صفاته وأخلاقه عليه السلام من خلال استعراض مواضع الآيات التي ذكر فيها نوح عليه السلام وفيما يخص صفاته وأخلاقه فقد اهتديت إلى أن هذه الصفات والأخلاق يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام، وبيان ذلك فيما يأتي: أولًا: صفات نوح عليه السلام وأخلاقه مع الله تعالى: وبيان ذلك فيما يأتي: الإخلاص. وشدة خضوعه وانقياده وتسليمه لأوامر الله عز وجل، فاستثنى عباد الله الذين أخلصهم للإيمان برسله من المنذرين الذين وقع بهم عقاب الله تعالى فأخلص العمل والإيمان لله تعالى. الثانية: بفتح لام (المُخْلَصين)، وقال أبو زهرة في تفسير قوله تعالى: (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3) ) [الإسراء:٣]: بل كان خاضعًا لله سبحانه وتعالى. والخضوع لله تعالى وحده هو العزة التي لا ذل فيها ولا استكبار» ومن إبقاء الثناء الحسن له على جميع ألسنة الناس، ومن إجابة دعوته، لأنه كان محسنًا لله عز وجل في أقواله وأفعاله، ومعروفًا بهذه الصفة، فقال جل جلاله: (إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ). والصبر الطويل على أذى قومه، وغير ذلك من ألوان عبادته عليه السلام وأفعاله وأقواله اتصف نوح عليه السلام بهذه الصفة، وتخلق بهذا الخلق، ولم يمل، فقد دعاهم إلى الله تعالى ألف سنة إلا خمسين عامًا، سالكًا وآخذًا جميع السبل في ذلك -كما سيأتي في أساليب دعوته- فقال الله تعالى عنه: (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) ) [نوح:٥-١٠]. فلما أوحى الله تعالى إليه أنه لن يؤمن من قومه إلا هذا العدد القليل، ورأى أنه لم تعد هناك من فائدة في دعوة قومه، فقد حان الآن وقت المفاصلة، وبالرجوع إلى تفسير هذه الآية الذي مر معنا نجد أن نوحًا عليه السلام قد واجه قومه، ولم يمتلك سوى رصيد الاعتماد والتوكل على الله عز وجل الذي أرسله إلى هؤلاء القوم، ولكنهم لم يستجيبوا فقول نوح عليه السلام: (فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ ) نجد أنه حصر من يتوكل عليه وما يعتمد عليه في دعوة قومه على الله عز وجل وحده، وهذا مستفادٌ من تقديم شبه الجملة (على الله) على الفعل (توكلت). وفي هذا الكلام منه عليه السلام ما يدل على مدى وثوقه بنصر ربه الذي أرسله، كما يدل على عدم مبالاته بما يتوعده به قومه ثم إن قوله عليه السلام: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ ) يظهر التحدي الكبير، ثم ينفذوا ما اتفقوا عليه دون تهاون أو تردد أو تأجيل، الذي لا يقوله القائل إلا وهو مالئٌ يديه من قوته، واثق كل الوثوق من عدته، ذلك الذي يصل صاحبه بمصدر القوة الكبرى المسيطرة على هذا الكون بما فيه ومن فيه، فليس هذا التحدي غرورًا، وليس انتحارًا، إنما هو تحدي القوة الحقيقية الكبرى للقوى الهزيلة الفانية، التي تتضاءل وتتصاغر أمام أصحاب الإيمان » ويخلص من هذا إلى أن الدعاة إلى الله عز وجل يجب عليهم أن يتخذوا من التوكل زادًا لهم في سبيل تبليغ هذه الدعوة، ولهم في ذلك أسوة بجميع الأنبياء والرسل وخاصة نوح عليه السلام، فيجب عليهم أن يقفوا في وجه الطغاة، ولن يضرهم هؤلاء الطغاة إلا أذىً من أجل الابتلاء الذي يمحص القلوب حتى تعود الكرة للمؤمنين ويحق وعد الله تعالى لهم بالنصر والتمكين وأخيرًا فقد أعجبني كلام محمد رشيد رضا الذي عقب به على تفسير هذه الآية فقال: «هذه الآية من أبلغ آيات القرآن عبارة، وأجمعها على إيجازها للمعاني الكثيرة من علم النفس، ودرجة إيمان الأنبياء المرسلين وثقتهم بالله عز وجل، وشجاعتهم واحتقارهم لكل ما في الحياة الدنيا من أسباب الخوف من غيره والرجاء فيما سواه، فهو يضرب لحاله ومقامه معهم مثل نوح مع قومه في غرور كل منهم بكثرتهم وقوتهم وتكذيبهم واحتقارهم لرسوله ولمن آمن معه من الضعفاء والفقراء، ونجاة المؤمنين المتبعين له بجعلهم خلائف الأرض وأصحاب السلطان فيها» وقد وصف الله تعالى نوحًا عليه السلام في الآية المذكورة بوصفين: الأول: أنه عبدٌ لله تعالى، غير متكبر بالإشراك، بل كان خاضعًا لله تعالى وحده، فسمي عبدًا شكورًا) وأغرق غيرهم فنوح عليه السلام وإن كان من الأنبياء الذين هم معصومون من الخطأ والذنب والزلل فإنه لا يسعه إلا حلم الله تعالى وعفوه ورحمته أسألك أن تغفر لي ذنوبي. فكان عليه السلام دائم الاستغفار لله عز وجل، وكذلك هو سبب لحصول الرزق، فهما أحق بالدعاء من غيرهما، ثم بعد ذلك عمم بالدعاء لجميع المؤمنين والمؤمنات؛ ليكون ذلك أبلغ في الدعاء أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) ثانيًا: صفات نوح عليه السلام وأخلاقه: وبيان ذلك فيما يأتي: الإيمان بالدعوة. لقد أثنى الله تعالى على نوح عليه السلام لما قال فيه: (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ) [الصافات:٨١]. هذا الإيمان هو الدافع المحرك للقوى الكامنة في نفس المؤمن، فهذا الإيمان لا يترك صاحبه يهدأ حتى يرى جميع الناس قد دخلوا في دين الله تعالى، وهي قوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (71) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72) ) [يونس:٧١-٧٢]. وقد تقدم تفسير الآية سابقًا بالإضافة إلى إبراز صفة التوكل عند نوح عليه السلام، ولا يعرف التردد والتراجع، ولا يهاب الموت في سبيل دعوته، ويتحدى جميع الخلق فيما يريدون أن ينفذوه فيه، هذا كله؛ الذي لم يكن باستطاعته أن يتخذ موقفًا أو قرارًا حاسمًا بشأن نوح عليه السلام، القدوة الحسنة. إن الداعية يكسب لدعوته بسلوكه الحسن وأخلاقه الحسنة ما لا يكسبه بكلماته وخطبه ومواعظه العديدة، فالناس يتأثرون بسلوك الدعاة العملي أكثر من الخطب الرنانة، فكيف يطلب الدعاة من الناس تنفيذ أمر معين وهم لا يفعلونه، فكأنه يقول لهم: أنا أول داخل في هذا الدين الذي أدعوكم إليه، وأول فاعل لما أمرتكم به العمل والقدرة على الكسب. فنوح عليه السلام قد أمره الله تعالى بصناعة السفينة التي سوف يسلك فيها طريق النجاة هو ومن آمن معه. يقول الله تعالى: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) ) [هود:٣٧-٣٨]. وكان نوح نجارًا، وكان موسى راعيًا وفي ذلك إعلاءٌ لشأن العمل ودليلٌ على شرف العاملين، كما في الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أكل أحدٌ طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده) علو الهمة. هذا وقد أثنى الله عز وجل على أصحاب الهمم العالية وفي طليعتهم ومقدمتهم الأنبياء والرسل عمومًا، وأولو العزم خصوصًا، وعلى رأسهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ونوح عليه السلام هو أحد أولي العزم من الرسل، وتجلت همته العالية في مجاهدته في إعلاء كلمة الله عز وجل، فهو عليه السلام لم يتوان لحظةً، ولم يقصر طرفة عين في دعوة قومه إلى توحيد الله تعالى، فطال مكثه في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وفي هذا دعوة إلى الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى بعلو همتهم في هذا المجال. الثبات. وأنهم أصحاب جاه وبطش، وأنهم قادرون على إنفاذ تهديدهم، فقالوا له: إذا لم تنته عن دعوتك هذه فسوف نرجمك بالحجارة حتى الموت. ولكن نوحًا عليه السلام لم يخفه هذا التهديد فظل ثابتًا على موقفه ومبدئه، فما كان منه إلا أن شكا قومه إل الله تعالى طالبًا منه أن يفصل بينه وبينهم فقال: (رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) ) [الشعراء:١١٧-١١٨]. فقال: (رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ) [هود:٤٥]. فأجابه الله عز وجل بقوله: (يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) ) [هود:٤٦] لأنه بكفر ابنه وجحوده انقطعت الولاية بينه وبين ابنه، وبذلك صار ليس من أهله، فاستعلى نبي الله نوح عليه السلام على عاطفته، ورضي بحكم الله تعالى، والبراء والعداء لمن حاد الله تعالى، ولو كان ابنه وزوجته التي قال الله سبحانه وتعالى فيها: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) ) [التحريم:١٠]. الصدق. ونوح عليه السلام أحد أولي العزم الخمسة الذين قال الله تعالى فيهم: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (7) لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (8) ) [الأحزاب:٧-٨]. وأن يجاهدوا في سبيل تحقيق تلك الغاية بإخلاص العبادة لله جل جلاله، وقد أخذ الله تعالى هذا العهد والميثاق منك أيها الرسول ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام الذين هم أولو العزم من الرسل، الذين تحملوا في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى أكثر مما تحمله غيرهم من الأنبياء، والسبب في أخذ الله عز وجل هذا الميثاق الغليظ ليسأل الأنبياء عن كلامهم الصادق الذي قالوه لأقوامهم، الأولى: أن في هذا السؤال تشريفًا لهؤلاء الرسل وتكريمًا لهم، فيثيبهم جنات النعيم الثانية: فيه توبيخ للمكذبين لأنبيائهم فيما جاءهم به هؤلاء الأنبياء من كلام صادق وإرشاد حكيم، ومما ينبغي الإشارة إليه أن يكون الداعية صادقًا في دعوته؛ لأن المقصد من هذه الدعوة هو هداية الناس إلى البر والتقوى، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، هذا من ناحية، لأنه يبلغ دعوة الله تعالى كما جاءت، كصدق محمد صلى الله عليه وسلم وأمانته في قريش قبل بعثته. فتصدقونني في جميع ما أخبركم به، فما بالكم لا تصدقونني الآن لما أخبرتكم أني رسول الله إليكم؟! أمينٌ على وحيه إلي بإرساله إياي إليكم، وأؤدي الأمانة شئتم أم أبيتم، قبلتم الدعوة أم توليتم، فقد وضح لكم صدقي، فأنا لا أخاف ما تتوعدونني به ومما تجدر الإشارة إليه أن الداعية يجب عليه أن يكون مشهورًا بالأمانة بين الناس؛ والشفقة عليهم، والرأفة بهم، والحرص على إنقاذهم من الضلالة إلى الهداية؛ ليدعوهم إلى إفراد الله تعالى وحده بالعبودية؛ لأنه الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور، فإن لم تفعلوا وبقيتم على ما أنتم عليه من الكفر والجحود فإني أخاف عليكم أن يحل عليكم يومٌ يعظم فيه بلاؤكم ويقصد بهذا اليوم يوم الطوفان الذي هلكوا فيه جميعًا في الدنيا، فقول نوح عليه السلام: (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) يعد من «نصحه عليه السلام وشفقته عليهم، كما أن قوله عليه السلام: (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) يعني: أن وظيفتي هي أن أبلغكم ما أرسلني به الله عز وجل إليكم ببيان توحيده وأوامره ونواهيه؛ أني أقصد لكم الصلاح والخير والفلاح في الدنيا والآخرة فهو يعلم عن طريق الوحي من أمر الله وسنته في خلقه وما يتبع هذه الدنيا من أحوال الآخرة ما لا يعلمون، ولم يبق إلا من آمن مع نوح. ناصحًا بالله، فإنه يتبين لدى المدعوين مدى حرصه على هدايتهم؛ لئلا يعرضوا أنفسهم لعقاب الله تعالى في الدنيا والآخرة، ويسمعوا منه، عند الاطلاع على قصة نوح عليه السلام في مخاطبته لقومه نجده يقول: (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ) [يونس:٧٢]. فإنه يؤكد على أن عدم استجابتهم لدعوته لا يعود إلى سؤاله المال منهم، فيثقل عليهم مكافأته عند استجابتهم، وكذلك نجد في قصص الأنبياء مع أقوامهم أن جميع الأنبياء والرسل عندما كانوا يخاطبون أقوامهم يبينون لهم أنهم لم يطلبوا من وراء دعوتهم مالًا أو أجرًا على ذلك أو مقابل استجابتهم، فيقولوا: هذا جاءنا ليأخذ أموالنا. فيمتنعون عن قبول الدعوة. لكنا لا نريد منكم أنتم أجرًا، وعليه، فإن هذه الصفة هي سنة مطردة عند جميع الأنبياء والمرسلين، فهم لا يطلبون لأنفسهم أجرًا مقابل دعوتهم، فلا يسمع أو يستجيب له أحد؛ لذلك يجب على الداعية أن يزهد عما في أيدي الناس فضلًا عن أن يكون كريمًا حتى يجمع الناس حوله ولا ينفرهم. تخلق نوح عليه السلام بهذا الخلق الرفيع، فقد تحمل أذى قومه تسعمائة وخمسين عامًا وهي أطول فترة دعوة، واستخدم معهم جميع الأساليب والوسائل الدعوية إلا أنهم كانوا يكذبونه ويزجرونه، ويتهمونه بالجنون والسخرية والاستهزاء، فلما بلغ السيل الزبى دعا ربه فقال: (أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ) [القمر:١٠]. وانتصر له من قومه، فقال جل جلاله: (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) ) [الصافات:٧٥-٧٦]. وعليه، ليصل إلى بغيته ويحقق به آماله وطموحاته. وبما أن دعوته فيهم طالت فلنا أن نتخيل حجم هذا الإيذاء طيلة هذه القرون، وعندما كان نوح عليه السلام يواجههم ويخاطبهم في أمر الدعوة كان لا يلقى منهم إلا الكذب والزجر والاتهام بالسخرية والاستهزاء، هذا بالإضافة إلى التهديد الصريح المباشر الذي كانوا يلجؤون إليه عندما لا يجدون منطقًا سليمًا وحجة قوية يردون بها على نوح عليه السلام، ومع ذلك لم نجده عليه السلام قد ثأر لنفسه ولو مرة واحدة فقط، وقال بكل بساطة: (رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) ) [الشعراء:١١٧-١١٨]. لأنه يواجه أقوالًا وتصرفاتٍ كثيرةً من شأنها أن تثير غضبه، تخلق نوح عليه السلام بهذا الخلق الرفيع أيضًا، فمن خلال الحوار الذي دار بينه وبين قومه لأجل الدعوة نجد أنهم اشترطوا على نوح عليه السلام أن يطرد الذين آمنوا معه من الضعفاء والفقراء، أو أن يخصص لهم مجلسًا خاصًّا بهم لا يلتقون فيه مع هؤلاء الضعفاء والفقراء الذين سموهم أراذل القوم، وهذا من باب استكبارهم وأنفتهم وترفعهم، وليس بالموازين الوضعية الحقيرة التي يزنون بها من الغنى والثراء بل تواضع لهم،