المقياس القيمي للتحضر : إذا كان التحضر كما بينا آنفاً يعني حياة مستقرة تثمر منجزات مادية ومعنوية، على معنى أنه أينما كان تحضر كان الخير والصلاح لأهله المتحقق فيهم بل وللإنسانية جميعاً، وربما كان هذا المعنى القيمي للحضارة هو السائد اليوم بين الناس، وبما أصاب الشعوب المتخلفة من انبهار بها، وافتتان بمنجزاتها فأشريت كلمة الحضارة - منطبقة على الحضارة السائدة اليوم - معنى قيماً بالترويج من جهة والانبهار من جهة أخرى، ثم سحب هذا المعنى على لفظ الحضارة في مدلوله العام بما في ذلك إطلاقه التاريخي على الحضارات البائدة . ومن ثم فإن التحضر من حيث ذاته قد يكون محققاً للسعادة فيكون خيراً وصلاحاً، وقد لا يكون محققاً لها فلا يكون كذلك، وأنها مؤذنة بفساده، بل نقول إن الأخلاق الحاصلة من الحضارة والترف هي عين الفساد (2)، فهل يكون ابن خلدون بكلامه هذا ضمن الحضارة معنى فيمياً، وأن الطور الأخير من التحضر يرافقه الترف فيكون ذلك مؤذناً بزوال الدولة، فكأنه بذلك يشير إلى انحراف التحضر وليس إلى التحضر في ذاته، بل القيمة تستمد مما يوفره من الأمن والطمأنينة، فإذا لم يوفر ذلك فإن البداوة إذا ما توفرت عليه تكون أعلى قيمة من التحضر . ويقع في كثير من الأذهان أيضاً أن المقياس القيمي في التحضر هو التقدم المادي، على معنى أن الحضارة تكون راقية بحسب ما تتوفر عليه من منجزات مادية ينبسط بها العيش وتتيسر بها الحياة في المأكل والمشرب والملبس والمركب والمسكن. ويسرت بذلك المطالب المادية للناس، فتكون من الانبهار بها ما جعل بعض الناس يحصرون معنى التحضر فيها، فأصبح الإنجاز المادي عنواناً للتحضر مطلقاً. ولغير ذلك من ألوان الشقاء، والحال أنها شيدت على أكتاف العبيد المضطهدين الذين سحق منهم الآلاف تحت الأحجار وأسواط الجلادين في سبيل إشباع أبهة الفراعنة؟ وكذلك هل تعتبر عمارة عظيمة البناء فخمة الطراز مقياساً قيمياً لتحضر مجتمع ما إذا كانت قد شيدت بقصد أن تكون سجناً يُحبس فيه الأحرار، وأن المقياس الحقيقي في ذلك إنما هو ما يتحقق للناس من الأمن والاطمئنان والتآخي والتعاون، . والقيمية فيه إنما تستمد من تحقيقه للأمن والخير والتعاون لا من مجرد ترقي منجزاته المادية. وهذا المفهوم القيمي بدأ يستقر عند نقاد الحضارة الغربية من أهلها أنفسهم حيث وجد العنصر الأخلاقي طريقاً ليكون المقياس الحقيقي للتحضر، وعلى الطبيعة الإنسانية بحيث يصبح الأفراد والجماهير على السواء يجعلون إرادتهم موجهة للخير المادي والروحي للكل وللأفراد الذين يتكون منهم الكل (1).