موطن الإنسانويةوراء انطلاقة الحركة التي ، انطلاقاً من إيطاليا ، شروط العمل الفكري وأسلوبه ، نجد رجلاً لم يكن معداً ، ابن كاتب عدل فلورنسي . اصطحبه والداه إلى كاربنتراس ) في الأراضي البابوية . منحه انخراطه في السلك الكهنوتي وبعض الفوائد الكنسية الوسائل التي تخوله أن يعيش حياة شبيهة بحياة الكثير من الإيطاليين الذين جملهم إلى سواحل الرون استبعاد الكرسي خلال الرسولي الطويل الأمد . فالبـابـا والامبراطور وحتى بعض الحكام مثل ( آل فيسكونتي ( كانوا يبدون كل عناية ولطف تجاه رجل الآداب هذا الذي شهده الغرب يتلقى هذا النوع من الدلال والرعاية ، حصل على إكليل الغار في الكابيتول ( مقر السلطة ) . ويبدو أن المشاكل السياسية لم تكن بغريبة عنه : فقد أعلن موقفه من مسألة استرجاع الجمهورية الرومانية من قبل كولادي ريانزو ) ، ومن الامبراطورية مع جماعة الاكليروس . ولم تكن تصريحاته لتمنعه من إيقاف نشاطه ، وقد توفي في مدينة « آركا » ، لا شك في أن بترارك كان مديناً بجزء كبير من نجاحاته لأسلوبه الساحر . إذ كان ذا بلاغة تفوق الوصف ، حتى اليوم بقيمتها التي اعترف له بها إيطاليو القرن 14 . لقد كان شاعر ( لور ) والغراميات المستحيلة يجمع بين الشكل الكلاسيكي والإيحاء الرومانسي . كان يعرف كيف يعبر عن الحالات النفسية التي يشعر بها الكثير من أبناء زمانه . بالآداب اللاتينية التي تمكن أحد معلميه من إطلاعه على غنى محتواها فلم يكن ليكتفي بتمجيد إتقانها الشكلي ، وفي رأيه أن انهيار النظام الروماني جعل الناس فقراء ومستضعفين . وستبقى دروب المجد مقفلة في وجههم طالما لم يسعوا إلى إحياء هذا الماضي . قد يعود العصر الذهبي ، لا سيما وأن الإيطاليين كانوا يتهافتون على قطف ثمار هذا الخير العميم الذي يتحتم عليهم الإهتمام بتحقيقه . ويبدو أن الحماسة التي أثارتها في نفس بترارك ذكرى المجد الروماني كان متوافقاً مع تعلقه بأرض آبائه وأجداده . لم تكن طبيعة بترارك ولا نتاجه خلوا من حالات الضعف . إذ كان الرجل كتلة . كان مترعاً بالأمجاد ، كان يرتاد البلاطات والقصور ، إن هذا الإنسانوي لم يكن كاملاً إذ إنه لم يتوصل إلى امتلاك لغة . كما لم يكن موفقاً في اختياره للمعلمين الذين اقترحهم على تلامذته وأتباعه . فهو كان يكتفي بسطحية الأمور . فإليه يعود الفضل في نقل الحماسة التي كان يثيرها ويحركها إلى أبناء عصره . أما العمل الذي باشره فلم يتوقف . فإليه يعود الفضل في نقل الحماسة التي كان يثيرها ويحركها إلى أبناء عصره . أما العمل الذي باشره فلم يتوقف . إذ كانباستمرار يسبر غور المجال الواسع الذي كانت تقدمه العصور القديمة الكلاسيكية ، مع السنوات الأخيرة من القرن 14 إلى التنقيب في المكتبات ، تمكن ( كولوشيو سالوتالي ، من وضع يده على ( رسائل إلى خلصاء شيشرون ) ، خاص هو الذي توصل في هذا المجال إلى أفضل النتائج . إلى ( كونستانس ) . وهناك أفاد من أوقات فراغه بأن راح يتعرف إلى الأديرة الموجودة في الجوار ، في سانت غال ) من الحصول على وثائق نادرة : فيجلب منها و الأسلوب الخطابي ) لـ « كوانتيليان ) ، من أعمال و فاليريوس فلاكوس ) ، ثم انطلق في أعماله التنقيبية نحو فرنسا حيث زوده و لانغر » و « كلوني ( خاصة بعشرة من خطب شيشرون . لم تكن كافية لتقويم النصوص المحرفة ، والحال أن قواعد اللغة لم تكن لتجتذب الأشخاص المولعين بأناقة اللغة أكثر من ولعهم بخشونتها . وكان لورين قالا ) ( 1405 - 1457 ) أول من اعترف بأن الأسلوب الدقيق والمتشدد ضروري في هذا المجال . وكان انتهى من كتابتها عام 1444 في القرن 14 ، كان كل مثقف قادراً على التعبير بلغة الرومان ، ولم يتبدل هذا الوضع إلا بعد قدوم البيزنطيين ، بأعداد متزايدة ، كان يمارس التعليم في فلورنسا منذ العام 1400 ، كما كان لكل من ( البندقية » و « باقيا ، وهو أحد تلامذة كريزو لوراس ( الموهوبين ، أخذ على عاتقه ترجمة أعمال المؤلفين الإغريق . وقد ترجم بتصرف أعمال أفلاطون وأرسطو . بعد أن كان الإستشهاد بمؤلفين لاتين هو الذي أتاح ، وهكذا الإنسانويون إلى إحياء كامل الحركة الفكرية التي سادت عصرهم وذلك بفضل إسهام الحكمة القديمة . ويشكل مرشداً لكل من ( البرت الكبير » و « توما الأكويني ) في تأليف مجمل كتاباتهما . وبعد عام 1400 ، مارسيل فيسين كرس و مارسيل فيسين ) ( 1433 - 1499 ) أكثر جهده لإعداد توليف يجمع بين الأفلاطونية والمسيحية . وبدءاً من عام 1456 ، في المبادىء الأفلاطونية ، أن يترجم جميع الحوارات . لكنه قبل أن ينجز هذا العمل ، خلال تلك الفترة حصل على رتبة قس وكاهن قانوني . ويبدو أن بعض النقاشات الحامية مع أنصار ابن رشد كانت لفتت انتباهه إلى مسألة خلود الروح . فإذا به يقدم لخصومه ، حججاً كان استقاها من الفلسفة اليونانية ، وكان الإطار العام لتفكيره يتبعالخط الذي رسمه أفلاطون . أما العمل الذي أثنى عليه فهو : الوليمة ) . إلى شعشعانية المثل ونورانية الله حتى في حديثه عن الروحانية ، وحري بالذكر أنه لا الخطيئة الأولى ولا الخلاص لم يأخذا في مذهب فيسين المكانة التي كان يجدر بهذا القس إعطاؤهما إياها درس العربية ثم أراد و جان پيك لاميراندول ، توسيع الأفاق التي كان بدأها فيسين على نطاق واسع . كان ذا قدرة خارقة على الفهم والإدراك ، بحيث لم يترك ميداناً من ميادين المعرفة إلا طرقه وسبر غوره . ولم تكن صعوبات العمل ، فالمقترحات التسع مئة التي جاء ليدعمها في روما أدت إلى إدانته . وكان أودع السجن في فنسان ) ، بحيث أفاد من التساهل الذي أبداء نحوه اللاهوتيون الباريسيون الذين لم يكونوا تهيأوا بعد لمواجهة الدومينيكيين الرومان . وإذ يشمله العفو ، يرتمي باندفاع في أحضان الدين ، بعد أن كان شرع بحماسة في بناء بعض النظريات . ولو عاش مدة أطول ، كان له من العمر ولم تكن توصلت وفرة مقاصده وعمق تفكيره إلى تشكيل واحد وثلاثون عاماً . فقد تعمق في دراسة العبرية كي يتمكن من الاطلاع على الفكر اليهودي ، ليتسنى له قراءة القرآن بالنص الأصلي . وحدها مسيحية متحررة من نواميسها ومتحولة إلى روحانية محض تملك من المرونة ما يجعلها تتفاهم مع المذاهب ذات المفاهيم المختلفة عنها ، الغنوصية Gnostique نزعة فلسفية هدفها التوصل إلى إدراك كنه الأسرار الإلهية . ويبدو أن البحث الدؤوب في أمور الطبيعة كان أكثر اجتذاباً البعض العقول المفكرة من المغامرة الميتافيزيقية . ففي فلورنسا ، وكان « نقولا دو كويز ) قد شرفه بصداقته . وإلى الأسلوب الملتزم الذي أوصى به لوران قالا ، ، أضاف ليوناردو القدرة على اختراق الخاص للوصول إلى العام . لقد كان فعلاً ما حاول سلفه ، ولم يكن الإنسانويون يتوقعون أن يروا بأم العين تجسد هذا المثل الأعلى في شخص ليوناردو ، ولم تكن التربية عملا ينبذه المفكرون المتميزون كمثل ( غاسپارین دو بارزيزا ، غير أن فكتوران دو فلتر ، بإعداده على الصعيد النظري . أما الإنسان الصالح الذي يفخر بإعداده ، وقبل عام 1450 ، كان الأمراء الشبان وحدهم يقطعون ثمرة هذه التأملات في فن تربية جميع الملكات البشرية بشكل متناسق . نذكر مثلاً أن و جان - فرانسوا غونزاغ ) عهد عام 1423 إلى ( فيكتوران دو فلتر ) بتربية أبنائه . لم تكن المدارس الحديثة تنافس المؤسسات القديمة بشكل واضح بل كانت تتممها . أما الجامعات فكانت تحتفظ بأفضل ما لديها للطلاب المتفوقين . إذ كانت متشددة مع الشبيبة المبتدئة مما يؤدي إلى حدوث العديد من حالات الفشل . وكانثمة غياب لما شكل فيما بعد التعليم الثانوي . فإذا بالإنسانويين كغيرهم يعملون على ملء هذا الفراغ ، على التعليم الإعداديلم تكن الجامعات مدعاة ازدراء الإنسانويين ، لم تكن لتشكل الإطار الذي ينشرون فيه أفضل أعمالهم . التي راحت تشكلها جماعات المعلمين والطلاب . فيفضلون عليها الحلقات التي تضم بعض الأصدقاء وقد التقى اعضاء اكاديمية فلورنسا حول مذهب افلاطون التقوي الذي راحوا يبذلون جهودهم للتوفيق بينه وبين المسيح . أما أكاديميات روما فبلغ بها التهور إلى حد اتباع ( پلاتینا » و « پومپونيو ليتو » اللذين تبدت خطورتهما في كونهما يلعبان دور الكهنة الوثنيين . فكان أن انتهى هؤلاء الوثنيون الجدد في السجن والتعذيب . ومن أهم ممثليها ( بوجيو براشيونيللي » و « لوران قالا ) اللذان كانا يعملان في خدمته . بيد أن بولس الثاني لم يكن متساهلا كنقولا الخامس وبيوس الثاني ، فيعتبر أن الأكاديميين تجاوزوا الحدود التي يمكن قبولها والتساهل بها فيعمل على معاتبتهم بشدة . إنما يمكن القول إن مغامرتهم تلك كانت مسألة نادرة . لم يتوانوا عن التنقيب عنها في المكتبات التي راح عددها يتضاعف إبان تلك الفترة . وكان يتيسر لكل أمير أن تجتمع لديه هذه المزايا الحسنة . أما المدن الإيطالية فتحولت إلى مساحات للدراسة . مع أسد قائم عند قدميه ، ومجموعة رائعة من الكتب في متناول يده'كانت الإنسانوية محركاً لأشخاص يفيضون بالطاقة : فإذا ببعضهم يستنفدها . مع نوع من الحرية الهمجية ، من هؤلاء نذكر فرانسو فيليلف الذي كان يرافقه العبيد من الذكور والإناث . في حين اقتصر بعضهم الآخر على وضع جميع . بالنسبة لمعظمهم ، وهنا يكمن سر توافقهم المتعطشين للتحول إلى أمراء . لقد كانوا جميعاً يطمحون إلى هذه العظمة التي اعتبرها و توماس پارونتشيللي ، عندما : تنصيبه حبراً أعظم باسم « نقولا الخامس ) . أما الإحتفالات التي كانوا مغرمين بها والتي يتولون تنظيمها فشبيهة بالإستقبالات الإحتفالية التي سادت في العصور القديمة . لقد بدأوا يشعرون أنهم بلغوا عتبة العصر الذهبي الذي تنبأ به بترارك ، الإنسانوية تغزو أوروباالطغاةتمنقلولا دو کویزكان و نقولا دو كويز ) ( 1400 - 1463 ) ابناً لبحار بسيط . ويدل عمله ونتاجه على عبقريته . ويبدو أن انصراف دو كويز » . إلى البحث العلمي والتأمل لم يكن أمراً ميسوراً فقط . ورغم كونه لم يلق السعادة قط في هذا المجال ، بين 1435 و 1449 ، دوراً هاماً في المباحثات المتعلقة بالأزمة المجمعية الثانية ، فيكافاً على براعته بتوحيد الكاثوليك . ويجتمع إلى الروم الذين لم تزعجه رؤية كنيستهم تتصالح مع كنيسة روما . وعندما عين مبعوث ونقولا الخامس ، بدأ يعمل دون كلل ولا ملل من أجل الإصلاح . ثم لم يلبث أن انتشل مسرحيات و بلوتس ، لقد قرأ كل ما استطاع الوصول إليه من التراث اليوناني بدءاً من أعمال أفلاطون إلى الكتابات الهرمسية ( الغامضة ) ، وحاول الإطلاع على الحكمة الإسلامية واللغة العربية ، فتوصل على الأقل إلى التعرف إلى مبادئهما . كان شديد الحرص على التألف مع تقاليد الروحانية المسيحية ، دون أن يغرب عن باله در لول ، ، ولا المعلم ( أوكهارت ) . كان يطمح للقيام بعملية توحيد شاملة ، مما دعاه إلى تنظيم وتنسيق معرفته التي وزعها على مستويات ثلاثة . وللنفاذ إلى المستوى الثالث ، لكن ذلك لا يحدث نتيجة للإستدلال المنطقي . فلم ير فيها أي نظام جامد . ومن خلال قراءته الواعية لأفلاطون ، ينتهي المبدأ الإلهي إلى التواصل مع المادة نفسها . فيمر بالإنسان الذي يسمو فوق هذا المنحى المادي ، ليصل إلى مصدره ، كان ( نقولا دو كويز » يتقدم بسرعة ، لم يحاول الإسهاب في توضيح أفكاره . كان كذلك شديد القسوة والصرامة بشكل جعل أنصاره قلائل . وقد تربع على مستوى واحد مع الإنسانويين أو الفنانين الذين نشأوا في شبه الجزيرة . ولم تكن تنقصه تلك الشجاعة في الإلتزام بما يبدو أن القدر منعه عنه والذي يسميه الإيطاليون بالفضيلة ، إضافة إلى ذلك ، وعلى غرار « فاوست ) ، فإذا بحياة ( نقولا دو كويز ) تشكل محصلة توليفية تماماً كأعماله . قبل ولادة الإنسانوية بفترة طويلة ، كانت معرفة الإيطاليين ومهارتهم تمارس نوعاً من الإغراء الشديد على بلدان أوروبا الوسطى . كان العديد من الطلاب يتوافدون ، ليتسجلوا في منطقة بولونيا » أو « يادو » . ثم يعودون إلى بلادهم ، كانت تنتظرهم الوظائف الرفيعة في دواوين الدولة وفي إدارات أسقفياتهم . فكانت تخرج علماء ينتمون إلى ميادين رائعة . وبما أن هذه الكليات كانت لا تزال حديثة العهد « كانت أقل تحفظاً من سائر المؤسسات الأخرى في الإنفتاح على التجديد ، أصبحت المدن وبلاطات الأمراء مراكز يقوم فيها رجالات النخبة المحلية بواجب تكريم الآداب والعلوم . وفي عدد من مدن الراين ، تشكلت بعض و الجمعيات ) | المصممة على غرار الأكاديميات الإيطالية . فراحوا يشجعون على تأسيس المدارس ، التي كان يديرها رهبان و الحياة العامة ) . لم تكن الرغبة في إصلاح العالم المسيحي بمنأى عن الترحيب الإيجابي الذي لقيته المناهج والمذاهب الإنسانوية في قلبأوروباكان إهتمام مؤسسي التجديد الديني في هذه البلدان يتركز على مسألة تكوين جيل جديد من المسيحيين بحيث يطال ذلك كل فرد . الذي جعل من مدرسة سان لوبوين ) في ( دوشنتر ) منبت رجالات الأدب ، كان ثمة العديد من الإنسانويين الذين راحوا يفخرون يكونهم مربين . وإثر ( بورباش ، بدأت تزدهر العلوم البحثة على يد تلميذه و رجيو مونتانوس » الذي كان أيضاً من تلامذة و بيساريون ) . من أمثال ( مارتن بهايم ) الذي استخدم فاسكو داغا ما » فيما بعد خريطته الكروية ، لقد كان ثمة حاجة ماسة للإحاطة بكل أنواع المعرفة في الأوساط الإنسانوية داخل الامبراطورية . هذه الحاجة جعلت ( رودولف اغريكولا دو غرمنك ) يرسم . برنامجاً شاملاً لم يرق لـ ( جان تريهام ، الذي جاء بعده كان أكثر منه توغلا في عالم السحر . فقد اجتذبه كل غريب وشاذ ، إنما كي يدرك كنه السر الذي اعتقد أنه اكتشفه في القبلانية ، كان لا بد أن يبذل جهداً أوتي ثماره : كان يتقن اليونانية جيداً ، وبمنهجية تمكن معها من إعطاء أول مؤلف علمي في قواعد صرفها ونحوها فساعد . بالتالي على تسهيل انتشارها على نطاق واسع . وقد اشتد شغفه بهذه اللغة إلى درجة جعلته يتحدى محاكم التفتيش حين واجهت مسألة القضاء على التلمود فكانت سلطته المعنوية كبيرة إلى حد دفع الإنسانويين إلى التحلق حوله . ألف الأكثر حماسة بينهم ( رسائل الناس المغمورين ) ، هذه الرسائل الريفية ) وليدة القرن السادس عشرا وهذه الرسالة النقدية لم تكن تهاجم فقط المدافعين المتصلبين عن الفلسفة المدرسية . بل كانت تمعن في التهكم على معظم المؤسسات الكنسية . لتاسيت نار الإنتقام كان يهاجم الكرسي الرسولي بالعنف نفسه الذي يعتبره معه وريث روما . كان كره الأجانب يمتزج مع العداء للاكليروس ، وتحت رماد الإصلاح ، كانت تختفي نيران الثورة الدينية . تقيم علاقات معينة مع الأوساط الفكرية الإيطالية . منذ نهاية القرن 14 يفرض نفسه على بعض الكتاب المعتبرين . فإذا بالأخوين ( پیار وغوتييه كول » ، و « نقولا دو کلامانج ) و ( جان دو مونتروي ) ، وتحركهم العزة القومية فيسعون ويعملون للبرهنة على أن ثمة أيضاً شعراء وخطباء خارج إيطاليا . الذين ذهب بعضهم ضحية اختلاطهم وعلاقاتهم بـ ( الأرمنياك ) . أتيح للتيارات الأدبية أن تتحرك مجدداً ، فإضافة إلى مذهب بترارك كانت هناك الأفلاطونية المحدثة الفلورنسية التي أثارت الكثير من الإهتمام ، في حلقات الجامعيين المتمرسين بمسائل التفكير والتأمل . زار فلورنسا واتصل فيها بفكر ( پيك » و « مارسيل ، على تجديد مفاهيمها ومعرفتها . حمل معه من رحلته إلى شبه الجزيرة الإعتقاد بأن الفلسفة الاغريقية قادرة على إحياء المسيحية وإعادتها إلى أصولها . وكان الإنسانويون الإنكليز يطورون بعض المفاهيم المماثلة ، وعلى رأسهم ( جون کولیت ، وهو ابن ثري لندني يعيش في إيطاليا . وما دفعه إلى شغفه بالحضارة الكلاسيكية . لكنه لم يلبث أن عاد إلى وطنه مقتنعاً بأن الدين المسيحي هو بحاجة ماسة إلى التطهير والتبسيط . وهناك أيضاً جرى العمل بها . وبالوتيرة المتسارعة نفسها ، فحوالي عام 1455 ، لم تكن و مايانس ) تحوي أكثر من بعض منافسي و غوتنبرغ ) فقط . وكان أن مرور خمسین عاماً : تخصصت بعض المراكز بالنشر . فإذا بالتقنية الجديدة تغير جذرياً في ظروف العمل الفكري . إذ ظهرت حوالي 15 إلى 120 مليون نسخة على الأقل في نهاية القرن 15 . بدأ يحدث نوع من التوحيد المحقق في عالم الفكر . ويتخذ تفوق الحرف الروماني في هذا المجال قيمة أنحاء رمزية . من ( بال » ، فكان له وكلاء في جميع أوروبا . وعملت الطباعة على إعلاء شأن الأمراء وتمجيدهم . التعبير الفني في النزعة الإنسانويةالتصويرلا شك في أن إعادة نبش القديم كان له أثره العميق في عالم الأشكال . على تسريع عجلة التغيير الذي برزت أوائل أعراضه في تاريخ التصوير إبان القرن 13 ومنذ تلك الحقبة ، فقدت الصور سمتها الكهنوتية المتصلبة التي كانت تجعلها شبيهة بالأيقونات البيزنطية ، وربما كان ذلك عائداً لكون الرهبان المتسولين وخصوصاً الفرنسيسكان الذين تركز همهم على الترفق برعيتهم وليس إخافتها ، تمكنوا من استمالة الفنانين نحو مفاهيمهم . وقد تخطى ( جيوتو ) ( 1266 - 1337 ) مسألة صعوبة التوفيق والتوليف بين النظام والحياة . التي لم تعد " مذ ذاك تلصق على خلفية من الذهب المزيف بل تتحرك في إطار منظر طبيعي توصل في نهاية الأمر إلى ابتكار خداع العمق والحجم . أما و مازاشيو » ( 1401 - 1428 ) فسرعان ما ارتقى إلى مستوى الخلق الإبداعي . فإلى جانب الطواعية ، كانت جدرانياته تشتمل على قوة التعبير . في حين كان أمام « باولو أوشيللو »تلك الأثناء ، ظهرت جماعة ، وكان اهتمام هؤلاء الفنانين منصباً على صدق الموضوع أكثر منه على قوة بنائه . كانوا شغوفين بكل ما هو مثير ، ولم ينشدوا الجمال المجرد بقدر سعيهم وراء السحر والروعة . نجد د فيليبو ليبي ) ( 1409 - 1466 ) الذي أضفى على رسوم السيدة العذراء رونقاً حزيناً خالداً ، الذي أوحى إليه موكب الأمراء والقساوسة القادمين إلى مجمع فلورنسا بخلق تحفته الرائعة و موكب ملوك المجوس ، بالمدرسة الفلمندية ، حيث يتمتع الخيال بدقة الواقع نفسه . الذي لم تكن براعته لتقبل بأي نقد ، بل كان و فنه الشديد الإعتدال ، يلامس أحياناًحسيحسيالإتباعيةحري بنا أن نفرد مكانة خاصة لرسامين لا يشتركان ، وهما : « فرا أنجليكو » ( 1387 -1455 ) الذي استطاع أن يضفي على أعماله روعة نوع من التدين الرقيق والعنيف آن معاً ، فعندما كان راهباً دومينيكياً في وسانت في تماماً . الذي أدرج طبعاً مبتكراته في سياق مغاير : لوحة و الربيع ) ولا ( ولادة فينوس » تراتيل ( لأجل مجد المسيح : لكن الرسام كان ذا مزاج قلق ، فيتبع تأملات معاصريه الفلورنسيين حول الرسالة الأفلاطونية ويبدو أن العاصفة التي أثارها و سافو نارول ) هزته بعنف أدى به إلى إحراق الأعمال اللادينية التي كانت بحوزته . بالإجلال الشديد الذي كان الفنانون يكنونه لآثار القدماء . فكان و جاكوبو دلاكويرسيا ) ( 1367 - 1438 ) أول من تخلى عن التقاليد الأيقونية ( 1 ) في العصر الوسيط ، وأول من استعمل المعجون قاعدة ، الذي كشفت ( تعليقاته ) عن الإعجاب الذي يكنه للفن الإغريقي - اللاتيني ، فلم يقتبس لنماذجه ، التي احتفظ فيها التراث القروسطي بمنزلة هامة . بيد أن تحفته الرائعة تبقى دينك البابين البرونزيين في معمدانية فلورنسا ، فلا يوجد فيها أي تناقض بين النظام والحياة . ونتبين أن و دوناتيللو » ( 1386 - 1466 ) أعطى نماذجه أبعاداً واسعة جداً . فكان البرهان الساطع على العودة المتعمدة إلى النموذج القديم : لقد استوحى ( دوناتيللو فنه من تماثيل الخيالة التي نصبها الرومان على شرف أباطرتهم . الذهاب إلى أبعد من لقد ترك لنا ( داود ) ذا الجسد المطواع والأملس ، بأن عصر النهضة كان يستبدل الجمال بالملاحة والرشاقة ، فن العمارةتمكن و برونليشي ؟ ( 1377 - 1446 ) من الإرتقاء بسرعة إلى مستوى الأعمال الفنية الرائعة في فن العمارة . فكانت قبة ( سانت ماري دي فلور ، في بداية الأمر تجربة تتطلب القوة في النظام التقني ، فإذا بها تبلغ ذروة الكمال الجمالي : تتناسق خطوطها وأبعادها بشكل خلو من أي تنافر . ب. البرتي ) إنجازاته على تأملات نظرية تحدد انطلاقها من خلال القراءة الواعية لـ « فيتروف ) . وأكثر ما برز إبداعه في بناء واجهات الأبنية . تذكر مثلاً أن واجهة كنيسة وسان فرنسيسكو » في ( ريميني ، اكتسبت شكل قوس نصر يحتمل أن يكون دفع و مالانستا ، إلى تحويل هذا الحرم إلى معبد تكريماً لعشيقتهو أيزونا ) . عمومية عصر النهضةلدى تجولنا بين مختلف قطاعات الفن ، قمنا بتجزئة ما عصر النهضة يسعى : بشغف إلى توحيده . ولم يكن أي من مؤسسيه ليقبل بحصر في ميدان واحد : فمن نقاش ، إلى مهندس معماري . فراح يمارس الرسم بل ويعمل في إخراج الإحتفالات والأعياد . وقد انكب معظم هؤلاء المبدعين مطولاً على المعطياتكاننشاطهالنظرية المتعلقة بإنجازاتهم ، فلم يتركوا تأملاتهم تقف عند حد معين . أما هدفهم فكان إدماج اكتشافاتهم في كل متناغم . وإذا بالفن يشكل وسيلة تصوير أو على الأقل إظهار النظام الكامن لهذا العالم على هذا الأساس ، يبسطون طموحاتهم على كل ما يشكل دائرة الوجود البشري ، وربما كانوا اكتشفوا بأنفسهم قوانين تنظيم المدن لو لم تتوفر لديهم دراسة عن المدن القديمة . التفكير في الأمور وإخضاعها لعمله . أما من يستجيب إلى هذا التحديد فهو الفنان وحده . ويبدو أن التطابق كان قائماً بين التيار الإنسانوي والنهضةالفنية . كما رؤية شبه الجزيرة الإيطالية سابحة في نور ربيعي جديد . كان لا بد من الإستخفاف بالتصوير الفلمندي وعدم إقامة أي اعتبار للأخوة ( فان إيك » و « روجيه فان در ويدن ) . يعني التجاهل أن فن الرسم ومزج الألوان ، تقدما بخطوات واسعة في أقل من قرن ، بحيث تشير اسماء كونراد ويتز » و « مارتن شونغویه » و « ماتیاس غرونفلد ، إلى بعض الحقبات التاريخية الهامة . وكيف ننسى أن الفنانين الإيطاليين كانوا مدينين لـه الفلمنديين ) بأكثر من تجديد ناجح في تقنية التصوير ؟ أما كانت الإحتفالات في بلاطات الأمراء حرمت من أحدى أقوى مفاتنها لولا وجود الموسيقى التي تأمن ازدهارها على يد المدرسة الفرنسية - الفلمندية ؟ لقد نشأت بـ الشمال والجنوب و علاقات تجابل ، فلم ( يتجنب التعارض في التصوير بين الشمال والجنوب ، انطلق و ألبير دوريه : ( 1471 - 1528 ) إلى إيطاليا بحثاً عن زهور عصر النهضة بغية تكييفها مع مناخ البلاد الجرمانية .