تُنهي هذه السورة الكريمة خطابها بنداءٍ يُوجه إلى المؤمنين، تدعوهم فيه إلى الاستمرار في طاعة الله تعالى، وتحذرهم من أي شيء قد يصرفهم عن ذلك. تُحثهم على الإنفاق في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى، وتقديم العمل الصالح الذي ينفعهم قبل فوات الأوان. تقول الآيات الكريمة: (يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ...). يهدف هذا النداء إلى منع المؤمنين من التشبه بالمنافقين الذين تم الحديث عنهم بشكل مفصل، وحثهم على الاستجابة لما كلفهم الله تعالى به. بمعنى: يا من آمنتم بالله تعالى إيمانا حقا، (لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ الله) أي لا تشغلكم أموالكم التي تهتمون بجمعها وتحصيلها... ولا أولادكم الذين هم أشهى ثمرات حياتكم... لا يشغلكم ذلك عن أداء ما كلفكم سبحانه بأدائه من طاعات، فالمقصود بذرك الله ما يشمل جميع التكاليف من صلاة وزكاة وصيام وحج، وغير ذلك من الطاعات التي أمر الله تعالى بها. تم التركيز على الأموال والأولاد بتوجيه النهي عن الاشتغال بهما اشتغالا يلهى عن ذكر الله، لأنهما أكثر الأشياء التي تلهي عن طاعة الله تعالى... فمن أجل الاشتغال بجمع المال، يُقضي الإنسان معظم حياته، وكثير من الناس من أجل جمع المال، يضحون بما يفرضه عليهم دينهم من واجبات، ومن أخلاق، ومن سلوك وآداب... ومن أجل راحة الأولاد قد يضحى الآباء براحتهم، وبما تقضى به المروءة، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: "الولد مجبنة مبخلة". التعبير بقوله تعالى: (لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ الله) يُشعر بأن المسلم إذا اشتغل بجمع المال، وبرعاية الأولاد، دون أن يصرفه ذلك عن طاعة الله، أو عن أداء حق من حقوقه تعالى، فإن هذا الاشتغال لا يكون مذموما، بل يكون مرضيا عنه من الله تعالى. اسم الإشارة في قوله تعالى: (وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فأولئك هُمُ الخاسرون) يعود إلى ما سبق ذكره من اللهو عن ذكر الله، بسبب الأموال والأولاد. أي: ومن يشغله حبه لماله وأولاده عن ذكر الله، وعن أداء ما كلفه سبحانه به، فأولئك هم البالغون أقصى درجات الخسرات والغفلة، لأنهم خالفوا ما أمرهم به ربهم، وآثروا ما ينفعهم في عاجلتهم الفانية، على ما ينفعهم في آجلتهم الباقية.