كان الجاحظ أول من رفض مقولة النظام في الإعجاز القرآني وفتح باب البحث في الإعجاز البلاغي للقرآن، وقد رأى أن بيان القرآن ونظمه وتأليفه يحتاج إلى كتاب مستقل يودع فيه رأيه في إعجاز القرآن آن . من هذه الناحية فألف كتاب نظم القرآن بشكل يوضح الحجة في إعجازه ولاشك أن لآراء الجاحظ في بيان القرآن في هذا الكتاب أثارها في توجيه الدراسات الأدبية والنقدية بعد ذلك "(2). وبرغم فقدان كتاب نظم القرآن فإن من الممكن التعرف على آراء الجاحظ فيه؛ لأنه كثيراً ما يشير إليه وينقل عنه كثيراً من الآراء التي طرحها في كتبه المختلفة خاصة في رسالته : "حجج النبوة"، وقد اختلف العلماء حول كتاب نظم القرآن للجاحظ فمنهم من يقول عنه: "فمن قرأ كتاب عمرو الجاحظ في نظم القرآن علم أن له في الإسلام غناء عظيماً لم يكن الله عز وجل ليضيعه عليه "(1). له ومنهم من يقول عنه : "إنه لم يزد فيه على ما قاله المتكلمون قبله ولم يكشف عما يلتبس في أكثر هذا المعنى"(2). وبعيداً عن هذين الرأيين الناضحين بالتعصب ضد الجاحظ أو له، فإن معظم الباحثين المعاصرين يقدمون الجاحظ ويعترفون بالفضل، فيقول عنه أحدهم: "الجاحظ أعظم رجل أخرجته لنا مدرسة النظام (3)، ويقول عنه آخر : ولا يعرف المتكلمون أحداً منهم نصر الرسالة واحتج للنبوة بلغ في ذلك ما بلغه الجاحظ، ولا يعرف كتاب في الاحتجاج لنظم القرآن وعجيب تأليفه، وأنه حجة لمحمد --- على نبوته غير كتاب الجاحظ، وكان الجاحظ أكثر معاصريه صراحة في الوقوف بوجه هؤلاء الشعوبيين فلم يقتصر في دفاعه على كتابه نظم القرآن الذي ألفه لهذه الغاية، وإنما رأيناه في أكثر مؤلفاته لا يترك فرصة إلا ويندد فيها بأعداء القرآن والعرب "(4). وقد اعتمد الجاحظ في كتابه نظم القرآن في أغلب الظن فالبلاغة الساحرة، والخصائص البيانية الرائعة، والفصاحة الباهرة جعلت منه نصاً في الذروة من البلاغة وفي القمة من الإعجاز (6). وقد عبر الجاحظ عن هذا الرأى بقوله : "وفي كتابنا المنزل الذي يدلنا على أنه صدق، نظمه البديع الذي لا يقدر على مثله العباد، مع ما سوى ذلك من الدلائل التي جاء بها من جاء به (1) وهكذا يكون رأى الجاحظ في الإعجاز كرأى أهل العربية وهو أن القرآن في الدرجة العليا من البلاغة التي لم يعهد مثلها، ووجه الإعجاز عنده متصل بالنظم وحده بصرف النظر عما يحويه القرآن من المعانى إذ طلب الله تعالى إليهم أن يأتوا بعشر من مثله في المنظم والروعة في التأليف وحتى ولو حوي التأليف الرائع كل باطل ومفترى ولا معنى له، فما بال القرآن وقد جمع إلى النظام الرائع المعاني الفائقة "(2). التي قام بها الجاحظ في دراسة الإعجاز القرآني أنه يرى القرآن معجزاً من حيث تميز بديع نظمه وبلاغة تأليفه عن كل نظم نظم وتأليف وتدل بحوثه الموزعة في كتبه المتعددة على أن سبل التأكد من ذلك واستكشاف معالمه تلتمس في الكيفية الخاصة لتعبيره عن المعانى على نحو يبلغ الغاية من توظيف المجاز في اللفظ والتركيب وتحقيق فاعلية التشبيه والتمثيل والاستعارة والمجاز الدقيق في موضعه وفى إثرها الأمثلة التي تجرى المجرى ذاته من كلام فصحاء العرب وبلغائهم مع ما فيها من بيان عظم الفرق برغم التسليم لكل بالتميز (3). وتشير تعليقات الجاحظ في البيان والتبيين إلى أنه يطلق النظم على نظم الحروف وتلاوم مزاجها وانسجام أجراسها حتى تكون فى خفتها ورشاقتها كالحرف الواحد (4). وأنه حين تحدث عن عنصريها المعنى واللفظ إنما كان بسبيل التشريح والتحليل، وفي مجال العرض والإيضاح، ولم يكن أبداً ذا نظرة جزئية قاصرة يحتازها اللفظ أو يملكها المعنى (5). موقف الجاحظ من الصرفة : يرى ومن خلال هذا النص يتضح أن الجاحظ الصرفة وجهاً من وجوه الإعجاز بالإضافة إلى النظم، ولكن هناك فرق ولكنه يرى أن الله رفع استطاعة الإتيان بمثل القرآن من أوهام العرب فقال :