كان مجتمع شبه الجزيرة العربية مجتمعا قبليا، ينقسم إلى: عرب وهم سكان المدن والمراكز الحضرية (أهل المدر) أي أصحاب البيوت المبنية، فكان العربي يغضب إذا قيل له يا أعرابي والعكس صحيح. كان أهل هذه القبائل ميالين إلى حمل السيف وخوض الحروب معتقدين أن الفلاحة والصناعة من اختصاص العبيد، علما أن القبيلة الواحدة لم تكن نسيجا اجتماعيا منسجما، حيث انقسمت القبيلة إلى طبقات متباينة هي: وعليهم يكون الثقل الأكبر في الحروب ومواجهة العدو. وعلى درجة من الترف تسمح لهم بسكن الخيام الكبيرة ذات الفراش الوثير. وإلى جانب ذلك هناك فئة كانت تسمى الموالي وتُسميهم القواميس ب"الزعانف"، وهم بذلك أدنى مكانة من أبناء القبيلة الأصليين، وأرفع من مكانة العبيد وهم أشبه بالسلع التي تباع وتشترى في سوق النخاسة. وتأبط شرا. لم تكن القبيلة تمثل وحدة اجتماعية فقط بل إلى وحدة سياسية أيضا، فهي بمثابة دولة صغيرة تتوفر على مجموعة من مقومات الدولة باستثناء عنصر الأرض الثابتة –جراء تنقلها الدائم حسب معطياتها والاقتصادية والأمنية والظروف المناخية- إذ توفرت القبيلة على "حاكم" وهو الشيخ المُهاب الجانب المعروف بالكرم والشجاعة والحِلم والحكمة والفصاحة والغِنى حتى يتمكن من حماية القبيلة. وعلى الرغم من السلطة المطلقة التي تمتع بها الشيخ في إصدار القرارات إلا أنه كان يرجع للتشاور مع مجلس القبيلة في القضايا الكبرى، باستثناء بعض التحالفات القليلة القائمة على المصاهرة أو المصلحة المشتركة. وهكذا ظل الفراغ السياسي يعم شبه الجزيرة العربية ككل على الرغم من رغبة بعض القوى في توحيدها وطموح زعمائها إلى تشكيل تكتل قادر على مجابهة القوى السياسية الكبرى بالمنطقة. لكن طموحهم لم يتحقق إلى مع ظهور الدعوة المحمدية في قبيلة قريش، التي قادت مشروع توحيد شبة الجزيرة العربية تحت راية الاسلام، الشيء الذي يفسر توافد عدد من القبائل إلى المدينة (يثرب) أواخر العام التاسع وبداية العاشر للهجرة لمبايعة نبي الاسلام، من كل حدب وصوب حتى سمي ذلك العام بعام الوفود. علما أن بعض هذه الوفود المتوالية كانت وفودا سياسية جاءت لتعلن ولاءها للمشروع الوحدوي المُبشر أكثر منها وفودا دينية تبتغي اقرار اسلامها، بل ان وفد نجران تألف بكامل من المسيحيين،