رت ليلة أمس برجلٍ بائس فرأيته واضعًا يده على بطنه، ثم تركته وذهبت إلى زيارة صديق لي من أرباب الثراء والنعمة، فأدهشني أني رأيته واضعًا يده على بطنه، لقد كان جديرًا به أن يتناول من الطعام ما يشبع جَوْعَتَه، ولكنه كان محبًّا لنفسه مغاليًا بها، ما ضنت السماء بمائها، ولا شَحَّتِ الأرض بنباتها، ليتني أملك ذلك العقل الذي يملكه هؤلاء الناس فأستطيع أنْ أتصوَّر كما يتصورون حجة الأقوياء في أنهم أحق بإحراز المال وأولى بامتلاكه من الضعفاء، إنْ كانت القوةُ حجَّتَهم عليهم فَلِمَ لا يملكون بهذه الحجة سلب أرواحهم كما ملكوا سلب أموالهم؟ وما الحياة في نظر الحيِّ بأثمن قيمة من اللقمة في يد الجائع، فإن كنتم لا بد وُرَثاءَهم فاخلفوهم في ردِّ المال إلى أربابه لا في الاستمرار على اغتصابه. ما أظلمَ الأقوياء من بني الإنسان! وما أقسى قلوبهم! ينام أحدهم ملءَ جفنيه على فِراشه الوثير، ولا ينغِّص عليه شهوتَه علمُه أنَّ بين أقربائه وذوي رحمه من تثب أحشاؤه شوقًا إلى فتات تلك المائدة، ويسيل لعابه تلهُّفًا على فضلاتها؛ بل إنَّ بينهم من لا تخالط الرحمة قلبه، فيظل يسرُد على مسمع الفقير أحاديث نعمته، وربما استعان به على عدِّ ما تشتمل عليه خزائنه من الذهب وصناديقه من الجوهر وغرفه من الفرش والرياش، وكأنه في كل كلمةٍ من كلماته وحركةٍ من حركاته يقول له: «أنا سعيدٌ لأني غنيٌّ، أحسب لولا أنَّ الأقوياء في حاجةٍ إلى الضعفاء، ولولا أنهم يؤثرون الإبقاء عليهم ليمتعوا أنفسهم بمشاهدة عبوديتهم لهم وسجودهم بين أيديهم، لا أستطيع أنْ أتصور أنَّ الإنسان إنسانٌ حتى أراه محسنًا؛ لأني لا أعتمد فضلًا صحيحًا بين الإنسان والحيوان إلا بالإحسان، وإني أرى الناس ثلاثة: رجلٌ يحسن إلى غيره ليتخذ إحسانه إليه سبيلًا إلى الإحسان إلى نفسه، ورجلٌ يحسن إلى نفسه ولا يحسن إلى غيره، وهو الشَّرِهُ المتكالِبُ الذي لو علم أنَّ الدَّم السائل يستحيلُ إلى ذهبٍ جامدٍ لذبح في سبيله الناس جميعًا! ورجل لا يحسن إلى نفسه ولا إلى غيره، أمَّا الرابع الذي يحسن إلى غيره ويحسن إلى نفسه فلا أعلم له مكانًا،