لم يجد رضوان بدّا من التعويل على نفسه فأخذ معولة وشرع في الحفر بكل هدوء حتى لا يُزعج جده الذي كان بيته قريبا من الموضع الذي به مشروعه ، وكانَ الجِدُّ مُتعوّدًا على العودة إلى فراشه بعد أداء صلاة الصبح وقراءة وزده من القرآن وتناول فطور الصباح مع ابنيه رضا وعبد الواحد كلما سنحت الفرص بذلك.ظل الفتى ساعة أو أكثر يحفر وطوال تلك المدة ظل بديع مختبئا بأحد المواضع يراقبه وهو ينجز عمله باتقان والعرق يتصبب من جبينه بغزارة وكان رضوان بين الفينة والأخرى يسد أنفه كلما دوخته الرائحة الكريهة، في حين كان بديع لا يتمالك نفسه من فرط الضحك الذي كان يهزه هزا وهُوَ يُهمِس في قرارة نفسه هذا هو رضوان النجيب الذي سيحقق حلم جده ويبني سدا عظيما ينقذ البلاد والعباد، انظُرُوا إليه ماذا يفعل انظروا إلى أبن أوصلته نجابته ، هل هذا مفخرة العائلة أم مجنونها المرتقب؟ إنَّه لا يكاد يصدق ما ترى عيناة لقد أخرج رضوان من باطن الأرض جزة صغيرة ، رأه يعالج فمها ليفتحها ، وإذا بقطع نقدية كثيرة تخرج منهاوهي تبرق تحت أشعة الشمس وصرخ الفتىوما هي إلا لحظات قليلة حتى خرج الجد يُهزول:ماذا هناك يا رَضْوَان؟ ماذا هناك ما الَّذِي ذَهَاكَ يَا بُنَيَّ؟ هذه ثمار الخمسة دنانير التي أهديتني إياها عند نجاحي لقد زرعتها وهاهي ذيمَسَحَ الجِدُّ بحَنانٍ على رأسِ رَضْوانَ وهُوَ يَقُولُ:مبارك عليك زرعك يا عزيزي كم أنا فخور بكحمل الفتى حفنة من المال بين راحتيه وهو يُريها جده ويقول: سيفرح أبي كثيرا عندما أقدمه له ، ولهذا سأطلعك على سِرّ لا يعلمه غيْرِي،وحمل رضوان الجرة وتبع جده والفرحة تغمرة ، لقد نسي التعب والروائح الكريهة التي ملأت أنفه وصدرهوحتى دماغهُ وأَسَرَّ في نفسِهِ " إِنَّ بَعْدَ العُسْرِ يُسْرًا"وجلس الجد على كرسيه الخشبي العتيق وقال مُخاطِبا رضوان بصوت جهوري- اجلس يا ولدي قبالتي ، هذه ثمرة من ثمار اجتهادك وكَدكَ وصدقك، أنتَ تمكنت من استخراج الجُزءِ الأول من الكنز الذي تركَهُ جَدنا الأكبرُ ياقوتُ والجُزْءُ الثَّانِي المُتبقي منهُ مَحْبُوء في الأرض المتصلة بحديقة عمك عبد الواحد ، لكن حاذر من بديع وإياك ثمَّ إِياكَ أَن تُخبره بهذا السروإلا فإنَّه سيعمل على إيجاد الكنز وقد يُفْلِحُ في استخراجهلكن هل تعلم يا جدي أنَّ بديعا هو صاحب الفكرة في هذا المشروع ؟ وأنا أفكر في إعطائِهِ قطعةفرد عليه الجد على الفور :ما دمت قد وعدته بعشر قطع فيجب عليك أن تفي بوعدك له، فانه تعالى أمرنا بالوفاء بالوعود .- وإنك لحسَنا تفعل لأن بديعا إذا أخذ منك أية قطعة من هذه الجرة فلن يكون باستطاعتِهِ مهما فعلالوصول إلى بقية الكنز.لكني لا أقبل بأخذ نصيب غيري، أليس من باب العدل يا جدي أن يحصل بديع على النصفالثاني من الكنز ويقدمه لعمي مثلما سأفعل أنا الآن؟