وعلم التاريخ علم يتضمن ذكر الوقائع وأوقاتها وما جرى فيها من أحداث، وتاريخ علم من العلوم أيا كان نوعه يشمل نشأة هذا العلم، وما قدموه من نتاج فكري لخدمة هذا العلم والنهوض به. وتاريخ العلوم على وجه الإجمال يأتي عرضا في كتب التاريخ العام أثناء ذكر الوقائع والحديث عن مشاهير الرجال والتعريف بالحالة العلمية والفكرية في عصر من العصور. أما استخلاص هذا وتنسيقه وترتيبه ترتيبا علميًّا؛ ليكون فنًّا من الفنون، فإنه لم يجد عناية كافية حتى يفرد كل علم بتاريخ له في بحث منهجي متكامل. وهذا لا يعنى أن يكون السابقون قد أغفلوا تاريخ العلوم من مناهج بحثهم، وقد أفرد ابن خلدون في مقدمته الباب السادس للحديث عن العلوم وأصنافها، وما يعرض في ذلك كله من الأحوال، وخص الفصل السابع من هذا الباب بعلم الفقه وما يتبعه من الفرائض. وأفرد الدكتور حسن إبراهيم حسن في كتابه "تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي" بابًا خاصًّا بالثقافة، والحركة العلمية في كل علم منها بعصور الإسلام التي كتب فيها. وألف الأستاذ أحمد أمين كتبه: فجر الإسلام، فتناول في بحثه الحياة العقلية في التاريخ الإسلامي، فتاريخ التشريع والفقه الإسلامي هو أحد هذه العلوم التي لم يتوافر على خدمتها من العلماء إلا النزر اليسير من هؤلاء الذين ألفوا في هذا الفن الحديث، تأليفا موجزا يرسم الخطوط العامة لمناهج البحث التي ينبغي أن يقتفي أثرها الدارس لهذا العلم، فتكون دليلا له يعينه على استكمال عناصره، ومن ذلك "تاريخ التشريع الإسلامي" للخضري، و"نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي" للدكتور على حسن عبد القادر، و"تاريخ الفقه الإسلامي" للسايس. و"تاريخ الفقه الإسلامي" للدكتور محمد يوسف موسى، و" تاريخ التشريع الإسلامي" لعبد العظيم شرف الدين. وقد ألف فضيلة الأستاذ محمد أبو زهرة مجموعة من الكتب في أبحاث موضوعية منها: "تاريخ المذاهب الإسلامية"، وكتبه عن الأئمة: "زيد بن علي" و"أبي حنيفة" و"مالك" و"الشافعي" و"أحمد" و"ابن حزم" و"ابن تيمية". ومن الكتب التي عالجت هذا الموضوع أيضا كتاب "أصول التشريع الإسلامي" للأستاذ علي حسب الله، وكذلك كتاب "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي" تأليف: محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الفاسي، وهناك كتب أخرى تخدم هذا العلم، وتتناول كثيرًا من موضوعاته مثل: "المدخل الفقهي العام" للزرقا، "فلسفة التشريع في الإسلام" للمحمصاني، "مدخل الفقه الإسلامي" لمدكور، وصدر حديثا "مناهج التشريع الإسلامي في القرن الثاني الهجري" للدكتور محمد بلتاجي. ومنها كتب أخرى في المذاهب تعتبر مصدرا لهذا العلم، ومن ذلك: اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى" لأبي يوسف. و"آداب الشافعي ومناقبه" للرازي، و"إعلام الموقعين" لابن القيم، و"الانتقاء من فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء" لابن عبد البر، و"ترتيب المدارك وتعريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك" للقاضي عياض، و"الديباج المذهب في معرفة أعياء علماء المذهب" لابن فرحون المالكي، و"الطبقات الكبرى" لابن سعد، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي، و"وفيات الأعيان" لابن خلكان، و"فوات الوفيات" لابن شاكر، و"الفوائد البهية في تراجم الحنفية" للكنوي، و"طبقات الفقهاء الحنفية" لطاش كبرى زاده، وطبقات الفقهاء" للشيرازي، و"طبقات الشافعية الكبرى" للسبكي، و"طبقات الحنابلة" لابن أبي يعلي، أهمية دراسة تاريخ التشريع والفقه الإسلامي: لم يعد قاصرًا على مجموعة الأحكام الفرعية في العبادات والمعاملات ولكنه، لأن الطور الذي وصل إليه الفقه الإسلامي في آخر مراحله كان بناء متراصًّا، ينظم العمران البشري وأنواع المعاملات والعلاقات الإنسانية للمسلمين تنظيما دقيقا، وهذا يعطي دراسة تاريخ التشريع والفقه الإسلامي أهمية كبيرة؛ لأنها تتناول الحياة الإسلامية في أخص عناصر مقوماتها، حيث كانت شريعة الإسلام هي القاعدة التي أقيم عليها بناء أمته، والمنطلق الذي ارتكزت عليها في حضارتها. واتجاهًا نحو العمل فيها لخير الدنيا والآخرة. وقد تعرض الإسلام في فترات من التاريخ إلى موجات عارمة من الغزو الفكري، لتوهين مفاهيم الإسلام والانحراف بها عن جادة الحق في القديم والحديث. تعرَّض لها في القديم بموجة الفكر الفلسفي الروماني والفارسي، حين انخدع بهذا الجدل العقلي العقيم بعض الناس، وحاولوا التوفيق بين الدين والفلسفة في علم الكلام، فأدخلوا عناصر أجنبية من الفلسفة في مادته وصورته، واشتملت ما بحثه على أبحاث لا تمت إلى الدين الإسلامي بصلة، والسلوك الاجتماعي في حياة المسلمين، فإنه جدير بأن يكون خط الدفاع الأول ضد الهجمات المتواصلة من المدنية الغريبة، والشيوعية الدولية على السواء. ومن هنا كانت حركات الإصلاح والتقدم الإسلامي، فهو يمثل عند دعاة الإصلاح الإسلامَ التاريخي، وهم يريدون الرجوع إلى الإسلام الأول، فهو في كثير منه من عمل الفقهاء أنفسهم، وهؤلاء المصلحون يريدون أن يصلوا من الإسلام نفسه -في مصادره التشريعية الأصيلة وإمكاناته الخاصة- إلى نظام حيوي تام متكامل للحياة الإنسانية. ولا يكون هذا إلا بإعادة النظر في الفقه وتطوراته، وبناء الأسس الجديدة على ما كان عليه الإسلام في عهده الأول، حاجة الجماعة إلى نظام يحكم سلوكها: تحتاج أي جماعة من الجماعات إلى روابط تقوم عليها تجمعها، ومبادئ تحدد علاقاتها، وتحفظ حقوق أفرادها؛ فقد جبل الإنسان على الأثرة، وانطوت نفسه على كثير من الغرائز التي تحتاج إلى تقويم وتهذيب، حتى لا يطغى الإنسان على أخيه الإنسان. فإن حياته مرتبطة بحياة غيره، ويتبادل المنفعة الاجتماعية والمصالح المشتركة، وهذا معنى قولهم: "الإنسان مدني بالطبع". وقد أوضح ابن خلدون هذه الحقيقة بقوله: "إن الاجتماع الإنساني ضروري"، ويعبر الحكماء عن هذا بقولهم: "الإنسان مدني بالطبع"، أي لا بد له من الاجتماع الذي هو المدنية في اصطلاحهم وهو العمران . وإن الواحد من البشر غير مستقل بتحصيل حاجاته في معاشه . وتعاونهم على تحصيل قوتهم، وإذا اجتمعوا دعت الضرورة إلى المعاملة واقتضاء الحاجات، لما في الطبيعة الحيوانية من الظلم والعدوان بعضهم على بعض، فيقع التنازع المفضي إلى المقاتلة، فاستحال بقاؤهم فوضى دون حاكم يزع بعضهم عن بعض". وقد اقترنت الحياة البشرية منذ نواتها الأولى في آدم عليه السلام بما أوحى الله به إلى رسله حتى تسلم عقيدتهم، وتستقيم حياتهم على جادة الحق؛ وأخذت طابعا إلزاميا في حياة الناس، وكلما ارتقت الجماعة البشرية في حياة أمة من الأمم، وسنَّت لها من الأنظمة ما يحقق أمنها ورخاءها، ومثل هذه الأنظمة هو ما يسمى بالقانون. استجابة لمتطلبات الجماعة، يبين مدى ما وصلت إليه من رقي، وبقدر ما تستفيد الأمة من تجارب بقدر ما تصحح من أخطاء قانونها، وتعمل على تغييره وتطويره، حتى يكون ملائما لطبيعة حياتها. والقانون بهذا المعنى يختلف في كل أمة عن أختها؛ لاختلاف حياة الأمم في العادات والتقاليد والأعراف، واختلافها في درجات العلم والمعرفة، فالقانون الذي يصلح لأمة قد لا يصلح لأخرى، وقلما نجد في القوانين الوضعية توافقا في بلدين مختلفين بيئةً وعادةً وفكرًا. ولا اعتبار في القانون للفضائل الأخلاقية التي توقظ الضمير الإنساني، وتحدد علاقته بربه، ومثل هذه القوانين قد يسميها الناس -تجاوزا- بالشرائع الوضعية. وكلمة "القانون" يونانية الأصل، كانت تستعمل بمعنى "القاعدة"، فاستعملت للدلالة على مقياس كل شيء، ولم يستعملها علماء المسلمين في العصور الأولى بمعنى الشرع، كما لم يستعملوا الشارع أو المشروع في واضع القانون أو المقنن، وإنما استعمل ذلك المتأخرون الذين تأثروا بدراسة القوانين الوضعية، فأطلقوا مصطلحات الشريعة عليها، الشرع في اللغة: مصدر شرَع بالتخفيف، وذلك باعتبار أن مورد الماء سبيل الحياة والسلامة للأبدان، قال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا} ١. قال بعضهم: سميت الشريعة شريعة: تشبيها بشريعة الماء من حيث إن من شرع فيها على الحقيقة المصدوقة روى وتطهر. والشريعة بهذا المعنى خاصةٌ بما جاء عن الله تعالى، فلا يجوز إطلاق هذا على القوانين الوضعية؛ وقد جرى عرف كثير من الكاتبين على تسمية القوانين الوضعية بالتشريع الوضعي، والحق أن الشرع أو الشريعة لا يجوز إطلاقها إلا على الطريقة الإلهية دون سواها من طرائق الناس وأنظمتهم. مكان الشريعة الإسلامية بين الشرائع السماوية الأخرى: وركز في طباعهم من الغرائز والميول ما يعرض حياتهم للانحراف عن الحق تحت تأثير النزعات الجامحة والأهواء المختلفة: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} ٢، وذلك هو العهد الذي أخذه الله على بنى آدم: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} ٣. فاقتضت حكمة الله أن يصطفي من عباده رسلًا يرُدُّون الناس إلى فطرتهم ويرشدونهم ١ يرى بعض الباحثين أن الشريعة خاصةٌ بالمعاملات، وليس الأمر كذلك -فيما أرى- فقد قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: ١٣] والدين عقيدة تنبثق منها الشريعة، المثل العليا في تقويم الأخلاق، وكانت رسالة كل رسول قاصرة على قومه، خاصة في إصلاح ما فسد من عقائدهم وأخلاقهم، والعمل على تهذيب نفوسهم وأرواحهم، بمرجعهم إلى فطرة التوحيد؛ سطحية التفكير محصورة في نطاق بيئتها: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِير} ٢، فكانت شريعة كل رسول خاصة بقومه للمحافظة على عقيدة التوحيد التي فطر عليها الخلق في عبودية الإنسان لله وحده رب العالمين، وتقويم حياتهم على هدى من الله. أذن الله بفجر دين جديد يلقي أضواءه على جوانب الحياة كلها؛ ليكتمل صرح الحضارة الإنسانية التي بناها رسل الله، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ فأنا اللبنة، وأنا خاتمة النبيين" "متفق عليه". وأخذ الله على أنبيائه بذلك العهد والميثاق: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} ٣. فالوحي الإلهي المتتابع يمثل نهرا تكونت له روافد، تروي ما يذبل من أيك العقيدة، وما يجف من أعواد الفضيلة لتبقى خصائص الإنسانية تؤتي أكلها لخير الناس كل حين بإذن ربها، ينبع هذا النهر ويفيض خيره حيث يوحي الله إلى ملائكته سفرائه إلى رسله، أو يكلم رسله سفراءه إلى خلقه. وقد انتهى مصب هذا الماء الغدق برسالة محمد صلى الله عليه وسلم نبي الإسلامي، والنصوص القرآنية تعلن وحدة هذا التشريع من منبعه إلى مصبه. شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} ١. والقرآن الكريم يحكي رسالات الأنبياء السابقين بعنوان القومية الخاصة. وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} ٢. وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ} ٥. وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} ٦. ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآياتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَأِهِ} ٧. ويقول تعالى في شأن عيسى: {وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرائيل} ٨. ولكن رسولنا محمدا صلى الله عليه وسلم يعلن عالمية دعوته وأستاذيته للدنيا، تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} ٩. وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} ١. قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} ٢. مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} ٣. وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} ٤. قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} ٥. واتفقت في صول العبادات والأخلاق والتهذيب النفسي: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ٧. وبمثلها في التربية النفسية والمعاني الروحية النصرانية شريعة عيسى عليه السلام. أما الشريعة اليهودية التي أرسل الله بها موسى عليه السلام فقد شملت بعض أنواع المعاملات، ولم تكتسب صفة العموم والشمول التي تجعلها صالحة لزمن آخر، وقد أشار القرآن الكريم في عقوبتهم بتحريم الطيبات عليهم إلى هذا: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا، وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} ١. "إن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن أمرأة منهم ورجلًا زنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تجدون في التوراة من شأن الرجم"؟ قالوا: نفضحهم ويجلدون. فوضع أحدهم يده على آية الرجم، أما شريعة الإسلام التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم فإنها جاءت وافية بمطالب الحياة الإنسانية، وتحقق لها أهداف العمران في شتى جوانب حياتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهذا هو ما نعنيه عندما نقول: "الإسلام دين ودولة". وقد اكتسبت نصوص الشريعة الإسلامية من المرونة والعموم ما جعل قواعدها وتقود الحضارة الإنسانية إلى معالم الحق وسبيل الرشاد، ولهذا أكمل الله بها الدين وأتم النعمة: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا} ١. الفرق بين التشريع السماوي والتقنين الوضعي: وبهذا يتبين الفرق بينهما، ١- القانون الوضعي تنظيم بشري من صنع الناس، لا ينبغي مقارنته بالتشريع السماوي الذي جاء من عند الله؛ للفرق بين الخالق والمخلوق، ٢- والذين يضعون القانون بشر، وتتغلب عليهم العواطف البشرية، فيقعون تحت تأثير هذه العوامل التي تحيد بهم عن تقدير الحق، فإنهم لا يستطيعون أن يدركوا حقائق الأمور، وبهذا تكون القوانين الوضعية عرضة للتغيير والتبديل، ولا يكون لها مقياس ثابت لحكم، فما هو حلالٌ اليوم قد يصير حرامًا غدًا، وبذلك تختلف موازين الحياة ومقاييس الخير والشر، فتظل الحياة الإنسانية في اضطراب دائم، كما نشاهده اليوم في حياة الأمم التي تحكم بغير ما أنزل الله. والشريعة وحي إلهي منزه عن ذلك كله، وما يصلح معاشهم ومعادهم، وما يحقق لهم الخير في دنياهم وأخراهم {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} ١، ولا سبيل إلى الأخذ فيها بالرأي المجرد عن الدليل، والنبي صلى الله عليه وسلم مع عصمته لا يتبع إلا الوحي {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيّ} ٣، ولا يكون حكمه إلا بما علم عن الله {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّه} ٤، ٣- والقانون الوضعي نظام محدود القواعد، يلبي حاجة الجماعة لتنظيم حياتهم الحاضرة، نشأ بادئ ذي بَدء في نظام الأسرة، ولم يتحول إلى نظريات علمية إلا في القرن التاسع عشر. ٤- وقواعد القانون الوضعي مؤقتة لجماعة خاصة في عصر معين، فهي في حاجة إلى التغيير كلما تطورت الجماعة وتجددت مطالبها. وقواعد الشريعة الإسلامية -بصفة خاصة- لم تأت لقوم دون قوم، تسد حاجة الجماعة وترفع مستواها في كل عصر، وقد مر على الشريعة الإسلامية زهاء أربعة عشر قرنا من الزمان، واندثرت فيها مئات القوانين والأنظمة، مبادئها رأسا على عقب، ولا تزال تلك الشريعة غضة صالحة لكل زمان ومكان، ٥- والقانون الوضعي لا يتناول سوى المعاملات المدنية، في الشئون الاجتماعية والاقتصادية التي تقوم عليها سلطة الدولة إذا استثنينا ما يتصل بالعلاقات الدولية، ولا يمت بصلة إلى عقيدة التوحيد ومقتضياتها. والشريعة الإسلامية تتناول الإيمان بالله ورسله وعالم الغيب، ٦- والقوانين الوضعية تهمل المسائل الأخلاقية، وتقصر المخالفة على ما فيه ضرر مباشر بالأفراد، أو إخلال بالأمن والنظام العام، فلا تعاقب القوانين الوضعية على الزنا في هاتين الحالتين يمس ضرره المباشر الأفراد، وأكثر القوانين الوضعية لا تعاقب على شرب الخمر، ولا تعاقب على السكر لذاته، وإنما تعاقب السكران إذا وجد في الطريق العام في حالة سكر بيِّن، فالعقاب على وجوده في حالة سكر في الطريق العام؛ لأن وجوده في هذه الحال يعرض الناس لأذاه واعتدائه، وليس العقاب على السكر لذاته باعتباره رذيلة، ولا على شرب الخمر باعتبار أن شربها مضر بالصحة، والشريعة الإسلامية شريعة أخلاقية، وليست الأخلاق في الإسلام أدبا يجمل صاحبه، ولكنها التزامات من واجبات الدين. يجعل حياة الناس قائمة على المعروف والحسنى، وقد حث الإسلام على أمهات الفضائل الإنسانية ودعا إلى المثل العليا، وحدها لا تكفي في ردع المجرم، ولكن الناس يدركون أن لا سلطة للقوانين الوضعية إلا إذا وقع المرء تحت طائلة المخالفة، فيكون المجال فسيحًا للخروج على القانون بوسائل الحيلة والدهاء. فلا يقف دون وصول الناس إلى أغراضهم السيئة من فساد في الأرض قانون مهما كان دقيقًا. والشريعة الإسلامية تنبثق من فكرة الحلال والحرام، يخشى عقاب الله الأخروي أكثر من خشيته للعقاب الدنيوي، له أثره المترتب عليه في الدنيا من أداء الواجب، أو إنشاء الحق أو زواله، ولكن هذا الفعل الذي يترتب عليه أثره في الدنيا له أثر آخر مترتب عليه في الآخرة هو المثوبة أوالعقوبة الأخروية، وفي قطع الطريق أو الحرابة يقول تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيم} ٢. وفي إشاعة الفاحشة ورمي المحصنات يقول جل شأنه: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} ١ . وبذلك يقيم الإسلام من داخل النفس البشرية رقابة على تعاليمه، بحيث يرعاهم المسلم في جوف الليل، كما يرعاها في وضح النهار، وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأحسب أنه صدق فأقضى له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم، فليأخذْها أو ليتركْها" متفق عليه. أدوار التشريع ومراحله في تاريخ الفكر الإسلامي: يذهب بعض الباحثين في تقسيم أدوار التشريع والفقه الإسلامي إلى مراعاة النشأة والتطور،