ماذا فعلت بنا العلمانية وماذا فعل بنا ترك الدين وماذا فعل بنا الغرق في المادية والعبودية للنظام العالمي الجديد. ؟!! إن صفحة الحوادث تلخص لنا الكثير مما طرأ على حياتنا. الابن الذى يقتل أباه والأم التي تقتل أولادها والممرضة التي تقتل مرضاها والأطباء الذين يجرون الجراحات الوهمية من أجل المال و ناظر المدرسة الذي يدير شبكة للدعارة يستدرج فيها تلميذاته للعمل بالدعارة نظير نسبة من الأرباح. وطلبة المدرسة الذين يشتغلون فيها الناز ليحرقوا سجلات غيابهم. ونواب الشعب الذين يقترضون الملايين من أموال الشعب من البنوك بدون ضمانات. والغش والفساد والرشاوى والسرقات والعمولات بالملايين التي تتسرب من اقتصاد البلد الذي أصبح كالغربال المليء بالخروق. والطبقة الوسطى التي تكاد تختفى ولا يبقى إلا طبقتان هما الأغنياء بلا حدود والفقراء بلا حدود وبينهما ألد العداء. وهذا هو الإفراز الطبيعى لنبذ الدين والتهالك على الماديات والغرق فى الدنيويات والاستسلام للشهوات وموت الضمير الديني وعمى القلوب وصدأ النفوس. والمصرى لا يجد نفسه فى هذا اللون من التقدم. وما هو بتقدم على الإطلاق. بل هو انحلال وتفسخ وانهيار وجاهلية ثانية أشنع من الجاهلية الأولي. وتلخيص عملية الإصلاح في مسمى واحد هو «رفع دخل الفرد» هو تلخيص مخل للمشكلة الاجتماعية ولحقيقة الإنسان، فالمطلوب هو الارتفاع بالإنسان كله. ولا قيمة لبضعة ألوف زيادة في الدخل إذا كانت ستنفق في الجريمة وفي الإفساد إنه لابد إذن من بوصلة هادية للإنسان أولا. لا معنى لشيء وبدون الإيمان. وكما بدأ شروق الحضارة في بلادنا منذ أكثر من سبعة آلاف سنة بالإيمان، سوف تكون البداية الصحيحة الآن من نفس المنطلق من الإحساس العميق بالغيب وبالله الواحد القادر على كل شيء وبالوقفة التي سيقفها كل واحد منا ساعة الحساب. ولا يتنافى مع هذا الإيمان أن نؤمن بالعلم وأن نسعى في اكتسابه وأن نبنى وأن نعمر وأن نفكر وأن نتفلسف وأن نبدع وأن نتفنن وأن نحب وأن نعشق وأن ننشد الشعر وأن نقرأ ونغترف من كل جديد فكل تلك الإبداعات هي من عطاءاته. من عطاءات ذلك الإله العظيم . الملهم والدين والعلم والفن والفكر تلازموا وترافقوا كإخوة بطول حركة التاريخ الإسلامي. ولم يكن الإسلام إرهابا في أي زمان . وإذا عدنا إلى القرآن بنفوس عطشى وقلوب والهة فسوف نجد فيه الرؤى التنويرية التي يحتاجها عصرنا الفقير المعدم في إيمانه الغني لدرجة البطر في امكاناته ومادياته. نحن في أشد الحاجة للعودة إلى القرآن بأرواح عطشى ونفوس متطلعة بشوق لنفحات الغيب. لنقرأ عن حقيقة نفوسنا وحقيقة عصرنا وحقيقة مشاكلنا. أما الذين اختاروا نبذ الدين طريقا والعلمانية منهجا والدنيا غاية وحيدة. فقد اختاروا الموت لنفوسهم ودخلوا الحارة السد التي لا مخرج منها. وهم فى تيه وضياع حتى يعودوا إلى هويتهم المصرية من جديد إلى ذلك المصرى القديم الجديد الواقف مكان أخناتون المرسل عينيه إلى آفاق الغيب. أبدا لا أموت. بل أقوم من القبر لأقف بين يدى الديان. هكذا كان يقول المصرى القديم ومن هنا بدأت حضارته. وهكذا تشعر النفس السوية أمام مأساة الميلاد والموت. أما الذين اكتفوا بالحياة المادية واستناموا إلى إشباع النفس الشهوانية فهم في موت منذ ولدوا، وهم فى موت متجدد كل يوم. المعنى. وارتفاع نسبة الانتحار بين الشباب فى بلاد الشبع والوفرة والرخاء مثل السويد والنرويج يؤكد هذا الكلام. إن إشباع الرغبات المادية لا يكفى ليجعل للحياة معنى وإنما سر الحياة وجمالها وسحرها في بعدها الأبدى الغيبي وفي المعاني المتوارية وراء الحس وفى الكمالات التي تحكي عنها الأديان. إن موت الروح وليس جوع البدن هو الذي يدفع هذا الشباب المرفه الشبعان إلى الانتحار. واليأس والملل والصدأ النفسي والاكتئاب هي درجات السلم السفلى المؤدية للانتحار. ولا شيء يمكن أن يجلو صدأ النفس مثل ترتيل بضع آيات يهمس بها القلب المؤمن فيطمئن ويهدأ ويسكن فيه طائر القلق. إن التدين ضرورة اجتماعية، إنه الماء والهواء بالنسبة لهذا الزمان المنكود. ويبحث عن سكن ويبحث عن شريكة حياة . هو في حاجة إلى الصبر . ولا شيء يعين على الصبر مثل الإيمان. وتحت سحابة التهديد المستمر على الحدود واحتمالات المستقبل المحفوف بالأخطار والسلام الإسرائيلي الذي لا يعنى لنا أي سلام. نحن في حاجة إلى سلاح نفسى. ولا يوجد فى ترسانة الأسلحة ما هو أقوى من سلاح الإيمان. ولن نجد من هو أقوى من الله معينا وظهيرا وسندا وحافظا وملهما عند الشدائد . فكيف يتأتى لعاقل في مثل هذه الظروف أن يقول بتهميش الدين وتهميش التعليم الديني. وعلى من نعتمد إذا لم نعتمد على الله. وإلى من نتوجه. نتوجه إلى الدعم الأمريكي أم إلى النجدة الأوروبية؟!! إن الذين قاتلوا المسلمين فى البوسنة وفي البانيا كانوا هم الأوروبيين أنفسهم . فكيف نطلب النجدة والعون منهم وهم وإسرائيل جبهة وإذا كانت الدبلوماسية العاقلة تقتضى مسالمة الكل تفاديا للمشاكل. فإنها لا يمكن أن تعنى قطع الصلة بمصادر قوتنا. وهو خيمة الأمان لمستضعفى هذا الزمان. وأرجو ألا تغيب عن المسئولين هذه الحقيقة وألا تختلط عليهم الألوان. وألا يخدعهم الكلام المزخرف والدبلوماسية المزوقة. وأعود فأقول إن الإسلام هو الدفاع الاستراتيجي لهذه المنطقة كما فعل في الماضي حينما صد الهجمة الصليبية وحينما انكسرت على حائطه جحافل . التتار والغرب لن ينسى هذه الهزائم. وهو لهذا يريد أن يقتلع هذه الشوكة التي في طريقه. وهو يركز هجومه هذه المرة على الإسلام نفسه فيحاول تشويهه ثم يتسلل إلى المؤسسة التعليمية الدينية تحت مسميات زائفة مثل تجفيف الينابيع زاعما أنه يريد أن يحمينا من الإرهاب والإرهاب من صنعه ثم يتسلل إلى برامج التعليم فى الأزهر في محاولة لعلمنة الأزهر ثم يتسلل إلى حصن القرآن الحصين في محاولة أخيرة لاختصار مقرراته تحت زعم التخفيف على الطالب. وما هو إلا التسلل المدروس لدك الحصون والمعاقل واحدا بعد الآخر. والأيدى التي تساهم في هذه الاختصارات هي شريكة في هذه الجريمة من حيث لا تدرى ومن حيث تظن أنها تخفف على الطالب وهيئة التعليم في الأزهر مسئولة عن كل ما يجرى على التعليم الديني فكلها خطوات محسوبة تهدف إلى هدف واحد هو إزاحة الإسلام من الطريق وتعطيل دوره الفاعل وفتح الطريق لعوامل الانحلال والفساد والتشرذم والفرقة والاختلاف تمهيدا لتفجير المنطقة كلها من الداخل. وكانت البداية الملفتة هى هذا الإرهاب» المصنوع والممول بسخاء والملصق وإعلان إنجلترا استضافتها لمؤتمرات الجماعات الإسلامية الإرهابية . عجبا . !! ومتى كانت إنجلترا موئلا وملاذا للإسلاميين من أى لون؟!! ومن الذي يغذى هذه الأرصدة بالملايين التي تودع في حسابات هذه الطغمة من القتلة المحترفين في بنوك الغرب. وكيف يمكن أن نواجه كل هذا بإغماض العين وحسن الظن. وكيف يمكن أن يفوت كل هذا على المؤسسة التعليمية في الأزهر قلعة الدين وحصنه الحصين. والخلاصة المفيدة لكل هذا أنهم يريدون ضرب الإسلام في مقتل، وأنهم قرروا استئجار الحثالة المجرمة من المسلمين لهذا الغرض. وأنهم يدفعون لهم ويدبرون لهم المأوى والملجأ والملاذ والشقق الفاخرة في لندن وجنيف ويعقدون لهم المؤتمرات. وينشرونها على شبكة الانترنت لاقتلاع العقيدة من جذورها. أما لماذا تكلفوا كل هذا المال والجهد. فلأنهم أدركوا أنه لا سبيل إلى هزيمة المنطقة وتفجيرها إلا بضرب الإسلام وتفجيره. وهو منتصر دائماً وأبدا. رغم جميع عوامل الإحباط. ومن كان يتصور أن الحملة الصليبية التي اشتركت فيها تمويلا وتسليحا كل دول أوروبا. بهذه الفئة القليلة المؤمنة من المسلمين الذين خاضوا الحرب. والتي تهاوت أمامها الحصون والقلاع. كان يمكن أن تنهزم أمام هذا المملوك «قطر». شرذمة من المقاتلين المسلمين لا يملكون إلا أسلحة محدودة. ابتداء من منابعه التعليمية ذاتها. أنفسهم. نبدأ بالأزهر أولا إن الدين ليس فقط ضرورة اجتماعية .