هذا هو الاصطلاح المعاصر الذى يقصد به بذل عناية خاصة بالمخطوطات حتى يمكن التثبت من استيفائها لشرائط معينة .فالكتاب المحقق هو الذى صح عنوانه ، وكان متنه أقرب ما يكون إلى الصورة التى تركها مؤلفه .وعلى ذلك فإن الجهود التى تبذل فى كل مخطوط يجب أن تتناول البحث فى الزوايا التالية :١ - تحقيق عنوان الكتاب . تحقيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه . تحقيق متن الكتاب حتى يظهر بقدر الإمكان مقاربًا لنص مؤلفه .وبديهى أن وجود نسخة المؤلف - وهو أمر نادر ولا سيما فى كتب القرون الأربعة الأولى - لا يحوجنا إلى مجهود إلا بالقدر الذى نتمكن به من حسن قراءة النص ؛ نظرًا إلى ما قد يوجد فى الخط القديم من إهمال النقط والإعجام ، ومن إشارات كتابية لا يستطاع فهمها إلا بطول الممارسة والإلف . وهذا الأمر يتطلب عالماً فى الفن الذى وضع فيه الكتاب ، متمرسًا بخطوط القدماء .وبهذه المناسبة أذكر أن إهمال النقط والإعجام قد امتد شىء منه إلى قرون متأخرة ، فالناظر فى خط ابن حجر - وهو من علماء القرن التاسع - يرى هذا الإهمال بوضوح تام . فبعض المخطوطات يكون خاليًا من العنوان : ١ ) إمَّا لفقد الورقة الأولى منها . ٢ ) أو انطماس العنوان .٣) وأحيانا يثبت على النسخة عنوان واضح جلى ولكنه يخالف الواقع : أ ) إما بداع من دواعى التزيف . ب ) وإما لجهل قارىء ما وقعت إليه نسخة مجردة من عنوانها فأثبت فيحتاج المحقق فى الحالة الأولى إلى إعمال فكره فى ذلك بطائفة من المحاولات التحقيقية ، كأن يرجع إلى كتب المؤلفات كابن النديم ، أو أن يتاح له الظفر بطائفة منسوبة من نصوص الكتاب مضمنة فى كتاب آخر ، أو أن يكون له إلف خاص أو خبرة خاصَّة بأسلوب مؤلف من المؤلفين وأسماء ما ألف من الكتب ، فتضع تلك الخبرة فى يده الخيط الأول للوصول إلى حقيقة عنوان الكتاب . والانطماس الجزئى لعنوان الكتاب مما يساعد كثيرًا على التحقّق من العنوان الكامل متى وضح معه فى النسخة اسم المؤلف ، فإن تحقيقه موكول إلى معرفة ثبت مصنفات المؤلف وموضوع كل منها متى تيشَّر ذلك . وأما التزييف المتعمد فيكون بمحو العنوان الأصيل للكتاب وإثبات عنوان لكتاب آخر أجل قدرًا منه ليلقى بذلك رواجًا ، أو يكون ذلك مطاوعةً لرغبة أحد جماع الكتب . وقد ينجح المزيف نجاحًا نسبيًا بأن يقارب ما بين خطه ومداده وخط الأصل ومداده ، فيجوز هذا على من لا يصطنع الحذر والريبة فى ذلك .وأما التزيبف الساذج فمنشؤه الجهل ، فيضع أحد الكتاب فى صدر الكتب الأغفال عنوانًا يخيَّل إليه أنه هو العنوان الأصيل .إن كل خطوة يخطوها المحقق لابد أن تكون مصحوبة بالحذر ، فليس يكفى أن نجد عنوان الكتاب واسم مؤلفه فى ظاهر النسخة أو النسخ لنحكم بأن المخطوطة من مؤلفات صاحب الاسم المثبت ، بل لابد من إجراء تحقيق علمى يطمئن معه الباحث إلى أن الكتاب نفسه صادق النسبة إلى مؤلفه .وأحيانًا تفقد النسخة النص على اسم المؤلف ، فمن العنوان يمكن التهدى إلى ذلك الاسم ، بمراجعة فهارس المكتبات ، أو كتب التراجم التى أخرجت إخراجًا حديثًا وفهرست فيها الكتب ، كمعجم الأدباء لياقوت ،على أن اشتراك كثير من المؤلفين فى عنوانات الكتب يحملنا على الحذر الشديد فى إثبات اسم المؤلف المجهول ، إذ لا بد من مراعاة اعتبارات تحقيقيَّة ، ومدى تطويعها لما يعرفه المحقق عن المؤلف وحياته العلمية وعن أسلوبه وعن عصره .والمحقق إذا عثر على طائفة معقولة من الكتب منسوبة إلى مؤلف معين فى نقل من النقول ، كان ذلك مما يؤيد ما يرجحه أو يقطع به فى ذلك .وأحيانًا تدل المصطلحات الرسمية فى الكتاب على ما يوجهنا إلى تعيين عصر المؤلف ، يظهر ذلك لمن قرأ شيئًا من هذه المصطلحات فى صبح الأعشى للقلقشندى ، والتَّعريف بالمصطلح الشريف لابن فضل اللّٰه العمرى (١) .وقد يعترى التحريف والتصحيف أسماء المؤلفين المثبتة فى الكتب ، فالنصرى قد يصحف بالبصرى، وكل أولئك يحتاج إلى تحقيق لا يكتفى فيه بمرجع واحد ، فقد يكون ذلك المرجع فيه عينذلك التصحيف أو تصحيف آخر أقسى منه ، فليس هنا بُدٌّ من اجتلاب الطمأنينة فى ذلك بالبحث العلمى الواسع .وما قيل فى تزيبف العناوين يقال أيضًا فى تزييف أسماء المؤلفين ، لذلك لم يكن بد من أن يتنبه المحقق لهذا الأمر الدقيق .تحقيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه :وليس بالأمر الهين أن نؤمن بصحة نسبة أى كتاب كان إلى مؤلفه ، ولاسيما الكتب الخاملة التى ليست لها شهرة ، فيجب أن تعرض هذه النسبة على فهارس المكتبات والمؤلفات الكتبية وكتب التراجم ، لنستمد منها اليقين بأن هذا الكتاب صحيح الانتساب .وقديمًا تكلم الناس فى كتاب العين المنسوب إلى الخليل . وقد ساق السيوطى فى المزهر(١) نصوص العلماء وأقوالهم فى القدح فى نسبة هذا الكتاب ، ويكادون بجمعون أن الخليل وضع منهجه ورسمه ، وأن العلماء حشوه من بعده .وقد ذكر السيرافى فى كتابه أخبار النحويين البصريبن (٢) أن الخليل (( عملأول كتاب العين ) .والذى نبه العلماء إلى ذلك دراستهم للكتاب ، وتآدِّيهم إلى أن مثل هذا التأليف لا يصح أن ينسب إلى رجل قارب الغاية فى الفضل مثل الخليل .فمعرفة القدر العلمى لمؤلف مما يسعف فى التحقُّق بنسبة الكتاب .على أن بعض المؤلفين تتفاوت أقدارهم العلمية وتختلف اختلافاً ظاهرًا بتفاوت أعمارهم ، وباختلاف ضروب التأليف التى يعالجونها ، فنجد المؤلف الواحد يكتب فى صدر شبابه كتاباً ضعيفًا ، فإذا عَلَت به السن وجدت بَونًا شاسعًا بين يوميه. وهو كذلك يكتب فى فن من الفنون قويًا متقنًا ، على حين يكتب فى غيره وهو من الضعف على حال . فلا يصح أن يجعل هذا القياس حاسمًا باطراد ، فى تصحيح نسبة الكتاب .وَتُعدُّ الاعتبارات التاريخية من أقوى المقاييس فى تصحيح نسبة الكتاب أو تزييفها ، فالكتاب الذى تحشد فيه أخبار تاريخية تالية لعصر مؤلفه الذى نسب إليه جدير بأن يسقط من حساب ذلك المؤلف ، ومن أمثلة ذلك كتاب نُسب إلى الجاحظ ، وعنوانه (( كتاب تنبيه الملوك والمكايد )) ، ومنه صورة مودعة بدار الكتب المصرية برقم ٢٣٤٥ أدب . وهذا الكتاب زيف لا ريب فى ذلك ؛ فإنك تجد من أبوابه باب ( نكت من مكايد كافور الإخشيدى ) و (( مكيدة توزون بالمتقى الله )) . وكافور الإخشيدى كان يحيا بين سنتى ٢٩٢ و ٣٥٧ والمتقى لله كان يحيا بين سنتى ٢٩٧ و ٣٥٧ . فهذا كله تاريخ بعد وفاة الجاحظ بعشرات من السنين . وأعجب من ذلك مقدمة الكتاب التى لا يصح أن تنتمى إلى قلم الجاحظ وهذا صدرها : ( الحمد لله الذى افتتح بالحمد كتابًا ، وفتح للعبد إذا وافا ( وافى ) إليه بابًا ، قسم بين خليقته فطوروا أطوارًا وتحزبوا أحزابًا ، فهم دائرون فى دائرة إرادته لا يستطيعون عنها انقلابًا ، داهشون فى بدائع حكمته ،وليس هذا الأسلوب بحاجة إلى التعليق ، كما أن الكتاب ليس بحاجة إلىأن نسهب فى نفى نسبته إلى أبى عثمان الجاحظ .ومعناه أن يؤدى الكتاب أداءً صادقًا كما وضعه مؤلفه كمَّا وكيفًا بقدر الإمكان ، فليس معنى تحقيق الكتاب أن نلتمس للأسلوب النازل أسلوبًا هو أعلى منه ، أو نُجِلّ كلمة صحيحة محل أخرى صحيحة بدعوى أن أولاهما أولى بمكانها ، أو ينسب صاحب الكتاب نصًّا من النصوص إلى قائل وهو مخطىء فى هذه النسبة فيبدل المحقق ذلك الخطأ ويحل محله الصواب ، أو أن يخطىء فى عبارة خطأ نحويًا دقيقًا فيصحح خطأه فى ذلك ، أو أن يوجز عباراته إيجازًا مخلاً فيبسط المحقق عبارته بما يدفع الإخلال ، أو أن خطىء المؤلف فى ذكر عَلَم من الأعلام فيأتى به المحقق على صوابه .وقد وجدت الأزهرى صاحب التهذيب يذكر فى مقدمة معجمه أبا عمرو الشيبانى أنه إسحاق بن مراد ، فحدثتنى نفسى أن أصححه بمرار كما هو معروف متيقّن من كتب التراجم ، ولكنى وجدت أن القدماء قد سجلوا عليه هذا الخطأ قديمًا ، وأنهم وجدوا ذلك بخط الأزهرى (١) . وبذلك لم تكن لى مندوحة من أن أبقى الاسم على خطئه كما هو (٢) .ووجدت ابن إسحاق فى السيرة (٣) يلقب أسماء بنت أبى بكر بذات النطاق ، وعهدى وعهد الناس بها أنها (( ذات النطاقين )) فهممت - ولم أفعل - ولكنى لم ألبث أن وجدت ابن هشام يعقّب على ذلك بقوله : (( وسمعت غير واحد من أهل العلم يقول : ذاتِ النطاقين . وتفسيره أنها لما أرادت أن تعلق السفرة شقت نطاقها باثنين ، فعلّقت السفرة بواحد وانتطقت بالآخر ) . فلم يبدل ابن هشام (( ذات النطاق ) أمانة منه وحفاظًا على النص ، مع شهرة اللقب الثانى وورود حديث : ( أبدلك اللّٰه بنطاقك هذا نطاقين فى الجنة » .ليس تحقيق المتن تحسينًا أو تصحيحًا ، وإنما هو أمانة الأداء التى تقتضيها أمانة التاريخ ، فإن متن الكتاب حكم على المؤلف ، وحكم على عصره وبيئته ، وهى اعتبارات تاريخية لها حرمتها ، كما أن ذلك الضرب من التصرف عدوان على حق المؤلف الذى له وحده حق التبديل والتغيير .وإذا كان المحقق موسومًا بصفة الجُرأة فأَجْدَرُ به أن يتنحَّى عن مثل هذا العمل ، وليدعْه لغيره ممن هو موسوم بالإشفاق والحذر .إن التحقيق نتاج خلقى ، لا يقوى عليه إلا من وهب خلَّتين شديدتين : الأمانة والصبر ،وقد يقال : كيف نترك ذلك الخطأ يشيع ، وكيف نعالجه ؟ فالجواب أن المحقق إن فطن إلى شىء من ذلك الخطأ نبه عليه فى الحاشية أو فى آخر الكتاب وبين وجه الصواب فيه .ومع ذلك قد أجاز بعض المؤلفين أن يتصرف قراؤهم العلماء فى كتبهم بالإصلاح والتصحيح . جاء فى نهاية عيون الأثر لابن سيد الناس مانصه (١) : قد انتهى بنا الغرض فيما أوردناه إلى ما أردناه ، ولم نسلك بعون اللّٰه فيه غير الاقتصاد الذى قصدناه . فمن عثر فيه على وهم أو تحريف أو خطأ أو تصحيف ، فليصلح ما عثر عليه من ذلك ، وليسلك سبيل العلماء فى قبول العذر هناك . ومن مرَّ بخبر لم أذكره ، فليضعه بحسب موضعه من التبويب ، أو نسقِهِ فى الترتيب ) .وهذا منهج نادر فى إجازة التصحيح ، ولا أظن أن عالما قارئًا لهذا الكتاب قد فعل ما أجازه مؤلفه .أما الشواهد من القرآن الكريم فلما لها من تقدير دينى ، لابد أن توضع فى نصابها . وقد كشفت فى أثناء تحقيقى لكتاب الحيوان عن تحريفات كثيرة لم أستطع إلَّا أن أردها إلى أصلها . ومن أمثلة ذلك فى الجزء الرابع ص ٧ : (( فلما أتوا على وادى ) وهى (( حتى إذا أتوا )) . وفى ص ١٥٩ : (( على أن لا أقولعلى اللّٰه إلا الحق فأرسل معى بنى إسرائيل )) وهى (( إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معى بنى إسرائيل )) . وفى ص ١٦٠ : (( ياموسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين )) ، وهى (( يا موسى لا تخف إنى لا يخاف لدىَّ المرسلون )) . وفى الجزء الخامس ص ٣٢ : (( إنى مبتليكم بنهر )) ، وهى (( إن اللّٰه مبتليكم بنهر )) .٩٣ : (( هو الذى جعل لكم من الشجر الأخضر نارًا)) والوجه إسقاط (( هو )) .ص ١٣٧ : (( وأنهار من ماء غير آسن)) ، وفى ص ٥٤٤ :ثم اسلكى سبل ربك )) ، وإنما هى (( فاسلكى سبل ربك )) . وفى ص ٥٤٧ فى بعض النسخ : (( فلما جاء أمرنا وفار التنور )) وفى بعضها : (( ولما جاء)) ، وإنما هى (( فإذا جاء أمرنا )) .ومن عجب أن يشيع هذا التحريف القرآنى فى كتاب معروف مثل كتاب الحيوان ولا يتصدى له من يصلحه فى خلال هذه القرون المتطاولة . وفى ذلك يصدق المثل القائل : (( يؤتى الحذر من مأمنه )) .وجاء فى كتاب الجوارى للجاحظ فى مجموعة داماد : (( ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة ومقتًا وساء سبيلا )) ، وهى (( إنه كان فاحشة وساء سبيلا )) .ومما عثرت عليه فى مخطوطات تهذيب اللغة للأزهرى من التصحيف القرآنى ما جاء فى مادة ( وقى) : (( مالكم من اللّٰه واق )) وهى (( ما لهم من اللّٰه من واق )) . وفى مادة ( فوق ) : (( ما ينظرون إلا صيحة ما لها من فواق )) وهى (( وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق )) .وفى مخطوطات كتاب سيبويه ونسخه المطبوعة فى ثلاث طبعات (١) : والذاكرين اللّٰه كثيرا والذاكرات والحافظين فروجهم والحافظات )) ،«والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين اللّٰه كثيرًا والذاكرات )) .وفيه أيضا : (( إن المتقين فى جنات وعيون . ويفهم من صنيعه أن الآية الأولى فى كل من النصين : (( إن المتقين فى جنات وعيون )) . وليس كذلك فإن الآية السابقة لفاكهين هى : (إن المتقين فى جنات ونعيم ) فى سورة الطور ، والسابقة لآخذين هى الآية ١٥ من سورة الذاريات . وفى اللسان ( فرق ) : (( وأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك لبخر)) (١) ، وإنما هى : ( فأوحينا ) .وفى أصل مقاييس اللغة مادة ( نكب ) : (( وهم على الصراط ناكبون )) ، تحريف الاية ٧٤ من المؤمنين : وإن الذين لا يؤمنون بالاخرة عن الصراط لنا كبون ) .وفى خزانة الأدب (٢) : (( وما لهم به من علم إلا اتباع الظن )) فى نسختيه : وإنما هى : ( مالهم به من علم ) بطرح الواو ، وهى الآية ١٥٧ من سورة النساء . وفى سورة النجم الآية ٢٨ : و وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن ) . فهذه هى التى الواو فى أولها لا تلك .وفى توضيح ابن هشام (٣) فى بعض النسخ : (( أن اضرب بعصاك الحجر فانفجرت )) وإنما هى ( فانبجست ) (٤) .وفى شرح الرضى للكافية (٥) : (( افعلوا الخير لعلكم تُرحَمون )) ، وإنما هى ( لعلكم تفلحون ) (٦) .وإنما أسهبت فى تلك الأمثلة لأنبّه على أمرين :أما أحدهما فإنه يجب أن يستشعر المحقق الحذر الكامل فى تحقيق الآيات القرآنية ، وألا يركن إلى أمانة غيره فى ذلك مهما بلغ قدره .وأما الآخر فإنّ التزَمُّت فى إبقاء النص القرآني المحرف فى الصلب كما هو ، فإن خطر القرآن الكريم يجل عن آن نجامل فيه مخطئًا ، أو نحفط فيه حق مؤلف لم يلتزم الدقة فيما يجب عليه فيه أن يلزم غاية الحذر ومع ذلك فإننا نرى بعض المتزمتين الغالين يذهب إلى التزام الأمانة الصارمة فى أداء النص القرآنى الخاطىء يؤديه كما وقع من مؤلفه . والمسألة خلافية قديمة بسطها ابن كثير فى كتابه اختصار علوم الحديث (١) .وأما إذا لحن الشيخ فالصواب أن يرويه السامع على الصواب ، وهو محكىٌّ عن الأوزاعى وابن المبارك والجمهور . وحكى عن محمد بن سيرين وأبى مَعمر عبد اللّٰه بن سَخبرة أنهما قالا : يرويه كما سمعه من الشيخ ملحونًا .الصلاح : وهذا غلوٌّ فى مذهب اتباع اللفظ . وعن القاضى عياض : أن الذى ستمر عليه عمل أكثر الأشياخ أن ينقلوا الرواية كما وصلت إليهم ولا يغيروها فى كتبهم ، حتى فى أحرف من القرآن استمرت الرواية فيها على خلاف التلاوة ، ومن غير أن يجىء ذلك فى الشواذ ، كما وقع فى الصحيحين والموطأ ، لكن أهل المعرفة منهم ينبهون على ذلك عند السماع ، وفى الحواشى .ثم قال : ( وعن عبد اللّٰه بن أحمد بن حنبل أن آباه كان يصلح اللحن الفاحش ويسكت عن الخفى السهل )) .فالمسألة قديمة جدًا مردُّها إلى الأمانة ، وهى متحققة فى المذهبين إذا نبه لصحح على ما كان عليه الأصل الذى صحَّحه ،واختبار النصوص القرآنية لا يكفى فيه أن نرجع إلى المصحف المتداول ، بل لابد فيه من الرجوع إلى كتب القراءات وكتب التفسير . ففى كتب القراءات يرجع المحقق إلى كتب القراءات السبع ، ثم كتب القراءات الشاذة . وفى كتب التفسير يلجا إلى تلك التى تعنى عناية خاصة بالقراءات كتفسير القرطبى وأبى حيان . ولذلك يجدر أن ينسب المحقق كل قراءة تكون مخالفة لقراءة الجمهور .ومما يجدر ذكره فى نطاق تحقيق النص القرآنى أن بعض المؤلفين قد يستشهد بالنص ، أو ما أشبه ذلك من الحروف والكلم ، نحو : (( وقل جاء الحق )) فيقتصر على :( قل جاء الحق ))أو على : (( جاء الحق )) ، فليس من منهج التحقيق أن يكمل المحقق الآية بذكر الحرف أو الكلمة التى تركها المؤلف ؛ فقد جرى الشافعى - وهو من هو - فى الرساله (١) على استعمال ذلك الحذف . وكذلك فعل الجاحظ فى الحيوان (٢) ، ومُقاتل فى الأشباه والنظائر (٣) فى أكثر من اثنى عشر موضعًا . بل وقع ذلك أيضًا فى صحيح البخارى من حديث أبى هريرة (٤) : (( لا يحسبنَّ الذين يبخلون )) ،وأما نصوص الحديث فإنها يجب أن تختبر بعرضها على مراجع الحديث ، لقراءة نصها وتخريجها إن أمكن التخريج . وتعدد روايات الحديث يدفعنا إلى أن نحمِّل المؤلف أمانة روايته ، فنبقيها كما كتبها المؤلف إذا وصلنا إلى يقين بأنه كتبها كذلك ، ولندع للتعليق ما يدل على ضعف روايته أو قوتها .وهذا أيضًا هو واجب المحقق إزاء كل نص من النصوص المضمنة ، يجب أن يتجه إلى مراجعها ليستعين بها فى قراءة النص وتخريجه إن أمكن التخريج . ومع ذلك يجب أن نحترم رواية المؤلف إذا أيقنا أن ما فى النسخه هو ما قصده المؤلف وأراده ، ولاسيما إذا كان يبنى على تلك الرواية حكمًا خاصًا . فهذا قيد شديد يحرّم على المحقق أن يتناول النص بتغيير أو تبديل .وهذه الضروب الثلاثة من النصوص هى أخطر ما يجب فيه الدقة والحرص والتريث ، وليس معنى ذلك أن نستهين بغيرها ،عرفت إذن أن التحقيق أمر جليل ، وأنه يحتاج من الجهد والعناية إلى أكثر مما يحتاج إليه التأليف . وقديمًا قال الجاحظ (١) : (( ولربما أراد مؤلف الكتاب أن يصلح تصحيفًا أو كلمة ساقطة ، فيكون إنشاء عشر ورقات من مخرّ اللفظ وشريف المعانى ، أيسرَ عليه من إتمام ذلك النقص حتى يردَّه إلى موضعه من اتصال الكلام )) .