وهنالك نقد داخلي سلبي يكشف الستار عن مآرب المؤلف وأهوائه ودرجة تدقيقه في الرواية، فيظهر لنا مقدار ما عنده من العدالة والضبط أو ما ينقصه منهما. وأنه لا يزال في العالم العربي من يقول قول فنلون الإفرنسي ويحذو حذوه : فما كتب التاريخ في كل ما روت لقرائها إلا حديث مـلـفـق نظرنا لأمر الحاضرين فرابنا فكيف بأمر الغابرين نصدق على ما عرف من جمهور علماء الحديث وعلى ما أنتجه قرائح رجال الغرب في القرنين الأخيرين في هذا السبيل، حتى كاد بعضهم يحشر مسألة معالجة التاريخ من بعض نواحيه بين العلوم الثابتة، ومن الغريب أن ما أورده شاعرنا في سبيل الهزء والسخرية في البيت الثاني، إنما هو قاعدة من القواعد التي يرتكز عليها علم التاريخ. وقالوا: الأصل في التأريخ الاتهام لا براءة الذمة . ويذهبون إلى أنه كثيراً ما يخدع فيخدع . ونظرة إلى ما يقوم به المشعوذون على المسارح لتضليل الجماهير تكفي لإقناع القارئ بما أقول. ثم ضع وسطى أصابع يدك الأخرى فوق السبابة وتناولها بها تشعر بأنها اثنتان، وقد تنقل الحواس الخبر اليقين إلى الدماغ. جلسنا مرة نصغي إلى أستاذنا يلقي محاضرة علينا في هذه الناحية من علم النفس. وبعد أن اطلع على شهادتنا في الأمر ضحك. ثم استدعى صاحب المسدس وسأله أن يرينا مسدسه. ولشد ما كانت دهشتنا حين علمنا أن مسدسه لم يكن سوى ثمرة جافة من أثمار الموز. أرأيتم إلى حد يخدع العقل أحياناً في استناده إلى حواس هذا واذكروا إن الإنسان عرضة للنسيان. وإذن فعلم النفس في هذا الباب، وإذا ما ذكرنا في الوقت نفسه أن الراوي يقول أحياناً فيما لا يفهم، وأنه قد يقصد التحريض وإيقاد نار الفتنة، شك المؤرخ رائد حكمته . فيترتب على المؤرخ، وخالجنا فيه ظن، من أبحاثه في تاريخ أوروبة المعاصر، ليتأكد من صحة ما نقول. أو يدينون بمذهب من المذاهب، أو يقولون قول حزب من الأحزاب، ٢ - هل خضع الراوي لظروف قاهرة أكرهته على التلفيق والنطق بالبطل؟ ومثل هذا يقع أحياناً في بعض المعاملات الرسمية، كأن تتطلب بعض الظروف الحكومية القانونية شروطاً لا تتوفر أحياناً بتمام دقائقها وحذافيرها. فيضطر منظم الضبط أن يقول باكتمالها في حين أنها لم تكتمل. فمن خطأ في تاريخ الاجتماع إلى تأخير في الساعة المعينة للجلسة إلى نقص في عدد الحاضرين وهلم جرا. فئة معينة من الناس حتى اضطر ، ‏Stodium in longum jacens, ومعنى الأولى رغبة في الكلام لا تعرف الشبع » والثانية " بغض مزمن » نقول : عبر المؤرخون القدماء عن هذا الأمر بهاتين العبارتين وتبرأوا من الأخذ بهما منذ مئات السنين فيجدر بالمؤرخ المدقق أن يتبصر في الأمر من هذه الناحية ويدرس الراوي من حيث علاقاته القومية والحزبية والمذهبية والفلسفية وما شاكل ذلك . بالباطل ويحيد عن الحق؟ وهل أقدم على ما يروي بداعي المفاخرة، أو المنافسة، أو ما شابه ذلك؟ لا بد من تفحص أخبار الراوي من هذه الناحية أيضاً قبل الاعتماد على روايته. وليذكر المؤرخ المستجد أن دوافع الغرور والكبرياء تختلف باختلاف الزمان والمكان، وأن بعض الناس قد يفاخر بما لا يفاخر به البعض الآخر . فالإفرنسيون اليوم ينكرون على أسلافهم قيامهم بمجزرة برتولوميو والملك الإفرنسي شارل التاسع زمنئذ كان يتبجح ويتباهى بأنه هو الذي نظم هذه المذابح . أن نصر على اتهام الراوي بمثل ما تقدم إلى أن نتيقن من براءة ذمته . ه - وهل حاول الراوي أن يتودد إلى جمهور الناس أو أن يتملقهم أو يداريهم؟ فهنالك عقائد دينية وعادات اجتماعية وأمور أخرى، قلما يجرؤ على مخالفتها أو إهمالها فرد من الأفراد. فإنها قد تتضمن الشيء الكثير من عبارات التودد والإخلاص والمحبة لمجرد المجاملة والانقياد للعرف. من ينكر علينا هذا الأمر ولكننا ننسى أو نتناسى هذه الحقيقة الناصعة، عندما نرجع إلى بعض الأصول لتأييد رأي من الآراء. فنقول مثلاً بتواضع المقامات الإكليريكية العالية في العصور الوسطى، لأنهم لدى انتخابهم لتبوء عرش من العروش الكنيسية امتنعوا عن القبول بداعي العجز والتقصير وعدم الاستحقاق . نقول هذا القول وننسى في الوقت نفسه، مرة أخرى قبل الاعتماد على رواية الراوي في مثل هذه الظروف. وعلى كل فإنه يحسن بالمؤرخ المدقق أن يتعرف إلى الراوي ليتأكد من الجمهور الذي يخاطب . ويجدر به أن ينعم النظر في أحوال الجمهور المخاطب، ليقف على عرفهم ٦ - ومما يترقبه المؤرخ المدقق ولا يغفله، طرفة عين، الأسلوب الأدبي في الرواية. وذلك لأن الأدب فن وكفن لا يتطلب صاحبه فيه الحقيقة كما هي بل كما يريدها أن تكون. فمن زيادة بسيطة هنا إلى تقديم أو تأخير هناك وما إلى ذلك من أساليب الفن مما يزعج المؤرخ العالم ويدفعه للتيقظ فيتعقب خطوات الراوي الأديب ويراقب حركاته وسكناته. ثم يسعى ما أمكنه للتعرف إلى أدب العصر الذي عاش فيه الراوي. فيسهل عليه عندئذ أن يتفهم الرواية ويقدرها حق قدرها . وقل اطمئناننا إليه . وما يصح عن النثر في هذا الباب أحياناً ينطبق كل الانطباق على الشعر في غالب الأحيان . وهنالك سلسلة ثانية من الأسئلة العلمية يتذرع بها المؤرخ للتوصل إلى فهم الراوي وإدراك مقدار ضبطه. وهي كالسلسلة الأولى مما أجمع عليه المؤرخون المعاصرون، وأبدع في عرضه والتعبير عنه المؤرخ الإفرنسي الشهير الأستاذ شارل لانجلوا . وإليك أهمها : 1 - هل كان الراوي يتمتع بحواس سليمة وعقل صحيح؟ أم كان عرضة للخطأ من هذا القبيل كما ابنا ذلك في القسم الأول من هذا الباب؟ فقد يشاهد الراوي ما يروي وينوي الصدق والإخلاص ولكن حواسه تخطئ في نقل الخبر إليه، أو عقله يتوهم غير الواقع، ومما له علاقة بالموضوع نفسه أهواء الراوي وأغراضه. فيتذرع المؤرخ عندئذ ببعض الأسئلة التي أوردناها لإظهار العدالة. ولا سيما وإن السائل في بعض الأحيان يجهل ما يسأل عنه فيبتعد كل البعد عن الحقيقة التي ينشد . ٢ - هل تمتع الراوي بجميع شروط المشاهدة العلمية؟ وهي ما يلي : أولاً: أن يكون الراوي في مكان يتمكن فيه من مشاهدة الحوادث مشاهدة صحيحة. وثانياً: أن يكون الراوي في أثناء المشاهدة بعيداً عن الغرض. وثالثاً : أن يدون ما شاهده في أثناء وقوع الحوادث المروية ورابعاً : أن يوضح بجلاء تام طريقته في المشاهدة والتدوين. فقد يشاهد الراوي ما يروي، ولكنه يكون في مكان أو ظرف لم يتمكن فيه من التدقيق في النظر والسمع. ولكنه يتأخر في التدوين فتخونه الذاكرة، وتؤثر عليه ظروف مستجدة، - وهناك حقائق كان بإمكان الراوي أن يشاهدها ويفهمها لو كلف نفسه مؤونة البحث عنها. فقد يروي لنا تفاصيل لم يشاهدها . ولكنه تكاسلاً أو إهمالاً منه تخيلها أو استنتجها دون أن يتحققها بنفسه . ٤ - وهل روى الراوي ما لا تكتمل معرفته بمجرد المشاهدة الشخصية؟ فقد تتعلق روايته بحقيقة عامة تشمل عدداً كبيراً من النفوس، أو بلاداً واسعة من البلدان، مما لا يتيسر لفرد واحد من الناس أن يدقق فيها، وينقل إلينا الخبر اليقين عنها. وما إلى ذلك من الإجمال في الكلام والتعميم في المعنى، مما يستلفت النظر ويوجب التبصر . إنما هو استنتاج في أساسه لا مشاهدة فينظر عندئذ في عدد الحقائق المفردة التي بنى الراوي استنتاجه عليها، ولا بد من درس الراوي في جميع مؤلفاته للتعرف إلى عاداته في التفكير والاستنتاج. أدركنا إمكانية التوصل إلى نقد الراوي من هذه الناحية وتقدير تدقيقه في أن نلاحظ أمراً هو من الأهمية بمكان . ويكون على عكس ذلك في بعض أقواله الأخرى. وإذن فيجب على المؤرخ المدقق أن ينظر في كل خبر من أخبار الراوي على حدة فيطبق ما ورد من الأسئلة في أعلاه مراراً متعددة . ومنها أن ما نسميه أصلاً قد لا يخلو أحياناً من الاعتماد على سابق له، ومما نذكر من هذا القبيل أنه لما زار الجنرال اللنبي جامعة بيروت الأميركية عام ۱۹۱۹ أتى بمعيته أركان حربه. واتخذ موضوعاً له موقعة طول كرم الشهيرة. وما كاد يتبسط في أخبار هذه الموقعة، التي خاض غمارها بصفته قائداً عاماً للقوات البريطانية، حتى أخذ يستعين بأركان حربه الجالسين معه على المنبر، يحمل أكبر وهو أولى من تؤخذ عنه أخبار فتوحاته، ولكنه على ذاك يعتمد على من كان يوجه إليهم الأوامر في تفاصيل روايته. فإذا كان هذا قد شاهد بعينه فشهادته أولية. وإلا فمن الواجب أن نتأثر الرواة الذين تسلسل عنهم هذا الخبر حتى نصل إلى الشاهد العيان وعندئذ نطبق ما مر بنا من الأسئلة للتثبت من العدالة والضبط . وهو أمر وعر المسلك لبعدنا في غالب الأحيان عن زمن الوقائع المروية، ولو تقيد المؤرخون بهذه القاعدة لوفروا على الخلف كثيراً من العناء. ولكفوا أنفسهم مؤونة سرد أخبار لا طائل تحتها. قال الإمام مالك بن أنس (۱۷۹ هـ) : « لا يؤخذ العلم من أربعة ويؤخذ ممن سوى ذلك - لا يؤخذ من سفيه ولا يؤخذ من صاحب هوى، يدعو الناس إلى هواه ولا من كذاب يكذب في أحاديث الناس، وقال إسحاق بن محمد الغروي سئل مالك أيؤخذ العلم ممن ليس له طلب ولا مجالسة ؟ فقال : لا . فقيل : أيؤخذ ممن هو صحيح ثقة غير أنه لا يحفظ ولا يفهم ما يحدث به ؟ فقال : لا يكتب العلم إلا عمن يحفظ ويكون قد طلب وجالس الناس وعمل ويكون معه ورع. وقال إسماعيل بن أبي أويس وعرف : سمعت خالي مالكاً يقول : إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم. لقد أدركت سبعين ممن يقول قال رسول الله ﷺ عند هذه الأساطين فما أخذت عنهم شيئاً، لأنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن، وقدم علينا ابن شهاب فكنا نزدحم عند بابه. وقال شعبة بن الحجاج : كان مالك أحد المميزين، ولقد سمعته يقول : ليس كل الناس يكتب عنهم وإن كان لهم فضل في أنفسهم، إنما هي أخبار رسول الله ﷺ فلا تؤخذ إلا من أهلها. وقال ابن كنانة قال مالك: من جعل التمييز رأس ماله عدم الخسران وكان على زيادة . ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس، تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعاً، حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه . فلا ثقة بقول من لا يخاف الله تعالى خوفاً وازعاً عن الكذب. وبالجملة كل ما يدل على ركاكة دينه إلى حد يجترئ على الكذب للأغراض الدنيوية. نحو أكل في الطريق، وصحبة الأرذال، لا يصبر عنه، ولو حمل على شهادة الزور لم يشهد أصلاً، ومما له علاقة بهذا الباب، ولا شك في أنه كما سمعه. إذ الكل مجمعون على أنه لا يحدث إلا بما حقق، ويخشى أن يكون مغتراً فيدخل في وعيد من حدث عنه بالكذب . وقد هاب السلف الصالح من الصحابة رضوان الله عليهم الحديث بما سمعوه من قلق فيه، ونزل دمشق ودرس الحديث في المدرسة الأشرفية. فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره. واستدركوا عليها، فرأينا نحن أن نقتطف من هذا المؤلف جميع ما ورد في معرفة وتفصيله أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً سالماً من أسباب الفسق، حافظاً إن حدث من حفظه، ضابطاً لكتابه أن حدث من كتابه. ونوضح هذه الجملة بمسائل . وتارة تثبت بالاستفاضة . وممن ذكر ذلك من أهل الحديث أبو بكر الخطيب الحافظ . ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر واستقامة الأمر، فلا يسأل عن عدالة هؤلاء وأمثالهم، والله أعلم . ولو من حيث المعنى لرواياتهم، والمخالفة نادرة عرفنا حينئذ كونه ضابطاً ثبتاً. على المذهب الصحيح المشهور، فإن ذلك يحوج المعدل إلى أن يقول : لم يفعل كذا، أو بتركه، وذلك شاق جداً. وأما الجرح فإنه لا يقبل إلا مفسراً، لأن الناس يختلفون فيما يجرح وما لا يجرح. فلا بد من بيان سببه، لينظر فيما هو جرح أم لا . وهكذا فعل أبو داود السجستاني وذلك دال على أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا يثبت إلا إذا فسر سبيه، وعقد الخطيب باباً في بعض أخبار من استفسر في جرحه فذكر مالا يصح جارحاً . منها عن شعبة أنه قيل له لم تركت حديث فلان فقال : رأيته يركض على برذون فتركت حديثه. وقل ما يتعرضون فيها لبيان السبب، ونحو ذلك، وسد باب الجرح في الأغلب الأكثر. وجوابه أن ذلك وإن لم نعتمده في إثبات الجرح، بناء على أن ذلك أوقع عندنا فيهم ريبة قوية يوجب مثلها التوقف . فمنهم من قال : لا يثبت ذلك إلا باثنين كما في الجرح والتعديل في الشهادات. فإن كان عدد المعدلين أكثر فقد قيل : التعديل أولى. السادسة : لا يجزيء التعديل على الإبهام من غير تسمية المعدل. لم يكتف به فيما ذكره الخطيب الحافظ، وذلك لأنه قد يكون ثقة عنده، أو بالإجماع. السابعة : إذا روى العدل عن رجل، وسماه لم يجعل روايته عنه، تعديلاً منه له، وقال بعض أهل الحديث وبعض أصحاب الشافعي: يجعل ذلك تعديلاً منه له، وهو في غرضنا ههنا أقسام : أحدها : المجهول العدالة من حيث الظاهر والباطن جميعاً، وروايته غير مقبولة عند الجماهير، وهو المستور. ولا نعرف عدالة باطنة. فهذا المجهول يحتج بروايته بعض من رد رواية الأول. وهو قول بعض الشافعين، قال : لأن أمر الإخبار مبني على حسن الظن بالراوي. ولأن رواية الأخبار تكون عند من يتعذر عليه معرفة العدالة في الباطن، فاقتصر فيها على معرفة ذلك في الظاهر . وتفارق الشهادة فإنها تكون عند الحكام، فاعتبر فيها العدالة في الظاهر والباطن. وتعذرت الخبرة الباطنة بهم، والثالث : المجهول العين. فقد ارتفعت عنه هذه الجهالة . إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه، وكذلك خرج مسلم حديث قوم لاراو لهم غير واحد منهم ربيعة بن كعب الأسلمي لم يرو عنه غير أبي سلمة بن عبد الرحمن. وذلك منهما مصير إلى أن الراوي قد يخرج من كونه مجهولاً مردوداً، التاسعة: اختلفوا في قبول المبتدع الذي لا يكفر في بدعته، فمنهم من رد روايته مطلقاً،