سنخصص درس اليوم لتاريخ وهوية المطبخ المغربي. لنتعرف على روافده الثقافية وتاريخه العميق وامتداداته المجالية والاجتماعية، والتي جعلت منه تراثا لاماديا متنوعا وغنيًا بالدلالات والرموز. كثيرا ما يتردد في الأدبيات الأنثروبولوجية بأن المرور إلى ثقافة مجتمع من المجتمعات يكون عبر المطبخ واستراتيجية الغذاء. فمن خلال طرق إعداد الطعام وتقديمه وتدبيره ينكتب تاريخ طويل من التصورات التي تعكس الهوية والممارسات والعلاقات والانتماء، وتحدد العناصر التي ساهمت في تشكيل وبناء الثقافة المطبخية لهذا المجتمع أو ذاك. إن الهوية المغربية تتميز بالتنوع والقدرة على استيعاب مكونات ثقافية واجتماعية وإثنية ودينية في إطار جمعي واحد مبني على الانسجام والقدرة العالية على تدبير العيش المشترك. وعليه فإن فنون الطبخ وآداب المائدة بالمغرب لن تكون إلا تعبيرا ثقافيا عن تنوعنا وذكائنا الجمعي الممتد عبر العصور ، فالأطعمة والأشربة المغربية ما هي إلا محصلة نهائية لمجمل التفاعل والتعايش والتلاقح الثقافي والديني والإثني الذي عرف المغرب منذ عصور فعندما نتأمل أطباقنا وما يتصل بها سنكتشف حتما أساسيات الهوية المغربية المتوزعة على المكون العربي الإسلامي والمكون الأمازيغي والمكون الصحراوي الحساني فضلا عن روافدها الأفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية. ففي كل طبق هناك تاريخ لا نهائي من قيم الضيافة والكرم واحتمالات التفاعل الحضاري سواء تعلق الأمر بالطنجية المراكشية أو الطاجين الأمازيغي أو الخليع الفاسي أو الشاي الصحراوي. يمكن القول بأن ثراء وتنوع المطبخ المغربي يظهر بصفة خاصة في الأذواق والتقاليد المرتبطة بفنون وتقنيات الطبخ، والتي تعتمد على مجموعة من المكونات الأساسية مثل التوابل والخلطات المغربية كراس الحانوت والأعشاب ، والزيتون والزيوت بكافة أنواعها واللحوم، والتي تحدد هوية المطبخ المغربي. كما يمكن القول أن تنوع المائدة المغربية عائد أيضا إلى التفاعل الحضاري الذي أنتج الموقع الجغرافي والعلاقات التجارية والحركات الهجروية عبر التاريخ. فقد عملت هذه المؤثرات على تنويع وتغيير فن الطبخ المغربي وإغنائه بالمزيد من الوصفات والأطباق ، عرف المغرب تاريخيا بأنه أرض حوار الأديان والثقافات، فقد كان وما يزال بلدا الديناميات الهجروية ، ما أثر ويؤثر باستمرار في صياغة التراث المطبخي ويجعله حوارا ثقافيا بين شتى الثقافات العالمية، وذلك في مستوى إدماج المالح مع الحلو واستعمال التوابل وإبداع الوصفات والأطباق ، واستهلاك الطعام وإعداده وتخزينه، ففي كل هذه الممارسات نعاين تاريخا من العلاقات والتلاقحات بين المغرب وجيرانه، ما يؤكد انفتاح الأمة المغربية وانتصارها لهوية استيعابية حاضنة للتنوع والاختلاف. على مر التاريخ تمكن المغاربة من إبداع ثقافة مطبخية قائمة على الاجتماع والاحتفال وذكاء التدبير، فالأطباق تؤكل جماعة وفق طقوس ورمزيّات احتفالية عنوانها الكرم وتمتين الروابط الاجتماعية عبر الطعام، وهو ما جعل المطبخ المغربي متميزا بالتنوع والعمق التاريخي، فالأطعمة والأشربة عصية على تحديد واكتشاف أصلها الجينالوجي، منها ما يمتد إلى عهد المماليك الأمازيغية ومنها ما يتصل بالأثر الفينيقي والامتداد الروماني ومنها ما يتصل بالحضور العربي الإسلامي وممكنات التفاعل الأفريقي الأندلسي العبري المتوسطي، فضلا عن آثار التلاقح الطعامي التي تتواصل اليوم عن طريق الوسائط الإعلامية وتفاعلات العولمة. ثمّة قاعدة دالة في الدراسة الأنثروبولوجيي للطعام يمكن تلخيصها في الآتي: ليس المهم ما نأكل وإنما كيف نأكل ومع من نأكل. فالنشاط الأكثر تكرارية في الحياة الإنسانية هو الأكل، إنه يخضع لترتيب زماني واجتماعي مضبوط بإيقاع ساعاتنا البيولوجية والمجتمعية. فالطعام منتوج ثقافي خالص به ومن خلاله نعلن عن انتماءاتنا التراتبية وانحداراتنا الاجتماعية بل وحتى عن مواقفنا واختياراتنا العقائدية والمذهبية والسياسية. وعليه فالمطبخ المغربي بتنوعه وثرائه الثقافي هو تاريخ هذا المغرب المتعدد الروافد والانتماءات، وهو الشاهد الدال والقوي على هويته المتميزة والغنية التي جعلت من المغرب بلدا التواصل والتلاقح الحضاري بامتياز.