أولاً: مفهوم الحضارة والمصطلحات المتصلة بها الحضارة في أصلها اللغوي مشتقة من الحَضَر، ومن هذا المعنى اللغوي تطوّر المفهوم الاصطلاحي ليدلّ على ما يبلغه المجتمع من رقيٍّ في أساليب الحياة وأدواتها ونظمها. وهي ثمرة التعاون الإنساني كلّه عبر الأجيال المتعاقبة. وقد تعدّدت تعريفات الباحثين للحضارة بتعدّد زوايا نظرهم؛ فمنهم من غلّب فيها الجانب المادي الأخلاقي والروحي والقيمي، الحقّة هي التي توازن بين الجانب المادي والجانب المعنوي في وحدةٍ لا تنفصم، فلا تكون عمراناً بلا قيمٍ وقد عرّفها بعض المؤرّخين بأنها جملة المظاهر العقلية والخُلقية والفنية والمادية التي تميّز جماعة من الجماعات أو طوراً من أطوار التاريخ. ويُميّز الباحثون بين الحضارة وثلاثة مفاهيم قريبة منها كثيرا ما تختلط بها؛ المعنوي للحضارة المتمثل في القيم والمبادئ والأخلاق والإبداع الفكري والفنّي، المادي العمراني والتقني من مبانٍ وأدواتٍ ومرافق ووسائل، أمّا الحضارة فهي المفهوم الجامع الذي يضمّ وأهمية هذا التمييز أنه يحول دون اختزال الحضارة في مظاهرها المادية فكم من أممٍ بلغت شأواً عالياً في العمران والتقنية ولم ترتقِ في القيم والأخلاق، وكم من أممٍ امتلكت رصيداً قيميّاً عظيماً وقصُرت بها أسباب المدنية المادية. والحضارة الكاملة هي التي توازن بين الأمرين فتجعل المادة في خدمة القيمة، وبناءً على ما تقدّم تعُرَّف الحضارة الإسلامية بأنها ما حقّقه المسلمون من تقدّم وتطوّر ونموٍّ في جميع وهي بهذا المعنى ليست حضارةً عرقية تخصّ العرب وحدهم، اندمجت في صناعتها أمم العرب والفرس والترك والبربر والهنود وغيرهم، إذ نُسبت إلى الدين الذي وحّد بين أبنائها على اختلاف أعراقهم فصارت حضارةً عالمية الأفق إنسانية المضمون. ثانياً: نشأة الحضارة الإسلامية ومراحلها بدأت الحضارة الإسلامية بنزول الوحي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم في مكة المكرّمة، تأسّست القاعدة العقدية والأخلاقية للمجتمع الجديد، وتشكّلت النواة الأولى من المؤمنين الذين حملوا قيم وغرس العقيدة الصافية وربط القلوب بالله، فكانت مرحلة تأسيسٍ للقاعدة الروحية والقيمية التي سيقوم عليها البناء الحضاري كلّه. ثم انتقلت الحضارة إلى مرحلة بناء الدولة في المدينة المنوّرة بعد الهجرة النبوية، سياسية إسلامية على أساس الوثيقة )الصحيفة( التي نظّمت العلاقة بين مكوّنات المجتمع من المهاجرين فكانت أوّل دستورٍ مكتوب ينظّم حياة جماعةٍ متعدّدة الأديان والأعراق على أساس وفي المدينة بُني المسجد ليكون مركز الحياة، الاجتماعية والاقتصادية، فتحوّل الإسلام من دعوةٍ إلى دولةٍ ذات وامتدّ نفوذها إلى العراق والشام ومصر الحضارة الإسلامية الجديدة تتشكّل من هذا التلاقي بين أصالة الدين الوافد وموروث الأمم المفتوحة. العمران من الأندلس غرباً إلى حدود الصين شرقاً. وقد تواصل العطاء الحضاري بعد ذلك في دولٍ فلم يكن تاريخ الحضارة الإسلامية خطّاً واحداً ينتهي بسقوط دولةٍ بعينها، تتميّز الحضارة الإسلامية بجملة خصائص تمنحها هويّتها الخاصة بين حضارات العالم وتفسّر قدرتها فلا تنفصل عندها المعرفة عن القيمة، الربّاني هو الذي صبغ الحضارة الإسلامية بصبغةٍ أخلاقية ثابتة لم تتغيّر بتغيّر الزمان والمكان. وثاني خصائصها أنها حضارة إنسانية عالمية، فكان من أعلامها في العلم والفكر من ليسوا من العرب نسباً كالبخاري وسيبويه والفارابي والبيروني فلم تَدْعُ إلى رهبانيةٍ تنقطع عن الحياة وتزهد في عمارتها، بل جمعت بين الأمرين في اعتدالٍ هو سرّ قوّتها. ورابع هذه الخصائص أنها حضارة أخلاقية، وهو توازنٌ دقيق بين الأصالة والمعاصرة قلّ أن تحقّقه الحضارات. الخصائص مجتمعة تفسّر لماذا استطاعت الحضارة الإسلامية أن تستوعب شعوباً متباينة وتصهرها في وحدةٍ حضارية واحدة حافظت على تنوّعها في إطار وحدتها. رابعاً: علاقة الحضارة الإسلامية بالحضارات السابقة