نحو ممارسة نفسية مهنيةالمقالة الرابعة: المعالج الحاضربين الحضور والغياب في الجلسة النفسيةقد يجلس الاختصاصي أمام المراجع طوال وقت الجلسة، لكنه قد لا يكون حاضر الذهن فيها.فليس بالضرورة أنه منشغل بأمر ما خارج الجلسة، لكنه قد يعاني من "التنظيم الذهني" بشكل يجعل ذهنه لا يعطي اللحظة حقها، فتراه منشغلًا بالسؤال التالي، أو بالتقنية التي قرر استخدامها، فيسمع الكلمات دون أن يلتقط معناها، ويرى الانفعال دون أن يستجيب له. وكيف يقوله، وما يظهر خلف كلماته.وهذه الكفاءة تبدأ منذ استقبال المراجع،أتذكر في سنوات التدريب أن أحد المدربين الكبار في المقابلة التحفيزية Motivational Interviewing شبّه أداء المعالج داخل الجلسة برقصة متناغمة بين شخصين.في الرقصة، واقتراب وابتعاد، وقيادة لا تلغي الشريك. والمراجع يقاومه، وكل واحد منهما يحاول أن يثبت موقفه. وما يؤلمه، ويميز منعطفاته ومخاطره، ويساعد في اختيار المسار المناسب.لا يستطيع الدليل أن يمشي بدل المسافر، كما لا يصح أن يتركه تائهًا بلا توجيه. إنما يسيران معًا: المراجع يخطو ويختار، والمعالج يساعده على رؤية الطريق وضبط الاتجاه.فإذا حاول أحدهما إلغاء دور الآخر تعطلت الرحلة، وإذا تعاونا أصبح الطريق أوضح والوصول أقرب.الجلسة النفسية الحية ليست استعراضًا لمعارف المعالج،خماسية الحضور العلاجي1. الحضور العلاجي Therapeutic Presenceأن يكون المعالج موجودًا بكامل انتباهه،يراقب الكلمات ونبرة الصوت وتغير الانفعال ولحظات الصمت، وينتبه كذلك إلى ردود فعله الداخلية حتى لا تقوده بعيدًا عن حاجة المراجع.المعالج الحاضر لا ينشغل بإظهار ذكائه، بل يستخدم ذكاءه ليفهم الإنسان الجالس أمامه.2. الإنصات الفعال Active Listeningقد يقول المراجع: «لا يهمني ما حدث»، هنا لا يكتفي المعالج بالكلمات، بل ينتبه إلى التناقض بين العبارة والانفعال.الإنصات القوي يسمع ما قيل، ويلتقط ما تعذر قوله، دون أن يضع في فم المراجع كلامًا لم يقله.3. الاستقصاء الهادفالاستقصاء هو استخدام أسئلة تساعد المراجع على التوضيح والتعمق والوصول إلى جوانب مؤثرة في تجربته.فبدل الانتقال العشوائي بين الأسئلة،ماذا حدث في اللحظة التي قررت فيها الانسحاب؟ما الذي مثّله لك كلامه؟السؤال المهني لا يُطرح بدافع الفضول، بل لأن إجابته تساعد على الفهم أو توجيه العمل العلاجي.والاستقصاء الجيد يفتح الحديث، أما الاستقصاء الزائد فيحوّل الجلسة إلى تحقيق.4. التعاطف العلاجي Therapeutic Empathy and Empathic Attunementالتعاطف قيمة علاجية عالية، وهو قدرة المعالج على الاقتراب من خبرة المراجع وفهم ألمه من داخل عالمه، ثم إيصال هذا الفهم إليه.قد يقول المعالج:يبدو أنك لم تتألم من الموقف وحده، بل من إحساسك بأنك بقيت وحدك فيه.فالمراجع يأتي بقيمه الشخصية وخبراته الاجتماعية وطريقته الخاصة في فهم القرب والاهتمام. لا مهارة مهنية داخل العلاج.وقد تتحول الرسالة من:«أنا أفهم ألمك».إلى:«أنا الشخص الوحيد الذي يشعر بك ويفهمك».وهنا قد ينشأ تعلق نفسي أو عاطفي غير صحي.المطلوب ليس تقليل التعاطف، بل ضبط طريقة التعبير عنه؛التعاطف المهني يقترب من الألم، لكنه لا يذوب فيه. ويمنح الأمان، لكنه لا يصنع اعتمادًا على شخص المعالج.5. الانعكاس وإعادة الصياغة بل إعادة المعنى إليه بصورة أوضح وأكثر تنظيمًا.قد يقول المعالج:إذا فهمتك جيدًا،بهذه الطريقة يسمع المراجع تجربته بعد أن أصبحت أكثر وضوحًا، ويستطيع أن يصحح للمعالج إن كان فهمه غير دقيق. والتلخيص،من يدير الجلسة؟تحدث كارل روجرز عن العلاج المتمركز حول المراجع Client-Centered Therapy، لكن تمركز العلاج حول المراجع لا يعني أن يتخلى المعالج عن مسؤوليته في إدارة العملية.يمكن أن نقول:العلاج متمركز حول المراجع من حيث خبرته وحاجته ومقصده، لكنه قائم على مسؤولية المعالج من حيث إدارة الجلسة وحماية حدودها وتوجيه مسارها المهني.المعالج لا يحتكر الحديث،