم الرائق وإنشاء الرسائل، يتعلم المسلم لغة دينه ولغة الدولة التي يعيش في ظلها ، ولكي يصل الناس أرقى المناصب وأعلى الرتب كان عليهم جميعاً أن يتقنوا العربية ، ولا يتم ذلك الإتقان إلا بمعرفة ألفاظها وتراكيبها ومعانيها وأساليبها، ثالثا : الهدف النقدي : وهو تمييز الكلام الحسن من الرديء والموازنة بين القصائد والخطب والرسائل ، والبلاغة تعين الناقد كثيرا الأطلقد م له الآلة التي تعينه على الفهم والحكم ، ولذلك نجد القدماء ي عنون عناية كبيرة بها ، وولفون الكتب فيها (3