تُعدّ البيوت الطينية، والدكاكين الصغيرة، والدواعيس، والبرايح، والمساجد، والأسياف، والبحور، جميعها عناصر تشكّل هوية الفريج (الحي) في البحرين، وهي حالة اجتماعية لا تزال قائمة في الكثير من مناطق البحرين، بما فيها العاصمة المنامة والمحرق. وقد أصبح البناء المعماري القديم مكانًا جاذبًا للمواطنين والسياح والزوار، فمتعة التجول في الطرقات والدواعيس والسكيك القديمة لها متعة خاصة قد تفوق متعة الذهاب إلى المجمعات الحديثة، ففي تلك الطرقات عبق الماضي والذكريات والمواويل البحرية والزمن الجميل حيث تنبعث رائحة الطين والأخشاب التي كانت موادًا أساسية للبناء في ذلك العصر، وتعكس ثقافة الفرجان القديمة وأهاليها، ولا شك أنها انعكاس للتراث المعماري القديم الذي احتضن حضارات وثقافات متتالية.  مع نهاية العام الميلادي 2023 واستقبال آخر كانت لنا جولة في ربوع البحرين للمشاركة في الأعياد الوطنية، ومن أبرز الأماكن الجاذبة للسياح كانت القرية التراثية بمنطقة رأس حيان، القرية التي أصبحت اليوم مركزًا ثقافيًا جميلاً يتحدث عن حقبة الغوص واللؤلؤ، وفعلاً تحولت مركزًا جاذبًا للسياح والمقيمين. لقد اختير مكان إقامة القرية التراثية بعناية فائقة في منطقة ساحلية جميلة، وتم تصميمها بشكل يحاكي ذلك الزمن، ويعكس صورة المجتمع البحريني في فترة ما قبل اكتشاف النفط بالعام 1932، وقد تضافرت الجهود الرسمية والأهلية لإبراز جماليات المكان والزمان، والأجمل هو تفاعل الأسر البحرينية وتواجدها بشكل كبير، فجاءت القرية التراثية على ساحل البحر الساحر لتحتضن أبناء البحرين. والزائر للقرية التراثية يدهش من أول وهلة لجمال المكان الذي يحكي قصة كفاح المجتمع البحريني، فالأبنية الموجودة بالقرية التراثية لها بعدها التاريخي مثل مدرسة الهداية الخليفية وباب البحرين والبريد وقصر القضيبية وغيرها مما تحاكي الزمن الجميل، وتأسرك الأضواء والأنوار بالمكان في فترة المساء، بالإضافة إلى البرايح والساحات، والأجمل هو الأكل البحريني القديم، وأنواع الشاي والقهوة وغيرها، وهي مأكولات بحرينية قديمة، وقد استمتعنا بمشروبات قهوة بوخلف وكأننا في فترة العشرينيات من القرن الماضي. مع وجود الأبنية القديمة على صورتها الحقيقية في مناطق مختلفة من البحرين إلا أن القرية التراثية استطاعت ان تستحضر تلك الصور ببناء طبق الأصل، وأن تحافظ على الهوية الوطنية من خلال المحافظة على التراث والعادات والملابس القديمة، وتم ترجمتها في القرية حتى أصبحت مركز استقطاب تجاري وسياحي وثقافي، وتم استثمارها في المناسبات الوطنية بشكل جيد. القرية التراثية بمنطقة رأس حيان جاءت بتوجيهات جلالة الملك المعظم حمد بن عيسى آل خليفة، وذلك للحفاظ على الموروث الشعبي القديم، وقد تم الانتهاء من بناء القرية في أقل من 180 يومًا، وهو انجاز كبير ضمن رؤية البحرين الاقتصادية 2030، لقد تم استغلال القرية التراثية للحفلات والفعاليات والأعياد الوطنية، وتم تصوير الكثير من المسلسلات الخليجية. وهمسة للمسؤولين عن قطاع الثقافة والسياحة والإعلام بعد تقديم آيات الشكر والتقدير لهم، أن تكون القرية التراثية مفتوحة في الإجازات الأسبوعية والأعياد الوطنية، وأن تنظم فيها الفعاليات الترفيهية، وهذا ما لمسناه من المتواجدين بالمكان، لقد أعدتم لنا الحياة بإعادة ذكريات أيام زمان.