سلفًا، أو بتحليل التوجهات الرائجة على وسائل التواصل بافتراض تخطّي الصعوبات المنهجية؛ بمعنى أنه حتى حينما نستنتج انتشارَ ثقافةٍ سياسية من نوع معيّن، ولا سيما في الحياة اليومية، إذ يمكن أن تكون مجرد متكيّفة مع المحيط. وقد عدّ المفكر العربي بشارة أنّ سَوْق عدم توافر ثقافة مواتية للديمقراطية في بلدان العالم الثالث تفسيرًا لغياب الديمقراطية، يقلب في الحقيقة السبب والنتيجة؛ فهو يعُدّ الثقافة الديمقراطية في الغرب سابقةً على وجود النظام. وقد ربطها بعض الباحثين بكل جدّية بمزايا الشعوب الشمالية وتاريخها السابق، بدءًا بمجالس قبائلهم ما قبل المسيحية، ينافح بشارة أن مجالس القبائل وصنع القرار الجماعي ليست أمورًا خاصة بالقبائل الجرمانية، كما أن التراث اليهودي - المسيحي، وفي الحقيقة، فإن التراثين اليهودي والمسيحي يشتملان على عناصر مناهضة للديمقراطية تفوق بكثير ما تشتمل عليه من عناصر ديمقراطية، وعادةً ما تنسب إليها هذه الأخيرة على نحو ارتجاعي. إحدى الخلاصات المهمة التي استنتجها بشارة في خاتمة درسه وتحليله لمفهوم الثقافة السياسية أنّ الثقافة الديمقراطية السائدة التي تساهم في التزام سيادة القانون وحقوق المواطن والتعددية السياسية، هي نتاج تطور تدريجي للنظام الديمقراطي ونشوئه على مراحل، في حين أن بدايات النظام الليبرالي المتواضعة ديمقراطيًا، لا تُفسِّرها أيُّ ثقافة سادت قبل نشوئها، ولظروف أخرى في الولايات المتحدة، ولم يمرّ من خلال الصيرورة ذاتها، وأن شروط الانتقال الديمقراطي في العالم المعاصر تتلخص في استقرار الدولة وشرعيتها،