بعضُكم وُلِدَ في الحرب وبعضُكم نشأ في الحرب . الطبيعة الخلابة التي هو عليها مِنْ صُنْعِ الله وشَوَّهناها ولَوَّثْناها . هي بين أيديكم مثل التاريخ والدولة والطبائع والأخلاق . كل شيء في عهدتكم لتستعيدوا جماله بعد أن تكونوا قد آمنتُم أَنَّ الإنسان يستطيع الكثير . أنا لا أستهين بوطأة الزمانِ الرديء وتَرَدّي أوضاع تُحيط بنا ولا نقدرُ وحدنا أن نرفعها عن كاهلنا وأعرف كم تقسو سياسةٌ لا أحد منكم صانِعُها . غير أنّي مُوْقِنٌ أَنّ مسؤولية التغيير في أعناقكم اذا آمنتم بقدرتكم على نقل الجبال وتبديل ما لم نستطع نحن تبديله إيماننا هذا بكم مُرتبط بإيمانكم أن أعظم الأشياء في العالم تتم في الفكر وفي القلب وأنَّ السياسة تأتي تعبيرا عن اهتداء القلوب . لعلَّ خطيئةَ مَن سَقَكُمُ اعتقاده أنَّ السياسة قائمة بنفْسِها وأَنَّ الخير يأتي منها مباشرةً ولم يفهم أنها تأتي هي من الخير . لعل كثيرًا من الخطأ جاءَ من كَون بعضهم ظَنَّ أَنَّه يقدر أن يرمي نفسه في الوَحَلِ ويعمل سياسة جيّدَةً كأنَّ الدولة شيءٌ مُلْقَى خارج النفس الطاهرَةِ . لذلِكَ أَقْبَلُ تَمَرُّدَكم على الجيل السابق ، أظنُّ أنَّ شيوخ هذا البلدِ لم يؤمنوا بالوطن وإلا لما تركوه تائها ولكن دعوا الآنَ الأسلاف لتنطلقوا مِنَ الجِدّةِ، مِنَ الفجرِ عندما يشق الفجر الليل يولد اللامنتظَرُ . قد نكون زرعنا في نفوسكم عثماتٍ . انفُضُوا إِذًا عَنْكُمُ الظلام لئلا تُقَلّدوا الأسلاف في خطيئاتهم ، أرجو أن يتفجر الضياءُ في نفوسكم . ولكن هذا يتطلبُ نُسْكًا شديدًا ، حياةً صارمةً فيها وحدَها تَعقِدونَ مَواعِدَ مَعَ الحقيقةِ . الشبيةُ متطلبة جدًّا ، كونوا على ذلك . ولكن لن تصير وا مُبدِعينَ إن لم تتطلبوا الكثير من أنفسكم لأنها هي المحتاجة إلى الانبعاث. هذا يعني مراسًا شرسًا للاستقامة والمجانية والخدمَةِ وكلُّ هذا يلخصه التطهرُ من حب لا تُغويكم وصولية اللبنانيين الذينَ بنَوا مجدَهم على اشتهاء هذهِ الدنيا وبَدَوا ناجحين . أنا لا أدعوكم إلى احتقار من طفا على سطح الوجودِ المجتمعى فإن الخاطئ يحتاج إلى حنان ليشفى . ولكنّي أدعوكم إلى شق طريق آخر ، طريق الإبداع مِنَ المعرفَةِ لأنَّ فيها فرحًا لا يفوقُه إِلا فَرَحُ التقوى وما أحلاهما لو اجتمعا . فأحبيتم لبنان على نفوسكم فسيظهرُ وطنًا مُتَجدّدًا لا يقدرُ أَحدٌ أن يمحوه بعد أن تكونوا قد أقمْتُموه على الجد . هذا يتطلب منكم - إلى جانب الصحوة الروحية الكبرى ـ أن تعرفوا كثيرا ، أن تقرأوا كثيرًا فلا يسحرُكم شيءٌ زائِلٌ ولا تَأْسِرُكم لذةٌ عابرة .والدراسة تقوم على أُمهات الكتب والتأمل الفكري المُضني وتحصيل اللغات . أنا أعرف ما في سوق العمل من صعوبة ولهذا ستتعبون ولكن لا بد من أن تنفرج أزماتنا لأننا أبناء الرجاء . المهم في كل ذلك الا تنهزموا أمام الشدائد ولا تكرهوا مَن تَرَكَ لكُمُ البلد هزيلاً . الكراهية تؤذيكم إذ ليس فيها خَلْق . القلوب الكبيرة وحدَها تَصنعُ التاريخ . تآزروا وألّفوا ندوات للبحث ومواجهةِ المُعضلاتِ حيثما حللتم . ربّما ذلَّلْتُم مَصاعِبَ على مستوى المدينةِ أو القرية وإن لم تُفلحوا فعلى مستوى الحي . خوضوا معارك لا تنتهي ضدَّ التقوقع والأنانية حتّى تتجردوا للحق ولا يغشكم الظاهر ولا تحسدوا المُستكبر الأجوف. كونوا مليئينَ مِنَ الوجودِ الحقِّ ، لا تخافوا أحدًا لأنَّ أحدًا لا يستطيعُ أن يَحْدُرَكم إلى الحزن . لا تفتشوا أن تُبرِّروا أنفسكم وأن تتقووا بما ليس غنى النفس . بدّدوا على الناس جميعًا الحُسْنَ الذي تجمَّلَتْ به نفوسكم لأنَّ الناسَ فقراء إلى ما يُحييهم حقا . اقبلوا العاطفة بشكرٍ فالمحبوبية كنز لا يعوّضه شيءٌ . لا تقارنوا أنفسَكم بالآخرين لأنَّ الحَسَدَ بغيض . اعترفوا دائما بمواهب الآخرين وشجعوهم عليها بلا تَمَلُّق، فاللهُ يوزّعُ خيراتِهِ على مَنْ يَشَاءُ . اشكروا له ما أعطاكم وَما أَعطى الآخرين بالقوةةِ الواحِدَةِ فَهوَ حُرٌّ في ما أعطى وحُرِّ في ما حَرَمَ . وما تَرَوْنه جليلاً وطاهرًا وطيِّبًا فاطلبوه لأنفسكم وللآخرين لأنَّ الله يُسَرُّ بخلائقِه جميعًا ويتمجد بهم جميعًا .كونوا فقراء إلى الحق فقط وإلى العدل وإلى الحب ، هكذا فقط تسيرون بلا خوف وهكذا يضيء نورُكم قدّام جميع الناس . انسوا الفساد الذي لم نهتم نحن لاستئصاله لأننا خشينا بعضنا بعضًا وخشينا أن تُكال لنا التهم وأن تتهاوى أصنامنا. لا تعيشوا أشباحا كما عاش الذين أحبوا بلاغة الكذب و آروا اهتراء البلدِ ِليَسْلَموا هم في خداع أنفسهم . كل شيء يمكن أن يُصبح لكم جديدًا . «فالنور في الظلمة يضيء» . اسكنوا الفجر عندَ كلِّ صباح وأقيموا فوق ولو سارَتْ أقدامكم على التراب . اغفِروا لنا دوما واغفروا كثيرًا عَلَّنا نصيرُ إلى فتوّة الروح التي فقدناها . فالغبارُ الذي تمسُّه أقدامكم لن يطلع إليكم إذا كانت عيونكم شاخصةً إلى فوق حيث لا بشاعةَ . الضياءُ الذي تُبصرونَ يَنزِلُ على عقولكم وَهَجًا وبين أيديكم عملاً وتَسلكون إلى السلامة . منكم أنتم يا شُبّانَ بلدي وشاباتِه سَيَطْلُعُ لنا لبنان جديدٌ . وإذا اقتربَ أجَلْنا نفرح أنَّكم تُكْمِلون أنتم الرسالة التي أهملناها . إذا قرَّرْتُم هذا نكون نحنُ قد رقدْنا في سلام الرب .