تأثرت بها الآداب الأوروبية فقال : ( فلتبلوا دائما العقل، ولتستمد منه وحده مؤلفاتكم كل ما لها من رونق وقيمة . وهكذا نجد العقل ماثلا حتى في أقوى ما خلفه لنا الأدب الكلاسيكي من وصف للعاطفة حين تبلغ أقصى حالات شبوبها على أن الكلاسيكيين طالما حذروا من العواطف مثار الشرور والأهواء، وطريق الخيال الجامح والخيال هو الجانب الخادع في النفس الذي يقود إلى الخطأ والزلل أين هذا من الأدب الرومنطيقي الذي يجحد سلطان العقل، ويُسلم القياد إلى القلب الذي هو منبع الإلهام والهادي الذي لا يُخطى ، استمع إلى الفريد دي موسيه Alfred de Musset يقول معارضا بوالو، فيما سبق أن ذكرنا له من شعر: «أول مسألة لي هي ألا ألقي بالاً إلى العقل » وينصح صديقا له أن « اقرع باب القلب ففيه وحده العبقرية، وفيه الرحمة والعذاب والحب، وفيه صخرة صحراء الحياة حيث تنبجس أمواج الألحان يوما ما إذا مستها عصى موسى . أما العقل فقد سبق أن هجاه أحد الشعراء بأنه ( منبع الأخطاء الذي لا يغيض والسم الذي يُفسد مشاعرنا نحو الطبيعة، ويقتل الحقيقة التي منبعها القلب . قد يُعجب بك الناس ولكن قلما يُحبونك، إذ لا يُؤثر فينا إلا ما يوحى به القلب ». وإذا كان الأدب الكلاسيكي عقليا فمن الطبيعي أن ينصرف إلى البحث عن الحقيقة في معناها العام الذي يتعرف عليه الناس جميعا في ذلك العهد ويؤمنون به متجنّبا متاهات المشاعر الفردية والأخيلة الجامحة التي تقود إلى الخروج عن المألوف، إذ عندهم أن « العقل الكامل يأبى كل تطرف. ولا مكان فيه للحالات الشاذة و لا للغايات غير المعقولة. فكان على الكاتب الكلاسيكي أن يؤمن بما قاله بوالو : « لا شيء أجمل من الحقيقة، حتى في الخرافات حيث لا يقصد بما في الخيال من براعة إلا إجلاء الحقيقة أمام العيون. وقد ثار الرومنطيقيون على ما جعله الكلاسيكيون غايتهم من البحث عن الحقيقة (. إذ الرومنطيقيون رائدهم القلب، وغايتهم البحث عن مواطن الجمال والجمال وحده عندهم مرآة الحقيقة التي ينشدون. يقول الفريد دي موسيه معارضا بوالو في مبدئه السابق الذكر : لا حقيقة سوى الجمال، » فكل كاتب رو منطيقي وعواطفه وما يهديه قلبه إليه من مشاعر وخواطر ، لا تقيده حقائق الكلاسيكيين وما تواضعوا عليه من تقاليد. ولذا يتغنّى الرومنطيقيون هياما بجمال النفوس عظيمة كانت أم وضيعة. وتأخذهم الرحمة بالجنس البشري كله، فتفيض عيونهم بالدموع لضحايا المجتمع منادين بإنصافهم، مهاجمين ما استقر في المجتمع من قواعد، ومشيدين بالحياة الوديعة الجميلة في الطبقات البسيطة التي تحظى بما لا يحظى به ذوو الجاه من الطبقات الأرستقراطية . فالرومنطيقيون في أدبهم لا ينشدون الحقيقة التي تواضع عليها الناس وأقرها المنطق السائد، ومهما تكن من صلة بين أدبهم والحياة الواقعية فهي صلة الحالم المتحرر من حقائق المجتمع،